طوفان المعلومات المزيفة

نطالع كل يوم عشرات المعلومات المغلوطة والمزيفة، ومنها ما يتم اختلاقها عن قصد ومنها ما يتم خلقها وتداولها بغير قصد (عفوية)، وما يُسهل سرعة انتشارها هو استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، والوسائل الرقمية الأخرى مثل يوتيوب وغيرها من الوسائط والوسائل الأكثر شعبية بين الناس اليوم.

وبقدر ما أن نشر وإشاعة المعلومات المزيفة قد أصبح سهلا من خلال استخدام الوسائل الرقمية، إلا أنه -ولذات السبب- أصبح اليوم كشف زيف هذه المعلومات سهلا أكثر من أي وقت. عشر دقائق كافية لكشف زيف أي معلومة من خلال القيام ببحث سريع في شبكة الإنترنت باستخدام طرق مختلفة للتحقق من أي محتوى، ولكن ما يمكن تسميته بكسل السامع يسهل انتشار الإشاعة، ويطول عمرها، لأن لا أحد مستعد لبذل القليل من الجهد للتحقق وكشف الحقيقة.

وضعت شركة فيسبوك تصنيف لأي محتوى يتكون من 9 تصنيفات هي: زائف، زائف جزئياً، صحيح، عنوان مضلل، غير مؤهل، ساخر، رأي، خادع، بلا تقييم (وهذا التصنيف الأخير يقصد به الحالة الافتراضية قبل أن تجري جهات تدقيق الحقائق عملية تدقيق حقائق للمحتوى).

وفي الأشهر القليلة الماضية، انتشرت الكثير من المعلومات غير الدقيقة في ظل وجود أزمة كورونا، حيث تنتعش سوق الشائعات والإشاعات في الأزمات لاسيما الأزمات العالمية سواء كانت أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو حروب…الخ نظراً لكون الناس تعيش في حالة من التوتر والقلق، فيميلون لتصديق الأخبار الأكثر سلبية، كون طريقة تفكيرهم تقولبت على الرؤية السلبية للأحداث.

ومن هذه الإشاعات ما هو محلي ينحصر في إطار جغرافي محدد، ومنها ما هو ذات طابع عالمي، ينتشر في كل دول العالم، بعد أن يبدأ نشرها من خلال صحيفة صفراء مثلا، أو بواسطة أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتنوع هذه المعلومات المزيفة بين طبية، وصحية، وسياسية، واقتصادية، ودينية وغيرها، ومنها ما يأتي في شكل وسائط مرئية (فيديو)، ومنها ما يأتي في شكل مواد نصية مزيفة، ومنها ما يأتي مدعم بأرقام وإحصائيات وبيانات مزيفة، أو ترجمة أو دبلجة مزيفة.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن أحد أهم أسباب انتشار الإشاعة هو تناغم الإشاعة مع قناعات واعتقادات المجتمعات، فالإنسان بطبيعته يهتم بالخبر الذي يوافق فكره، ويتجاهل الخبر الذي يتعارض مع اعتقاده، وبما يعني أنه من السهل نشر الإشاعات المؤدلجة والمسيسة بين المتعصبين  للإيديولوجيا أو التيار السياسي الذي بُنيت على أفكاره الإشاعة، وهو ما يسمى بالتحيز الفكري.

ومن أمثلة المعلومات المضللة التي شاعت في العديد من الدول العربية في الأشهر القليلة الماضية، إشاعة مدعمة ببعض الوسائل المسموعة والمرئية تتضمن إدعاء بسماع صوت الحوت الأزرق. الحقيقة هي أن مصدر الأصوات التي تم تركيبها في مقاطع الفيديو هي مقاطع صوتية معدلة، علماً بأن أصوات الحيتان عبارة عن موجات صوتية يتعذر على البشر سماعها.

ومثال آخر ذي بعد سياسي/ديني هو انتشار أغنية صينية تظهر فيها فتاة صينية تقوم بالغناء والدموع تسيل على خديها، ويظهر في الخلفية مشاهد متنوعة للتعبير عن أزمة كورونا. انتشرت الأغنية مع تعليق بالعربية عليها يقول بأن عنوان الأغنية هو “لم نكن نعلم” وأن كلمات الأغنية هي اعتذار للمسلمين على ما بدر من الحكومة الصينية تجاه المسلمين من عرقية الايغور. والحقيقة أن الأغنية لم تذكر المسلمين على الإطلاق، وإنما تهدف لرفع معنويات أهالي مدينة ووهان المنكوبة “بؤرة الفيروس”، وتشد على أيديهم لرفع عزيمتهم لمواجهة الجائحة.

وأختم الأمثلة بمثال ثالث، نُشرت صورة للرئيس الصيني على أنه في مستشفى ووهان، ولا يرتدي كمامات في الصورة تأكيداً على الانتصار على الفيروس. والحقيقة هي أن هذه الصورة التقطت للرئيس الصيني أثناء زيارته لمجمع غوانغدونغ للطب والتكنولوجيا في عام 2018.

وفي هذه العجالة أجدها فرصة للإشارة إلى منصة عربية رائدة تستحق الإشادة في مجال التحقق من المعلومات، وهي “فتبينوا“، وتهدف إلى تنقية المحتوى العربي على  الإنترنت من الإشاعة والأخبار المزيفة والخرافات، وهي بذلك تقوم بدور مميز في صناعة عقليّة نقدية لدى القارئ العربي تتحرى كل شيء قبل نشره، وتؤكد على ضرورة السعي لمعرفة الحقيقة في كل المجالات العلمية، الاجتماعية، السياسية وغيرها من المجالات. تحية لصائدي الأخطاء في “فتبينوا”؛ زوروا موقعهم على الإنترنت.

والخلاصة من هذا كله هي أن المعلومات المزيفة تنتشر بسرعة كما تنتشر النار في الهشيم، وتضلل الكثير من الناس، بل وتتحكم في إحكامهم، وبالتالي فمن المهم التحقق من المعلومات والتحقق من مصادرها الأصلية لمحاربة ومكافحة المعلومات المضللة.

 

نماذج للمعلومات المضللة 👇: