الكشكشة والشنشنة

WorldArabicLanguageDay22من خلال تجربة التحدث الى الناطقين بالعربية كلغة ثانية في ماليزيا، نجد ان اللهجات العربية الدارجة كثيرة ومتنوعة ومختلفة عن بعضها في التراكيب اللغوية والضمائر والمفردات والنحو والصرف، مما يجعل المتعلم للغة العربية يواجه صعوبة بالغة تزداد عندما لا فضل الحديث بالعربية الفصحى مع المتعلمين والناطقين بالعربية كلغة ثانية. اذ يواجه الناطقين بالعربية كلغة ثانية مشكلة واضحة في التعامل مع اللهجات العربية العامية لما بينها وبين العربية الفصحى من بون شاسع واختلاف في الاشتقاق والتصريف والاعراب والضمائر.

وممادفعني الى كتابة هذا المقال، هو استغراب وعدم فهم ناطقي العربية في بلد كماليزيا لظواهر لغوية كثيرة كالكشكشة في اللغة العربية، وهي قلب كاف المؤنث او ضمير المفرد المؤنث شيناً، كقولنا (حالش) بمعنى ( حالك)، و(منش) بمعنى (منك)، و(عليش) بمعنى (عليك) وهكذا. وتسمى احيانا كشكشة اسد نسبة الى اسد بالاضافة الى اتباع تميم وغيرهم لهذه الطريقة.

وقد ذكر سيبويه وابن جني وغيرهما نوعين من الكشكشة، واحدة تعني ابدال الضمير المفرد المؤنث المتصل مثل (اعطيتش) بمعنى (اعطيتك)، والثانية اضاف الشين بعد الكاف كقولنا (اعطيتكش) بمعنى (اعطيتك).

وهناك ما يسمى بالشنشنة، وهي قلب الكاف شيناً في كل الحالات وبدون استثناءات، سواء في حالة الوقف او الوصل، وحتى ربما للمذكر المفرد، وليس للمؤنث المفرد فقط. كما ان هناك ظاهرة لغوية تسمى (الكسكسة) وهي الكاف سينا في مثل (عنكس) التي تعني (عنك) للمؤنث.

وعلل سيبويه الظاهرة بانها نتجت كضرورة للتفريق بين الضمير المخاطب للمؤنث والمذكر، مثلما نفرق بين المذكر الجمع والمؤنث الجمع باضافة نون النسوة كقولنا (اعطيتكن). فغياب الحركة عند الوقف يسبب عدم القدرة على التفريق بين ضمير المذكر(كَ) و ضمير المؤنث (كِ).

وتوجد هذه الظاهرة في العديد من اللجات العربية الحديثة في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية خاصة في اليمن وجنوب السعودية وبعض مناطق الخليج العربي الاخرى.

ومن الظواهر اللغوية المشابهة والتي لا يفهمها السامع منذ اول وهلة ماتسمى بالطمطمانية، وهي تتغيير ( ال التعريف) الى (ام) مثل (امبر) بمعنى (البر) و( امرجال) بمعنى (الرجال) وهكذا. وتوجد ام التعريف في لهجات عديدة خاصة في اليمن. وهناك حديث نبوي شريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من امبر امصيام في امسفر) بمعنى ( ليس من البر الصيام في السفر) عندما خاطب اهل هذه اللهجة، وهم كما يقول الاشعريين. 

المدونة في ظفار

المدونة في ظفار2سلطت المدونة منذ تأسيسها الضوء على العديد من الجوانب في أرخبيل الملايو بصورة عامة وماليزيا بصورةخاصة باعتبارها بلد منشأ المدونة، وفي نفس الوقت سلطت الضوء على العديد من الجوانب في منطقة جنوب الجزيرة العربية والتي لم تحظى بالاهتمام من قبل الكتاب والصحفيين والمدونين وخاصة الثقافات الشعبية والمحلية التي تتمتع بخصوصية وبأصالة وعراقة.

في سلسلة من المقالات، ستسلط المدونة الضوء على محافظة ظفار العمانية، وتراثها ولهجات ولغات أهلها، وطبيتعها وغير ذلك من الجوانب التي تستحق الاهتمام لاسيما ما يسمى عند علماء اللغات باللغات العربية الجنوبية الحديثة في منطقة ظفار والمهرة وسقطرى.

ستسلط المدونة الضوء على التراث الإنساني الظفاري، وعلى الإنسان الظفاري قبل ظفار الارض والطبيعة، نظراً لعراقة الثقافة الظفارية التي تضرب جذورها في اعماق التاريخ، وحفاظ اهلها على الكثير من القيم الأصيلة واللغات واللهجات العريقة.

اجدها فرصة من خلال هذه المقالة لأوجه كلمة شكر للأخ العزيز سالم بن أحمد بن سكرون الذي يتواصل مع المدونة من خلال ايميل المدونة، والذي لن استغني عن الاستعانة به في الحصول على بعض المعلومات الدقيقة وتصحيح المعلومات التي سترد في المقالات القادمة باعتباره من اهل ظفار.

أتمنى أن تجدوا في هذه المقالات ما يستحق عناء القراءة، كما أتمنى أن نستلهم من ثقافة أهل ظفار القيم الإنسانية والفطرية التي يتمتعون بها، والتي يمكن ان تتجلى من خلال الثقافة الشعبية.خريطة عمان  موقع ظفار فيها

 

الصحافة العربية الحضرمية في سنغافورة (بين عام 1917 وعام 1943م)

الصحافة العربية في سنغافورةوفقاً لكتاب “الشيخ عبد العزيز البدَّاح سيرة حياته” للدكتور يعقوب يوسف الحجي، الصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، فقد أصدر العرب الحضارم في سنغافورة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الكثير من الصحف، وفيما يلي قائمة بأسماء معظم الصحف التي صدرت في سنغافورة من عام 1917 وحتى عام 1943.
الأيام:
أول صحيفة عربية في المهجر الشرقي ( جاوة وسنغافورة )، أسسها الاستاذ محمد بن يحي بن عقيل، صاحب كتاب (النصائح الكافية ) في أول جماد الثاني 1324هـ ( 1906م)، واستمرت حتى عام 1908م، وهناك صحيفة اسمها “الوطن ” يذكر أنها أول صحيفة عربية في هذا المهجر الشرقي.
الإصلاح:
صحيفة أسبوعية أدبية أسسها محمد بن عقيل العلوي عام 1908م، وكان رئيس تحريرها الشيخ كرامة بن سعيد بلدرم، ولقد استمرت في الصدور حتى عام 1910م.
الهدى:
أول جريدة أسبوعية ظهرت في سنغافورة بعد انقطاع طويل للصحف في هذه الجزيرة، أصدرها ورأس تحريرها عبد الواحد الجيلاني في 25 مايو 1931م، وتوقفت في شهر جون 1934 بعد أربع سنوات من النشاط، وذلك بعد رفع قضية عليها جعلتها تتوقف لأسباب مالية.
العرب:
أنشأها حسين بن علي السقاف، وكان رئيس تحريرها أحمد بن عمر بافقيه، وقد استمرت حتى يناير 1935م.
القصاص:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب الكثيري باللغة العامية الحضرمية في فبراير 1932م.
النهضة الحضرمية:
جريدة شهرية أصدرها أبوبكر السقاف العلوي في يناير 1933م، واستمرت حوالي العامين حتى عام 1934م.
الشعب الحضرمي:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في فبراير 1934 باللهجة العامية الحضرمية، ولم تستمر في صدورها طويلاً.
الجزاء:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في أبريل 1934 باللغة العربية الفصحى، واستمرت حتى شهر مايو 1934م على ما يبدو.
الحساب:
نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في يناير 1935، واستمرت حتى أبريل 1936م على ما يبدو.
المجد العربي:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في 20 مارس 1935م، وربما استمرت حتى سبتمبر 1935م.
صوت حضرموت:
جريدة شهرية صدر العدد الأول منها في مايو 1934، واستمرت أربع سنوات، ثم توقفت ثم عادت للصدور حتى عام 1947، صاحبها طه أبوبكر السقاف العلوي.
السلام:
جريدة شهرية صدرت تحت رعاية إبراهيم بن عمر السقاف، في 12 أبريل 1936، واستمرت حتى فبراير 1940 على ما يظهر، حيث توقفت بسبب عدم دفع المشتركين فيها ما عليهم من حقوق مادية لها. ولقد كانت السلام هذه بعثاً لجريدة العرب السابقة، ولكن بروح مختلفة تماماً، وذلك حين بدأت بوادر الانفراج في الأزمة التي عصفت في العرب في المهجر سنين طويلة.
المشهور:
أصدرها محمد بن زين السقاف في ديسمبر 1938، لكنها لم تستمر طويلاً.
الذكرى:
جريدة نصف شهرية أصدرها عبد الله بن عبد الرحمن الحبشي في سبتمبر عام 1939م، واستمرت حتى مايو 1940م.
الأخبار:
أصدرها عبد الواحد الجيلاني في سبتمبر 1939م، بعد توقف جريدته الهدى، كانت يومية في البدء ثم أصبحت أسبوعية، ثم توقفت عام 1941م.
الأخبار المصورة:
أصدرها السيد عبد الواحد الجيلاني في جولاي 1939م على ما يبدو، وربما توقفت في نوفمبر 1940م.

الصحافة العربية في اندونيسيا وسنغافورة

الصحافة العربية في إندونيسيا (من عام 1917 وحتى عام 1943م)

ضوئية للصفحة الاولى من أحد أعداد صحيفة "حضرموت" التي صدرت في سورابايا في جاوا عام 1920م، وكان صاحب الإمتياز هو الاستاذ عيدروس بن عمر المشهور، وكان يحررها العديد من أدباء المهجر من الجالية العربية الحضرمية في جزر الأرخبيل الهندي، وعلى رأسهم الأستاذ محمد بن هاشم، ويشاركه بعض شباب الجالية الحضرمية في سورابايا.

ضوئية للصفحة الاولى من أحد أعداد صحيفة “حضرموت” التي صدرت في سورابايا في جاوا عام 1923م، وكان صاحب الإمتياز هو الاستاذ عيدروس بن عمر المشهور، وكان يحررها العديد من أدباء المهجر من الجالية العربية الحضرمية في جزر الأرخبيل الهندي، وعلى رأسهم الأستاذ محمد بن هاشم، ويشاركه بعض شباب الجالية الحضرمية في سورابايا.

وفقاً لكتاب “الشيخ عبد العزيز البدَّاح سيرة حياته” للدكتور يعقوب يوسف الحجي، الصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، فقد أصدر العرب في أندونيسيا في الفترة ما بين الحربين العالميتين الكثير من الصحف، وفيما يلي قائمة بأسماء معظم الصحف التي صدرت في أندونيسيا من عام 1917 وحتى عام 1943.

الإقبال:
أول جريدة أصدرها الحضارم في جاوة، حيث صدر العدد الأول منها في أوائل شهر أكتوبر 1917م، ورأس تحريرها محمد حسين بارجا.
الإرشاد:
جريدة أسبوعية ناطقة باسم حزب الإرشاد، صدر العدد الأول منها في سواربايا في 11 جون 1920، رأس تحريرها حسن بن علي الثقة.
الشفاء:
مجلة شهرية صدرت في مدينة بكالونجان ورأس تحريرها الأستاذ عمر سليمان ناجي، صدرت في حوالي 1920م.
بروبودور:
جريدة أصدرها محمد الهاشمي التونسي في بتافيا في 9 نوفمبر 1920م، ولم تستمر طويلاً، كانت في البدء على علاقة حسنة مع الإرشاديين ثم انقلبت عليهم، ويدل اسمها على معبد بوذي في جاوة يعرف بهذا الاسم.
الذخيرة الإسلامية:
مجلة دينية أدبية أصدرها الشيخ أحمد السوركتي في بتافيا في شهر محرم 1342هـ ( سبتمبر 1923م)، ولكنها لم تتعدد السنة الواحدة من صدورها، وتوقفت في شوال 1342 ( مايو 1924م) بعد عشرة أعداد، نتيجة لانشغال صاحبها في أمور إدارية ومعاشية بجانب الإشراف على تحريرها.
القسطاس:
صحيفة أسبوعية إرشادية أصدرها عمر بن علي مكارم في مدينة سواربايا في 3 فبراير 1923م، لكنها لم تستمر طويلاً في الصدور.
حضرموت:
جريدة أسبوعية أسسها الاستاذ عيدروس المشهور العلوي في سواربايا في 16 ديسمبر 1923م، واستمرت عشر سنوات حتى توقف في أواخر عام 1933م، لعدة أسباب، أحدها: الصعوبات المالية التي واجهتها نتيجة لعدم دفع المشتركين ما عليهم من حقوق لها.
الوفاق:
صحيفة أصدرها محمد سعيد الفته الحجازي في مدينة بوقور في أول نوفمبر 1923، ويبدو أنها لم تستمر طويلاً بعد حادث الاعتداء على صاحبها.
الإحقاف:
جريدة أسبوعية أصدرها عمر هبيص في مدينة سواربايا عام 1925م، ولكنها لم تستمر طويلاً في صدورها.
الدهناء:
مجلة شهرية صدرت في مدينة سواربايا في شهر يونيو 1928م، ويبدو أنها لم تستمر إلا سنتين أو ثلاث في صدورها.
المصباح:
مجلة شهرية أصدرتها جمعية التمدن الإرشادية في سواربايا في ديسمبر 1928م.
الرابطة:
مجلة شهرية صدرت في جاكرتا، في يناير 1929م، واستمرت أربع سنوات، وقد تولى رئاسة تحريرها الاستاذ هاشم بن محمد الحبشي.
برهوت:
جريدة أسبوعية انتقادية باللهجة العامية الحضرمية، أصدرها الاستاذ محمد بن عقيل في مدينة الصولو في يناير 1930م.
الإصلاح:
صحيفة أصدرها علي هرهره في سواربايا ـفي 22 سبتمبر 1930، ويبدو أنها لم تستمر طويلا.
الإرشاد:
مجلة شهرية صدرت في سواربايا في 2 أغسطس 1937م، وكان رئيس تحريرها محمد عبود العمودي، وقد استمرت عامين متصلين، وربما توقفت عن الصدور بعد ذلك في عام 1939.
كذلك ظهرت واختفت غير هذه من الصحف مثل: “المشكاة “، و”المستقبل، و”اليوم”، و”المعارف”، و”الترجمان”، و”المرآة المحمدية” و”مرآة الشرق”، و”السلام”. ويتضح لنا من اسماء مؤسسي هذه الصحف ورؤساء تحريرها انها صحف عربية حضرمية بإستثناء صحيفتين او ثلاث.

رحلة جاوا الجميلة

صورة 1- مدونة زيادكتاب “رحلة جاوا الجميلة” هو كتاب ألفه المؤرخ والشاعر صالح بن علي بن صالح الحامد عام 1936م، فعندما زار الحامد جزر الأرخبيل الهندي، قام بعد عودته إلى حضرموت بتأليف كتاب عن رحلته ظل مخطوطة حتى نشر بعد عقود طويلة.

ولد الحامد عام 1903م، وفي مرحلة مبكرة من حياته بدأ يكتب الشعر والنثر، كما ظهرت لاحقاً رغبتة للسفر، فهو رحالة يحب السفر والترحال وجال الكثير من المناطق واقطار العالم، فقد قضى بضع سنوات من عمره في جزيرة سنغافورة، ومنها قام بثلاث زيارات قصيرة إلى جزيرة جاوا كانت الأخيرة عام 1935م، ومصر عام 1953م. وشغل الحامد رئاسة الحزب الوطني بسيئون وشغل عضواً ومفتياً لمجلس الدولة الكثيرية.

ويبدأ الحامد كتاب (رحلة جاوا الجميلة) بتقديم علمي لجزيرة جاوا، كما يحتوي الكتاب على وصف أدبي للمدن والقرى التي زارها ووصف للبيئة وطبيتعها وطبيعة الناس وثقافتهم، بالإضافة إلى إحتوائه على تقديم لعدد من الشخصيات التي التقى بها المؤلف أثناء رحلته.

وفي الكتاب، يقول المؤلف عن تلك الجزر التي اعجب بها كثيرا: “كأنما قدمها الله لعباده المخلصين نموذجاً مما وعدهم في الفردوس الأعلى مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكأنما كانت لأشقياء العباد الذين أتيح لهم التنعيم بمشاهدتها جنة عجلت لهم في الحياة الدنيا لتكون حظهم مما لدى الله سبحانه من شتى المباهج وافانين النعيم”.

وعن سكان جزيرة بالي يقول المؤلف: “والباليون عُراة الظهور والصدور لا يلبسون غير الأزر لاسيما النساء؛ فهنّ يأنفن من ستر أجسامهن حرصًا على التقاليد التي يبالغون في التعصب على إتباعها على الرغم من قربهم من جاوا. فهم ما زالوا على حالة القرون الوسطى، إذ لم تؤثر عليهم المدنية بشيء. ولأمر ما كانت الحكومة تنشط فيهم هذه الرجعية”.

ولدى الحامد العديد من الأبناء والبنات كلهم عادوا معه إلى حضرموت ماعدا ابنته فاطمة التي استقرت في سنغافورة مع والدتها فتعلمت هناك، وعملت كمدرسة ومديرة مدرسة حتى تقاعدت ولا تزال تعيش هناك مع زوجها سالم الكاف، ويزورها بعض افراد الاسرة والاقارب بين الحين والآخر.

توفي الأديب صالح بن علي الحامد عام 1967م، وترك العديد من المؤلفات مثل ديوان نسمات الربيع، ووديوان ليالي المصيف وديوان على شاطئ الحياة، وكتاب تاريخ حضرموت، كما ان له العديد من الدراسات الأدبية نشرت في الصحف السنغافورية والمصرية.

السلطان حسين بن علي الكثيري ووجهاء السلطنة وبينهم صالح الحامد في سيؤون عام 1966م. وهم ينظرون الى المدفع قبل إطلاق قذيفته، وتللا ذلك الرقص الشعبي والزوامل الشعبية التي شارك فيها الحامد.

السلطان حسين بن علي الكثيري ووجهاء السلطنة وبينهم صالح الحامد في سيؤون عام 1966م. وهم ينظرون الى المدفع قبل إطلاق قذيفته، وتلا ذلك الرقص الشعبي والزوامل الشعبية التي شارك فيها الحامد.

مسلمي ماليزيا

برجي بتروناس التوأم وأمامها مسجد الشاكرين وسط العاصمة الماليزية كوالالمبور

برجي بتروناس التوأم وأمامها مسجد الشاكرين وسط العاصمة الماليزية كوالالمبور

يدين أكثر من نصف السكان في البلاد بالإسلام وهم أهل الأرض الأصليين قبل تغير ديموغرافيا البلاد نتيجة الهجرات الصينية والهندية التي تزايدت في الحقبة الاستعمارية.

ويحدد البند الأولى من المادة الثالثة في الدستور الماليزي الإسلام كدين للإتحاد مع ضمان ممارسة الأديان الأخرى بسلام وتآلف في أي جزء من الإتحاد والمذهب شافعية اشعرية كمذهب رسمي للدولة والذي تقدر الحكومة الماليزية اتباعه في العالم بحوالي 29% من اتباع المذاهب الاربعة. ويقول المؤرخين أن المذهب قد جاء إلى هذه البلاد من خلال جهود اتباع المذهب كالحضارمة.

ولذلك نجد طلاب العلوم الدينية في أرخبيل الملايو يطلبون الفقه الشافعي سواء في بلدانهم أو عندما يذهبون إلى الدراسة إلى مكة أو حضرموت أو الأزهر الشريف. فمسلمي جنوب شرق آسيا هم اكبر المجتمعات التي تتبنى المذهب الشافعي، فمالا يقل عن 190 مليون يتبعون المذهب الشافعي في هذا الجزء من العالم.

ومن أشهر دعاة المذهب الشافعي في الأرخبيل الهندي الشيخ أبو عبد الله مسعود بن عبد الله الجاوي (نسبة إلى جزيرة جاوه الإندونيسية) لكنه عاش في جزيرة سومطرة، وهو عالم مشهور كان له تلاميذ كثيرون في عدن، وكان معاصرا لابن بطوطة، حيث توفي في سنة 768 هـ.

وتأثر مسلمي ماليزيا كما هو حال بقية الأرخبيل الهندي بحركة التصوف الإسلامي والتي تمتد لمئات السنين، وتنشر العديد من الطرق الصوفية كالطريقة الأحمدية والطريقة القادرية والطريقة الشاذلية وطريقة باعلوي.

وتؤكد الحكومة الماليزية على الدوام بأنها لن تسمح بالدعوة لمذاهب ومدارس إسلامية أخرى في بلادها، ليس لكونها ضد بقية المذاهب، ولكن لكونها حريصة على انسجام المجتمع المسلم في بلادها القائم على مدى 700 سنة. حيث سنت قانونا في نهاية التسعينيات يحظر انشطة تدريس مناهج ومذاهب قادمة من خارج البلاد.

وتنتشر اليوم في ماليزيا المساجد والمدارس الإسلامية في كل أرجاء البلاد بدعم حكومي واسع، حيث تستخدم الحكومة جزء من أموال الضرائب لتوفير وترويج المؤسسات والتعليم الإسلاميين وبناء المساجد وتمكين المسلمين من ممارسة طريقة الحياة الإسلامية.

نباتات مستوطنة في ماليزيا

جذور عكازة علي (يسار)، وكاتشب فاطمة (يمين)

جذور عكازة علي (يسار)، وكاتشب فاطمة (يمين)

عكازة علي (الاسم العلمي: Eurycoma longifolia) هو نبات مزهر يعود أصله إلى ماليزيا وإندونيسيا ويوجد بدرجة أقل في تايلندا وفيتنام. وهي شجرة دائمة الخضرة يصل طولها إلى 15 متر، أوراقها مرتبة حلزونيا، ويصل طولها 20 – 40 سم. والتمسية عكازة عليهي ترجمة حرفية لاسم النبات بلغة الملايو (Tongkat Ali).

النبات معروف في ماليزيا كعلاج شعبي يستخدم لمعالجة الكثير من المشاكل الصحية، حيث يتم استخدامه بطريقة تقليدية كمضاد للملاريا، ومضاد للسكري، ومضاد للميكروبات، وخافض للحرارة، ومقوي للأداء الجنسي، كما تشير أبحاث أخرى على مقدرة هذا النبات على علاج بعض أنواع من السرطان.

وفي ماليزيا، تُستخدم هذا النوع من النباتات إلى جانب استخدمها في الطب التقليديكطعام وكمشروب، كما يضاف إلى القهوة. ويوجد اليوم في الأسواق الماليزية مشروب معلب يسمى بنفس اسم الشجرة عكازة علي، ومضاف إليه نبتة أخرى تسمى (ginseng ).

وهناك نوع من النباتات يشبه عكازة علي ويسمى كاتشب فاطمة (Kacip Fatimah)، وله مشابهه ومنها انه يعمل كمضاد للأكسدة، ومقوي للمناعة، ومقوي لنشاط الاستروجين لدى المرأة.

والجدير بالذكر هنا أن إدارة الادوية والاطعمة الأمريكية حذرت من بعض المنتجات الطبية التي تدعي استخدام هذا النوع من النباتات، كونها منتجات غير قانونية ومغشوشة.tongkat_ali - kacip fatimah drink

 

اورانق اصلي. . السكان الأصليين في ماليزيا

With Seorang Asli 2لا يعرف الكثير من زوار ماليزيا وحتى المقيمين فيها أدنى المعلومات عن أحد أقدم العرقيات في ماليزيا، وهم أورانق أصلي بلغة الملايو (Orang Asli) أي السكان الأصليين، والذين يبلغ عددهم حوالي 113541 نسمةحسب الإحصائيات الرسمية لعام 2000، وربما يصل عددهم إلى 140000 بما نسبته حوالي 0.5% من سكان ماليزيا.

يسكن 60% من السكان الأصليين في الغابات المطيرة، بينما يسكن 40% منهم بمحاذاة المناطق الساحلية أو بالقرب منها. ويعيش السكان في الغابات في تجمعات صغيرة قد لا تتعدى بعضها البضعة عشر فرد، ولا يزالون يعتمدون في طعامهم على الصيد والطبيعة بصوررة كاملة كما أنهم يتنقلون من فترة إلى أخرى في الغابة بحيث يسمحون للغابة بالتجدد.

ولا يزال السكان الأصليين يستخدمون الرماح والسهام في صيدهم ويأكلون الطيور والحيوانات والأسماك من الانهار كما يستخدمون وسائل صيد مختلفة مثل الأفخاخ أو أعواد النفخ المسننة والمصنوعة من البامبو (sumpitan)، والتي تستخدم مع السم أو بدون السم في حالة التقاط الفاكهة عن الأشجار وصيد الأسماك.

ينتمي أفراد الأورانق أصلي رسمياً إلى 19 قبيلة كبيرة، معظمها تنتمي إلى قبيلة نيجريتو والتي سكنت شبه الجزيرة الماليزية منذ أكثر من 10000 عام، ويمكن تقسيمهم اليوم إلى ثلاث مجموعات بحسب اللغة التي ينطقون بها. المجموعة الأولى يدعون سينوي (Senoi)، ويتواجدون في المنطقة الوسطى ويشكلون حوالي 54% من السكان الأصليين، والمجموعة الثانية هم سامانج (Semang ) أو نيجريتو (Negrito) ويتواجدون في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة ويشكلون 3% فقط، بينما المجموعة الثالثة يمكن تسميتهم بالسكان الأصليين الملايو (Orang asli Melayu) أو الملايو القدماء (Melayu purba )، ويقيمون في المنطقة الجنوبية ويشكلون 43% من العدد الأجمالي للأورانق أصلي.

ويتحدث السكان الاصليين بثلاث لغات رئيسية تتفرع بدورها إلى لغات أخرى وتسمى اللغات الأصلية، وهي لغة سيماي (Semai)، واللغة السينوية (Senoi) أو اللغة الأصلية الجنوبية، ولغة أخرى تُدعى تيميار (Temiar).

ويعتبر التراث الديني للأورانق أصلي تراث وثني، حيث يؤمنون بحضور الأرواح في أشياء مختلفة، لكن العديد منهم دخل في ديانات أخرى خصوصاً في القرن الأخير بفعل الدعوةمن قبل المسلمين والتبشيرمن قبل المسيحيين. وكانت حكومة ولاية كلانتان الإسلامية قد قامت في عام 2007م بهدمة كنيسة تابعة لهم مما دفعهم إلى تقديم دعوى ضد السلطات والمطالبة بالسماح لهم بممارسة ديانتهم واقامة بيت عبادة لها.

ولمن يحب أن يتعرف على تراث القبائل الاصلية في في ماليزيا، يمكنه زيارة متحف أورانق أصلي في قومباك (Gombak) في ولاية سيلانقور (Selangor) يعرض فيه تاريخ السكان الأصليين وتقاليدهم.orang-asli-ziadahmed-1-orang-asli-ziadahmed-2-

قصة صناعة السيارات في ماليزيا

رئيس الوزراء الماليزي الحالي محمد نجسيب عبدالرزاق (يسار) ورئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد وعدد من مسؤولي مصنع السيارات الماليزية (يمين) أمام أحد السيارات الوطنية الماليزية.

رئيس الوزراء الماليزي الحالي محمد نجيب عبدالرزاق (يسار) ورئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد وعدد من المسؤولين في شركة السيارات الماليزية (يمين) أمام أحد السيارات الوطنية الماليزية.

عندما طرح رئيس الحكومة الماليزية الأسبق فكرة تصنيع سيارات وطنية ماليزية حتى يتحول الماليزي من مجرد سائق لسيارة صنعها غيره إلى صانع للسيارة، كانت ردة الفعل سلبية، حيث قوبلت فكرته -كما يحكي لنا هو- بالرفض والشك في إمكانيتها من قبل فئات عريضة من الشعب وحتى من قبل نخب سياسية بينهم وزراء في حكومته. لم تلقى الفكرة دعماً كبيراً، ووصفت بالفاشلة سلفاً، كما لق عليها كثير من المواطنين والساسة والموظفين الحكوميين بسخرية، وهاجمت الصحافة الفكرة بصور مختلفة، حتى أن اشهر رسامي الكاريكاتير في ماليزيا الفنان لات نشر رسم كاريكاتوري ساخر لسيارة ماليزية جعل سقفها على كل عربة ثيران ماليزية.

في المقابل، ازداد رئيس الحكومة إصراراً على الفكرة التي حلم بها، واصر على موقفه من ان هذه الصناعات ليست حكراُ على الدول المتقدمة، وشرع في طرح فكرة مشروعه على العديد من شركات تصنيع السيارات اليابانية مثل دايهاتسو ومتسوبيشي، إلا إن ديهاتسو وافقت على أن تنتج ماليزيا سياراتها فحسب، فلم يوافق رئيس الحكومة الماليزية مصراً على صناعة سيارات وطنية ماليزية بموديلات ماليزية خاصة.

ثم وافقت على المشروع ميتسوبيشي، كمشروع مشترك مع شركة السيارات الوطنية في ماليزيا ” بيروساهان اوتوموبيل ناسيونال بيرهاد” المعروفة بشركة بروتون، والتي تأسست في عام 1983م. وفي البداية استعانت الحكومة بخبرات يابانية لإدارة المصنع حتى يتعمل الماليزيون منهم تكنولوجيا صناعة السيارات والغدارة واخلاقيات العمل ايضاً. بينما ظل طموح رئيس الحكومة الماليزية حينها هو إن تمتلك بلاده القدرة على تصميم وصناعة سياراتها الخاصة.

في البداية اعتمدت السيارات الماليزي على تصاميم ميتسوبيشي وعلى القطع التي تصنعها، وكانت ارباح ميتسوبيشي كبيرة، إذ تربح من من بيع القطع لماليزيا أكثر ما تربح من بيع سيارات جاهزة، في السوق الماليزية، استحوذت مبيعات السيارات الوطنية الجديدة على 80% من سوق السيارات الماليزية. مما دفع بشركة دايهاتسو التي رفضت العرض الماليزي سابقاُ إن أبدت استعدادها للتعاون مع ماليزيا بعد ان رأت الارباح التي جنتها ميستوبيشي من مشروع السيارات الماليزية الوطنية.

كانت سيارة ساقا (Saga) هي أول نموذج من سيارات بروتون، وكانت قد أطلقت في عام 1985م، وجاءت التسمية من بذور الساقا التي تتميز بالانتظام والكمال، والتي استخدمت في الماضي لوزن الذهب نظراً لانتظامها وتماثل كل وحداة منها في الوزن. لم تكن معايير السيارة الماليزية جيدة في البداية ولم تخلو من العيوب الميكانيكية الصغيرة، وواجهت الشركة صعوبة في تسويق سياراتها مما جعلها تتعرض لخسائر كبيرة. وظلت شكرة السيارات الماليزية منذ تأسيسها وحتى اليوم تواجه صعوبات إقليمية ودولية في ظل قواعد تجارية دولية جائرة.

وظلت معايير السيارات الماليزية تتحسن بصورة مستمرة، كما استطاع الماليزيون الحصول على التكنولوجيا اللازمة لصناعة السيارات التي جذبت عقول الشباب الماليزي إلى الصناعة بشكل عام، وساهمت هذه الصناعة في إحداث تغييرات ثقافية كبيرة في العقلية الماليزية، كما اصبح الماليزيين يشعرون بالفخر والاعتزاز وهم يركبون سيارات من صنع ايديهم، حتى أصبحت السيارة الماليزية رمز من الرموز الثقافية والاقتصادية للبلاد، فنجدها على العملة الورقية للدولة.

رئيس الوزراء الماليزي الاسبق يقف أمام أحد نماذج السيارات الماليزية.

رئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد يقف أمام أحد نماذج السيارات الماليزية.

من وحي كلمة لرئيس الوزراء الماليزي السابق ألقاها في 2007

Badawi 1عندما قام رئيس الوزراء الماليزي السابق عبدالله أحمد بادوي في عام 2007 بزيارة دار المصطفى للدراسات الإسلامية ومكتبة الأحقاف والرباط في مدينة تريم، القى كلمة ركز فيها على ضرورة التسلح بالمعرفة والعلم، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتطرق لنقاط عديدة تستحق الاهتمام. والهدف من هذا المقال الذي يتضمن مقتطفات من كلمته بعد حوالي ثمان سنوات من الزيارة هو لفت الاهتمام إلى أفكار جديدة وفريدة لاسيما وإنها قد جاءت من رجل دولة يمتلك الكثير من الأفكار البناءة لتنمية المجتمعات المسلمة إنطلاقاً من تجربة بلاده.

عند تجوله في مكتبة الأحقاف في مدينة تريم، عبر عن إعجابه بتلك المكتبة وبما تحويه من مخطوطات تمثل كنوز ثقافية وفكرية في مجالات مختلفة كالطب والرياضيات والتاريخ  والدين والفلك وغيرها، لكنه ابدى تعليقه بصورة خاصة على  مخطوطة كتاب “القانون في الطب” للعالم المشهور ابن سيناء. حيث قال لوسائل الإعلام: ((سعيد بزيارة هذا البلد اليمن وزيارة حضرموت خاصة وأثار اعجابي ما شاهدته في المكتبة القديمة بتريم التي تحتوي على أمهات الكتب في مجال الطب والفلك والرياضيات وغيرها وقد استوقفني كثيراً كتاب القانون في الطب لابن سينا((.

وفي كلمته التي القاها في دار المصطفى، قال رئيس الوزراء الماليزي حينها: ((ان المعرفة لها أهمية كبيرة في تنفيذ أغلب استراتيجاتنا ولقد تحدثت في هذا الموضوع في كثير من الدول وكانت الاستجابات جيدة وإن شاء الله ستصبح الدول الاسلامية قوية بالإيمان القوي لدى المسلمين)).

كانت الزيارة تهدف إلى تقدير الدور البارز الذي قام به أهل حضرموت في الدعوة إلى الله ونشر الدين الإسلامي في دولة ماليزيا وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا، وأبدى سعادته برؤية  الطلاب الماليزيين وهم يتلقون العلوم النافعة، وأساليب دعوة الناس وإرشادهم.

كما اشار إلى جانب من مشروع الإسلام الحضاري الذي تبناه حينها، وهو عبارة عن مجموعة من الأفكار التي تنطلق من الدين الإسلامي على اساس حضاري. وحاول في كلمته التطرق لبعض هذه الأفكار من خلال النقاط التالية:

  • الإيمان بالله وتحقيق التقوى:وذلك لأن الإيمان بالخالق هو العامل الأساسي في الاستخلاف وعمارة الحياة، بينما تقوى الله تفضي إلى جليل الأعمال وأحسن الأخلاق. وبالتالي لا يقتصر دور هذا المبدأ الإيماني على تزكية الروح وتنقية المعتقد وتصحيح العبادة، وإنما يتعداه إلى العناية بالسلوك وأعمال الجوارح.
  • الحكومة العادلة والأمينة :التي جاءت عن طريق الشورى دون قهر أو إكراه، وتعمل على بسط العدل ونصرة المظلومين، وترد الحقوق إلى أهلها، وترعى مصالح الأفراد على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم.
  • حرية واستقلال الشعب: إن الحرية هي القيمة الكبرى في الحياة الإنسانية، وهي الحافز للعمل والإبداع، وبها يكون الإنسان مستقلا وحرًّا في قراراته؛ وقد خلع عن رقبته طوق العبودية والتبعية.
  • التمكن من العلوم والمعارف: فالعلم هو المرتكز الأساسي لنهضة الأمة، والوسيلة التي يستعان بها على عمارة الأرض، وتسخير ما فيها، وترقية الحياة، والانتفاع بالطيبات من الرزق.
  • التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة: التي تعني التنمية بكامل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية والمادية والثقافية والحضارية، وتجعل صلاح الإنسان غاية وهدفا لها.
  • تحسين نوعية الحياة: وتعني سلامة الحياة واستقرارها وجودتها وتوفير متطلباتها الضرورية.
  • حفظ حقوق الأقليات والمرأة: رعاية حقوق الأقليات العرقية والدينية، وكذلك احترام المرأة وتقدير مكانتها وتعزيز دورها الإيجابي في المجتمع.
  • الأخلاق الحميدة والقيم الثقافية الفاضلة: العناية بالأخلاق الفاضلة والقيم المعنوية السامية في كل المجالات والجوانب، وأن تكون هي الأساس لتربية الأجيال.
  • حفظ وحماية البيئة:العمل على حماية البيئة والحفاظ عليها ومنع ما يهددها من عوامل التلوث والآفات
  • تقوية القدرات الدفاعية للأمة:وذلك للحفاظ على سلامة ووحدة أراضي الدولة وحماية المصالح العليا لشعوبها والمحافظة على استقلالها وسيادتها.

لن أعلق على أفكار الدكتور عبدالله أحمد باضاوي السالفة الذكر، بل يكفي إن أدعو إلى تأملها والاهتمام بها عملياً وخاصة الاهتمام بالعلم والمعرفة والإيمان القوي بالله والتقوى والقيم الثقافية الفاضلة والاخلاق الحميدة وتحسين نوعية الحياة.Badawi 3

عرب الأرخبيل الهندي والاستعمار الأوروبي

أغلفة العديد من الكتب التي تتناول ظاهرة الهجرات العربية، لباحثين غربيين وشرقيين.

أغلفة العديد من الكتب التي تتناول ظاهرة الهجرات العربية، لباحثين غربيين وشرقيين.

أهتم الكثير من الباحثين وخصوصاً المستشرقين والجامعات ومراكز الدراسات الاوربية ببحث ظاهرة الهجرات العربية ومجتمعات الشتات لا سيما في الأرخبيل الهندي، وعندما نقوم بقراءة أحوال وتاريخ العرب في الأرخبيل الهندي وهجراتهم المتلاحقة جماعات وافراد إلى تلك البلاد في اقاصي المعمورة، يتبادر إلى الإذهان اسئلة وجيهه تتمحور علاقة هؤلاء المهاجرون بالسلطات الاستعمارية سواء كانت هولندية او برتغالية او بريطانية. ومع ما يحاول بعض المستشرقين ترويجه من معلومات مغلوطة والوقوف في النهاية إلى جانب المصالح الاوروبية الاستعمارية.

وفي محاولة لمعرفة نوع هذه العلاقة ونظرة السلطات الاستعمارية في الأرخبيل الهندي للعرب الحضارم، نستعرض بعضاً مما جاء في كتاب لمستشرق أوروبي ظل على اتصال وثيق بالسلطات الاستعمارية هو الهولندي فان دين بيرج الذي لم يخفي نزعته الاستعمارية التي ظهرت من خلال تناقض بعض المعلومات التي أوردها.

في الفصل الخامس من الكتاب الذي جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي في القرن الثامن عشر”، يقول المؤلف:

((لقد ترسخ بين أوساط الأوربيين في الأرخبيل الهندي اعتقاد عام بأن المستوطنات العربية تضم العناصر الأكثر عداء لنفوذهم إلا أن هذا الأعتقاد خاطئ تماماً، على الأقل في ما يتعلق بالعرب الحضارم، فمن الغريب أن يترسخ هذا الأعتقاد بهذه القوة في الوقت الذي يستطيع أن يرى فيه الجميع بأم أعينهم أن المصالح المادية للحضارم تتطلب قبل كل شيء استتاب الأمن. وسبق أن ذكرنا أن العرب يستثمرون كل ثرواتهم في التجارة والعقارات والسفن، وهي وسائل لن تمكنهم من وضع تلك الثروات داخل مكان مغلق ومأمون في حالة حدوث اضطرابات. ولاحظنا كذلك أنه لا يوجد  بينهم أحد يرغب في العودة إلى حضرموت بعد أن ينجح في تكوين ثروة لابأس بها. كما أنهم لا ينقلون تلك تلك الثروة إلى هناك. وبالإضافة إلى ذلك، ماعدا بعض الاستثناءات النادرة جدا، يستقر أولادهم نهائياً في الأرخبيل الهندي، وتنقطع علاقاتهم تدريجياً بحضرموت. وبالتالي كيف يعقل أن يكون هؤلاء الناس هم صانعوا أعمال التمرد التي يقوم بها السكان المحليون من حين لآخر، والتي يمكن أن تربك الحكومات الأوروبية، ولكنها ليست بالحجم الذي سيمكنها من إقامة دولة إسلامية قوية وقادرة على الاستمرار. وأي إنسان عاقل يدرك أن تلك الأعمال لا تؤدي إلا إلى موت بعض التعساء وسلب بعض الممتلكات. أما فكرة ظهور حاكم مسلم ذي نفوذ يخضع لسطانه العالم بأكمله أو على الاقل جميع المسلمين فستظل دائماًفكرة طوباوية”

ويواصل المؤلف في الفصل الخامس حديثه عن العرب مؤكداً اعتقاده ان قلق السلطات الاوروبية غير منطقين فيقول: ((ومن ناحية أخرىن تبين الصحف العربية التي تصل الأرخبيل الهندي، رغم تدني مستواها مقارنة بالصحف الغربية لقرائها أن الخطر الذي يهدد الإسلام ومصالحه لا يقع في الشرق الأدني، ومن الواضح كذلك أنه لا يوجد اليوم أمير مسلم قادر على طرد الأوروبيين من هذا الجزء من العالم. وربما يرد عليّ بعض المعارضين ويقول إن هناك عدداً كبيراً من العرب الذي غادروا الصحراء منذ وقت قصير ولا يقرؤون الصحف وليس لديهم الوعي السياسي الكافي لإدراك هذه الحقائق. ويمكن أن يقال ايضاً إن هؤلاء الناس الذين ليس لديهم ثروة ولا أقارب في الأرخبيل الهندي لن يهتموا ابداً باستتاب الأمن في الأرخبيل الهندي. وعلى هذه الاعتراضات ارد قائلاً إن القادمين الجدد من العرب فقراء ويرتبط مصدر رزقهم بعلاقتهم المالية والاجتماعية بالاغنياء من مواطنيهم. وهؤلاء سيكونون أول من سيرفض اي إخلال بالنظام يمكن أن يتسبب فيه أحد المهاجرين الجدد. وينبغي ألا ننسى كذلك أن اثر صلة القرابة بين العرب أقوى من اثرها بيننا نحن الأوروبيين. فمثلاً إذا كان من مصلحة شخص من عائلة آل الحبشي أن يسود النظام فلن يقدم شخص آخر من العائلة نفسها على إثارة الشغب حتى إن كان هو نفسه لن يخسر شيئاً. وفضلاً عن ذلك يعد ” السادة” والبرجوازيون في الغالب من الناس المسالمين في حضرموت. وبالنسبة للقبائل، صحيح أنهم ذو طبيعة صاخبة، لكن من المؤكد أنه ينقصهم الحماس الديني اللازم للدعوة إلى إزاحة النفوذ الأوروبي)).

وعن التباين بين مصالح السلطات ومصالح العربن يقول: ((ومن الطبيعي أن تبرز بين الحين والآخر بعض الخلافات بين العرب في الأرخبيل الهندي وبين السلطات المحلية بل وحتى مع الحكومة الهولندية. وهم صعبوا المراس لا سيما حين يتعلق الأمر بدفع الضرائب الشخصية، ولا يقبلون بالسداد إلا بعد أن يتدخل رجل دين من السكان المحليين ويبين لهم الحقوق والواجبات التي يتضمنها نظا المواريث. ولكن هذا التباين في المصالح ذو طبيعة تختلف عن طبيعة الخلافات التي يمكن أن تؤدي إلى انتفاضة دينية وسياسية، كما أن العرب المتنورين يدركون تماماً أن الأوربيين أعلى منهم مستوى في مجالات الصناعة والتجارة والعلوم، ولا ينظرون لنا بعين الشفقة إلا في مجال الدين)).

ولأن المؤلف يسعى إلى نفي الصورة النمطية لدى الاستعمار الهولندي حول الحضارم في الأرخبيل الهندي، وعن كونهم يشكولن خطر على الاستعمار في ذلك الجزء من العالم، فقد تطرق بإختصار إلى نظرة الحضارم إلى بريطانيا، فيقول: (( وليس لبريطانيا اية هيبة أو نفوذ بين الحضارم. وإذا كان بعضهم يعرف أن بريطانيا دولة قوية وغنية فهم يستغربون أن تجلس على عرشها ملكة وليس رجل. ويعتقدون أن الدستور هو الذي ينص على أن تكون الحكومة بيد النساء اللاتي تبادلن الأدوار في تلك البلاد مع الرجال الذين اصبحوا ربات بيوت وجعلوا النساء ربات للعائلات)).

ثم يحاول المؤلف أن يشرح موقف الحضارم في الأرخبيل الهندي من السياسة والقضايا السياسية بشكل عام، فيستخلص إنهم لا يهتمون بالسياسة، وربما كانت هذا التوصيف موضوعي كون الإنسان الحضرمي يميل بطبيعته للتجارة مع إنهم في مراحل كثيرة، مع إنهم يبرعون في السياسة عندما تُتاح لهم الفرصة. وقد تقلدوا مناصب سياسية وقيادية مهمة في إندونيسيا وماليزيا والبروناي ويتمور الشرقية في مراحل مختلفة. يقول فان دين بيرج: (( أما في الأرخبيل الهندي نفسه فينبغي التأكيد أولاً على أن العرب الحضارم لا يهتمون مطلقاً بالقضايا السياسية ما دامت تلك القضايا لا تهدد مصالحهم المادية والروحية. كما انهم يطيعون عن طيب خاطر الأوامر والأعراف السارية في وطنهم الجديد)).

وفي نهاية الفصل الخامس، يشير المؤلف إلى عدم ارتياح الحكومات الاستعمارية للحضارم في الأرخبيل الهندي، ويعلل هذا إلى تجنب الحضارم للأوروبيين على عكس بقية المجموعات، كما يشير في فصل آخر إلى امتناعهم عن إرسال اولادهم إلى مدارس أحنبية على عكس الصينيين، ويقول بالنص: ((وقبل أن أختتم هذا الفصل أريد أن أضيف الملاحظة الآتية حول سبب السمعة السياسية السيئة التي يلصقها معظم الأوروبيين بالعرب في الأرخبيل الهندي. لقد ذكرنا في فصل سابق أن العرب هم المجموعة التي ظلت بعيدة من السكان الأوروبيين. ونتيجة لذلك فالأوروبيين لا يعرفون حقاً العرب)).

وفي الفصل السابع من نفس الكتاب، يدعو المؤلف الحكومات الاوروبية الاستعمارية في الأرخبيل الهندي إلى تغيير موقفها من الحضارم وعدم لصق الميول العودانية للنفوذ الاوروبية بهم نظراً لأهميتها التي لا يستهان بها في تاريخ تلك المنطقة ومستقبلها. فيقول: ((سبق أن بينت في الفصول السابقة إنه من الخطأ الجسيم أن نلصق بالعرب بشكل عام ميولاً عدائية تجاه النفوذ الاوروبي في الأرخبيل الهندي. وهذا لا يعني بالطبع انه لم يكن للعرب أثر كبير في حياة السكان المحليين ومستقبلهم. فتاريخ جاوه يعلمنا أن العرب أو أحفادهم قد أنشئوا في القرن الخامس عشر عدداً من الإمارات الصغيرة على امتداد الساحل الجنوبي لهذه الجزيرة، واستطاعوا في نهاية الأمر ان يسقطوا إمبراطورية موجوباهيت الهندية. ويبين لنا سقوط تلك الإمبراطورية القوية ان ظهور العرب وسط شعب وثني كان كافياً ليستطيع هؤلاء العرب قيادته والزواج من بنات ملكوه ونبلائه. وكثيراً ما يُردد أن هذا التأثير القوي للعرب في الأمراء المحليين في الأرخبيل الهندي يعود إلى إنهم إما من سلالة الرسول او من ابناء جنسه. ولكني أعتقد ان هذا التفسير لا يمكن اعتماده إذا ما نحن أخذنا في الاعتبار مختلف المعطيات. فإذا افترضنا أن هذا التفسير الديني لتأثيرهم مقبول اليوم فهل يعقل أن يكون له أثر في إمبراطورية وثنية وترتكز على التراتب الطبقي كما كان الحال في إمبراطورية موجوباهيت؟)).

ويؤكد فان دين بيرج الأدوار التي قام بها العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي والتي لا يمكن تكذيبها على حد وصفه لا سيما دورهم وتأثيرهم السياسي، كما يحاول معرفة الاسباب وراء هذا الدور والتأثير، ويشير إلى إن هذا التأثير لا يمكن إرجاعه إلى اسباب دينية بحتة كما يعتقد الكثيرين، بل يرجع إلى امتلاكهم لمهارات إجتماعية مكنتهم من التأثير، ويقول: ((فحينما نرى اليوم مثل هذه النجاحات السياسية للعرب لن يصبح بإمكاننا تكذيب الأدوار التي قام بها العرب لدى الامراء الهنود والتي تحكيها الحوليات الجاوية. وفي كل الأحوال ينبغي علينا التسليم بأن تأثير السياسي للعرب لا يمكن إرجاعه لأسباب مرتبطة بالدين فقط. وبالنسبة لي أعتقد أنه ينبغي إرجاعه إلى رقتهم ولباقتهم في توظيف نقاط الضعف في طباع السكان المحليين، وكذلك إلى قدرتهم على التعبير والخطابة. وإذا لم اكن مخطئاً فإن طباع الأمراء المحليين تكون العامل الرئيس للنجاح الذي حققه العرب بينهم اليوم والأمس)).

أكتفي بهذا القدر من الاقتباسات من كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، والصادر عام 1886م، ومن خلالها نستطيع إن نستنتج إن السلطات الاستعمارية ظلت تنظر إلى العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي بشكل وريبة وقلق من إثارتهم للمشاكل ضدها، والتحريض الدعوة لرفض الاستعمار الاوروبي، لكن فان دين بيرج ينصح هذه السلطات ويوصيها في كتابه الذي يوجه بدرجة أولى إلى السلطات الهولندية بعدم محاولة استعداء العرب الحضارم نظراً لحجم دورهم وتأثيرهم في التاريخ وفي المستقبل.

صور تجمع العديد من العرب اثناء إقامتهم حفل تكريم.

صور تجمع العديد من العرب في الأرخبيل الهندي اثناء إقامتهم حفل تكريم.

السلطان القادري سلطان سلطنة بونتياناك

على اليمين: سلطان سلطنة بونتانياك السلطان محمد القادري، وعلى اليسار: ابنه السلطان حميد الثاني.

سلطان سلطنة بونتياناك السلطان محمد القادريالذي حكم من عام 1895 حتى 1944 (يمين)، وابنه السلطان حميد الثاني الذي حكم من عام 1945 حتى عام 1950 (يسار).

سلطنة بونتياناك (بلغة الملايو Kesultanan Pontianak )  هي سلطنة تأسست عام 1771م في الغرب من جزيرة كالمنتان (بورنيو) في إندونيسيا حالياً على يد علماء وتجار حضارم.

عندما دخل الاستعمار الهولندي إلى جزيرة كالمنتان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، استطاع عبدالرحمن القادري الذي سبق ان قدم من حضرموت بعد ان كان تاجر وزوج لابنة سلطان بونتياناك وابنة سلطان بنجر.

وفي القرن التاسع عشر، اضطربت المنطقة وتحولت إلى ساحة صراع بين الهولنديين والانجليز، فأقام الهولنديين معاهدات صداقة مع السلاطين بما فيها سلطنة بونتياناك، ودعموهم للسيطرة على ممكلة “كونغسي” الصينية التي كانت تسيطر على مناجم الذهب.

وفي عام 1942م، قام اليابانيون باحتلال اندونيسيان ولان السيد محمد القادري وابنه عبدالحميد رفضو التعاون مع اليابانيين، قامت القوات اليابانية باعتقالهما، وأدخلا معسكراً للسجن وقتل ايضاً ثمانية وعشرين من اقاربهما كما توفي السلطان محمد القادري في السجن، وكان هذا الثمن نتيجة معارضته للوجود الياباني. وعندما خرج اليابانيين من اندونيسيا في 15 اغسطس 1945م، خلف السلطان محمد القادري ابنه عبدالحميد الذي عُرف بالسلطان حميد الثاني والذي نادي بقوة بأن تكون اندونيسيا دولة فيدرالية وليست مركزية خاضعة للمركز في جاوا خوفاً من سيطرة الغالبية الجاوية.

وعندما اضطر الهولنديين إلى الاعتراف بإندونيسيا لتصبح جمهورية الولايات المتحدة الإندونيسية دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، كما أعترفت بأحمد سوكارنو كأول رئيس وحاكم عسكري للبلاد في 27 ديسمبر 1949م، وطرد حميد القادري من حكومة الجمهورية الإندونيسية نتيجة لتعاطفه مع الهولنديين بعد الاحتلال الياباني، وتوفي في جاكرتا في عام 1978م.

السلطان عبدالحميد الثاني (يمين) يتحدث غلى ايد اناك اقونق-ثالث رئيس وزراء لإندونيسيا الشرقية (يسار).

السلطان عبدالحميد الثاني (يمين) يتحدث إلى ايد اناك اقونق-ثالث رئيس وزراء لإندونيسيا الشرقية (يسار).

صورة أخرى للسلطان عبدالحميد الثاني، وعلم السلطنة,

صورة أخرى للسلطان عبدالحميد الثاني، وعلم سلطنة بونتياناك.

الحضارم في الأرخبيل الهندي*

الصفحة الأولى من كتاب "حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

الصفحة الأولى من كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

في كتابه “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي”** الصادر عام 1886م والمترجم في عام 2006 من قبل الدكتور الفاضل مسعود عمشوش،  يتناول المستشرق الهولندي فان دن بيرخ موضوع الهجرات الحضرمية إلى الأرخبيل الهندي وخصائص حضارم المهجر. ومع إن المؤلف لم يحرص على الدقة والموضوعية في جوانب عديدة من الكتاب، إلا الكتاب يحتوي على الكثير من الصفحات التي تستحق الإطلاع.

ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، الأول منها جاء بعنوان “نشأة المستوطنات العربية وواقعها اليوم”، والفصل الثاني بعنوان “طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، بينما الفصل الثالث جاء بعنوان ” مصادر دخل العرب في الأرخبيل الهندي”، ويناقش الفصل الرابع “الدين والتعليم” أما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي”، ويتناول الفصل السادس الفروق بين العرب في الأرخبيل الهندي والعرب في حضرموت، وجاء الفصل قبل الاخير بعنوان “تأثير الحضارم في السكان المحليين”، أما الفصل الثامن والأخير فعنوانه “اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي”***.

يستهل المؤلف مقدمة الكتاب بالقول: ((ينحدر جميع العرب المستقرين اليوم في الأرخبيل الهندي تقريباً من اصل حضرمي. ومن النادر جداً أن تجد أن تقابل بينهم أفراد قدموا من مسقط في سواحل الخليج العربي أو من الحجاز أو من مصر أو من سواحل شرق أفريقيا أو من المناطق الأخرى في اليمن. ومن النادر كذلك أن نجد بين العدد المحدود من هؤلاء الأفراد من يختار الإقامة الدائمة في جزر الأرخبيل الهندي، ومن يفعل ذلك سنصهر بسرعة وسط الكم الهائل من العرب القادمين من حضرموت)).

وفي الفصل الثاني، يتناول المؤلف كيفية يتمكن المهاجر الجديد من ترتيب سكن وعمل له في البلاد الجديدة وكيف يبدأ تسيير شؤون حياته، ويقول: ((وعادة ينزل المهاجر الجديد عند وصوله إلى الأرخبيل الهندي ضيفاً على الشخص الذس استدعاه. وإذا لم يستدعه احد طلب من أحد أفراد عائلته أو قبيلته أن يستضيفهز ومن النادر أن يصل أحد العرب لاسيما من فئة السادة إلى الأرخبيل الهندي من غير أن يعرفه أحد يمكن أن يقوم باستقباله. وفي سنغافورة حيث ينبغي أن يمر غالبية المهاجرين القاديمن من حضرموت، احترف اثنان من العرب مهنة استقبال المهاجرين الجدد فيتوليان تسكينهم وعند الضرورة يقرضانهم المال اللازم لمواصلة السفر بشرط ان يدفع المهاجر في  وقت لاحق أجرة السكن والقرؤض مع الفائدة)).

ويشرح المؤلف طريقة السفر من حضرموت إلى جزر الأرخبيل الهندي، ويقول: ((وكان السفر من حضرموت إلى الأرخبيل الهندي يستغرق في السابق شهور عدة. وكان على المسافر أن يركب  البحر في المكلا أو في الشحر باتجاه مومباي ومنها يذهب إلى جزيرة سيلان ثم إلى آتشيه أو سنغافورة، وكل ذلك بواسطة المراكب الشراعية التي لا يزال بعض المسافرين يستخدمونها اليوم، أما الأشخاص الذين يتوفر لديهم المال فيفضلون ركوب السفن الاوروبية التي تنقلهم من عدن إلى سنغافورة مباشرة)).

كما يصف المؤلف طريقة تعامل العرب الحضارم مع المال والأعمال الخيرية بالقول: ((ومن النادر أن تقابل رجلاً عربياً، سواء كان غنياً أو فقيراً، يصرف إجمالي دخله. فالتوفير جزء من طبيعتهم، وهو الذي يؤمن للجميع تقريباً نوعاً من الرخاء. ومن خصالهم المشرفة التي ينبغي ذكرها هن: عدم نسيانهم لأفراد عائلاتهم في حضرموت حينما تبدأ الثروة تطل عليهم. وحين لا يحتاج أقاربهم للمساعدة، يقدم المهاجرون الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى. ويبعث بعضهم للمساعدة إلى أحد العلماء أو أحد أصدقائه المسنين. ولا يفعل العربي أبداً ما يفعله الأغنياء الأوروبيون الذي ينتابهم الخجل عند رؤية اقاربهم الفقراء ويحاولون أن يتخلصوا من بسرعة. أما بين العرب فضرورة استفادة كل العائلة من ثروة أحد افرادها تعد عادة راسخة تتوارثها الاجيال, وكل من يحاول أن يتهرب من أداء هذا الواجب الأخلاقي يستحقره مواطنوه الآخرون. وتصبح هذه العادة واجباً أكثر إلزاماً حينما يتعلق الأمر بمساعدة الوالدين، فاحترام العرب لمن كان السبب في مجيئهم إلى هذه الدنيا ادهشني كثيراً في الأرخبيل الهندي حتى بين المولدين، وقد سبق أن لاحظه قبلي كثير من الرحالة)).

ويتطرق المؤلف لبعض المعاملات المالية وكيفية تعامل العرب الحضارم معها كالحوالات المالية: ((ومن الصعب أن نعرف على وجه الدقة إجمالي الحوالات السنوية التي يبعثها المهاجرون العرب إلى  حضرموت. مع ذلك، اعتقد إنه بالإمكان تقديرها بحوالي 150000 فلوران. ومعظم هذه الحوالات لا تتم بواسطة المؤسسات المالية أو البنوك الاوروبية التي لن تستطيع توصيل الحوالة إلى أبعد من سنغافورة أو مومباي أو عدن، أي أنها لن تسلمها مباشرة إلى صاحبها في حضرموت. لذا يتم في الغالب إرسال الحوالات مع أحد الأصدقاء او الأقارب أو أحد أفراد العائلة الذي يود القيام بزيارة للبلاد. ولم اسمع ابداً أن احدهم قد قصر يوماً في أداء الامانة. وفي باتافيا هناك تاجر يبعث بحوالات الناس مباشرة إلى سيئون بعد أن وضع عند وكيله هناك مبلغ 50000 فلوران يضيف إليه مبالغ أخرى بشكل دوري عن طريق عن. وفي سيئون تسلم الحوالة نقداُ إلى يد صاحبها)).

ولفت انتباه المؤلف التزام العرب الحضارم باداء الواجبات الدينية المالية كالزكاة، ويصف أهتمامهم بها بالدقيق قائلاً: ((كما أن الدقة التي يؤدي بها العرب في الأرخبيل الهندي فريضة الزكاة تعد علامة أخرى على أن حبهم لعمل الخير راسخ فيهم منذ القدم. ولا شك في أن حيهم لعمل الخير مساو لاعتدالهم في المأكل والملبس. فحن لن نجد هنا حضرمياً يتعاطى المشروبات الروحية أو الأفيون)).

ولم يغفل المؤلف الصفات الحميدة والحسنة التي يتسم بها العرب الحضارم: ((ومن الخصال الحميدة التي يتميز بها الحضارم: احترامهم للعلم والفكر، ومن العلوم التي يفضلونها الفقه والقانون وعلوم الدين. ففي الأرخبيل الهندي حتى رجال القبائل الذي لم ينالوا من الحضارة الا شيئاً يسيراً لا يستطيعون أن يظلوا بعيداً عن تأثير الرأي العام السائد تجاه العلم))

ويلفت انتباه المؤلف وإعجابه بتعامل العرب الحضارم مع العلماء ووضعهم في مكانة لائقة بهم بغض النظر عن وضعه المادي، ويؤكد على إن هذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير: ((وقد حضرت بعض اجتماعات العرب ولاحظت أن التجار الاغنياء والرؤساء المعينين من قبل الحكومة الهولندية يخاطبون عالماُ فقيراُ مغموراً بطريقة تبين أنهم يعتبرونهم أرفع منهم منزلة. ويتجاوز هذا التقدير مجرد علامات الاحترام المعنوية. وقد أخبرني أحد أصدقائي من التجار العرب عرفته بالصدفه اثناء إقامته في عدن أن لدى أحد العلماء العرب قضية شائكة مع أحد رجال الدين المحليين، فوضع تحت تصرفه 2500 فلوران ليستطيع أن يستعين بأفضل المحامين إذا ما تطلب الامر ذلك. إلا أن تلك القضية لم تصل لحسن الحظ إلى المحكمة. وهي تبين مدى احترام الحضارم للعلم وحبهم للخير  حتى تجاه الاشخاص الذي لا تربطهم بهم قرابة أو صداقة. وهذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير)).

أما فيما يتعلق بالجريمة، يقول المؤلف إن الإحصائيات تميل كثيراً إلى صالح العرب، اي أنها تعكس ابتعاد العرب عن الجريمة. وقد أكد لي أحد القضاة الهولنديين أنه خلال مدة 12 سنة لم يمثل أمامه إلا عربي واحد.

ويأخذ المؤلف على العرب الحضارم ابتعادهم من الاوربيين ومحاولتهم لتجنبهم وعدم تدريس اولادهم في المدارس الاجنبية، حيث يقول: ((وعلى الرغم من تلك الخصال الحميدة التي تتسم بها طباع العرب، فالناس الآخرون ينظرون اليهم بصورة سيئة للغاية. كما أن العرب هم الفئة التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الاوروبيين، فبينما نجد الصينيين الاغنياء يسعون عادة للاقتراب من الجالية الاوروبية، فلا شيء من هذا القبيل يوجد عند العرب الذين لا يرسلون ابناءهم إلى المدارس الحكومية أو مدارس البعثات التبشيرية)).

لكن يشير إلى ابتعاد شبان العرب الحضارم عن الالعاب المحرمة كالقمار، حيث يقول: ((كما أن الشبان العرب كونوا لانفسهم جمعية خاصة بهم تضم نحو اربعين عضوا وهي عبارة عن نادي ترفيهي يشبه الاندية المنتشرة في المناطق التي تخضع لبريطانيا. وفي هذه الجمعية، إضافة إلى تنظيم بعض حلقات النقاش، يمارس الشباب العابا مثل البلياردو والشطرنج، لكنهم لا يقتربون ابداً من ألعاب القمار المحرمة)).

ويعود المؤلف، فيشير إلى خصلة سلبية في الشخصية العربية، ألا وهي ميولهم إلى الانتقام والثار قائلاً: ((ومن الخصال السلبية التي تبهت الشخصية العربية في الأرخبيل الهندي: طبعهم الانتقامي الذي يميل داءماً إلى الثأر، وحبهم للمقاضاة وجدلهم الدائم مع رجال الدين المحليين حول قضية الشريعة)).

وفي الفصل الثالث، يتطرق إلى طبيعة تجارة العرب في الأرخبيل الهندي: ((من النادر أن لا تقابل في الأرخبيل الهندي عربياً لا يهتم بهذا الشكل أو ذاك بالتجارة. فالعرب يكونون مع الصينيين ما يسمى في لغة التجارة بـالوكلاء، أي أنهم يشترون البضائع بالجملة من الشركات الأوروبية الكبيرة ويقومون بتصريفها أما عن طريق موزعين آخرين أو مباشرة إلى المستهلك)).

كانت هذه بعض الاقتباسات الواردة في كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، محاولين من خلالها التعرف على بعض الجوانب في تاريخ العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي، والسمات التي تميزوا بها، وايضاً بعض السلبيات التي اشار اليها الؤلف، بغض النظر عن مصداقيته ودقته. ولا يسعني في النهاية سوى أن أعبر عن عظيم الشكر والتقدير للمترجم الدكتور مسعود عمشوش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، صادر عام 1886م، وترجمة الدكتور مسعود عمشوش.

** العنوان الأصلي للكتاب هو (Le Hadhramout et Les Colonies Arabes L’Archipel  Inden ).

*** للإطلاع على الكتاب الأصلي أضغط هنا.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب ""حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب “”حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

من الأرشيف- الحلقة السادسة

شهادة شكر وتقدير- 1969مفي هذه الحلقة، وبعد نبش العديد من المواد الأرشيفية في الأرشيف المنزلي، وقع الاختيار على شهادة شكر وتقدير صادرة من المفوضية الكشفية بمحافظة حضرموت في الستينيات من القرن الماضي، وفي الأسطر التالية نستعرض محتواها وأبرز ملامحها.

هي شهادة شكر وتقدير مكتوب أعلاه التالي (( جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. . المفوضية الكشفية بالمحافظة الخامسة حضرموت- المكلا)) ونلاحظ إن اسم الجمهورية هو الاسم الذي أقرته حكومة الاستقلال قبل تغييرها لاحقاً بقرار سياسي اتخذته الجبهة القومية حينها.

في أقصى يسار الشهادة يوجد شعار المفوضية الكشفية وهو مخطوط باليد، ومكتوب فيه الجملة التالية ((كن مستعداً))، بينما في أقصى اليمين، يوجد شعار الجمهورية قبل تغييره هو الآخر، وهو عبارة عن نسر يلم جناحيه إلى جانبيه وينظر إلى اليسار وفي وسطه علم الجمهورية ثم يافطة في أسفل النسر تحمل الاسم الرسمي للجمهورية. ثم يأتي نص كلمة الشكر والتقدير.

والنص جاء كالتالي (( تشهد المفوضية الكشفية بالمحافظة الخامسة بأن عضو الفرقة الكشفية بنصاب أحمد صالح عبد الحبيب شارك في الأسبوع الكشفي وحضر المخيم الأول بربوة المنورة بالمكلا وذلك في تاريخ  الخامس عشر من شهر مارس 1969م حتى الثاني والعشرين منه. وتشكر أعماله لبناء الوطن وإظهار الحركة الكشفية في الجمهورية ومشاركته الفعلية في كل المجالات والمرافق الحيوية لإعلاء كلمة وأهداف الشباب الكشفي)).

وفي النهاية، وُقعت الشهادة من قبل قائد المفوضية الكشفية بالمحافظة الخامسة حضرموت- المكلا، وذُيلت أيضاً بتاريخ إصدارها وهو 22 مارس 1969م. وإلى اللقاء مع موضوع جديد في حلقة جديدة من سلسلة مقالات “من الأرشيف” التي ننبش فيها كل مرة مادة أرشيفية من أرشيف شخصي، لكنها ترتبط بموضوع عام أو بمرحلة معينة من التاريخ وبجانب معين من حياتنا.

قصة قصيرة

قصة قصيرة ‫‬==تأليف: محمود أحمد صالح عبد الحبيب

عندما كنت صغيراً سألت جدي:ماذا تخبئ في صندوقك الخشبي يا جدي؟

أجاب جدي: انه كنز ثمين جداً يا بني.وركضت إلى صندوق جدي, فتحت غطاءه كي أرى ذلك الكنز الثمين, لكنني لم أجد سوى حفنة من التراب وكتاب. وفجأة دق قلبي بقوة, وركضت إلى جدي صائحاً بأعلى صوتي: لقد سرق اللصوص كنزك الثمين الذي تخبئه في الصندوق الخشبي ياجدي.

اقترب جدي من الصندوق، ثم  فتح غطاءه ونظر إلى داخله, ثم مسح على رأسي وابتسم قائلاً: لا يا بني لم يسرق اللصوص شيئاً.

صحت بأعلى صوتي ألم تقل لي يا جدي إنك تملك كنزاً ثميناً جداً. ضحك جدي وقال:وهل هناك يا بني في العالم كله أغلى من الكتاب وتراب الوطن.

قصة قصيرة

قصة قصيرة==

تحت  المطر , تجمع الكثير من الأولاد وأخذوا يجرون ويلعبون ويتقافزون, كانوا فرحين جداً بالمطر ولم يبالوا بنداء الكبار لهم , وكانوا يغنون قائلين “يارب زيده نحن عبيدك”. . كان صوت الأولاد قوياً ويرتفع أكثر وأكثر كلما زادت السماء من أمطارها, وبعد وقت قصير كفت السماء وتوقف المطر, ولكن هذا لم يغضب الأولاد الصغار, إذا أشرقت الشمس سريعاً, واهدتهم  شيئاً ملوناً عجيباً جذب كل الأنظار إليه, عرفه الأولاد لأنهم درسوا عنه في  حصة العلوم في المدرسة وصاحوا: أنه قوس قزح  بألوانه الحمراء والزرقاء والصفراء. وعمل الأولاد دائرة كبيرة, وأخذوا يغنَّون لقوس قزح الملون, وتمنوا أن يمكث قوس قزح في السماء طويلاً, حتى يستمروا هم في الغناء ببهجة وسرور ترحيباً بقوس قزح.

شـــــمـســــان. .

شمسان 1

على أطراف هضبة شمسان من جهة المدينة، ويظهر جبل صيرة وقلعته الشهيرة، كما يمكن ملاحظة بعض معالم المدينة الأخرى.

طالما تغنى الشعراء والفنانون والأدباء بجبل شمسان كرمز للعزة والإباء ومقاومة المستعمرين، وطالما زرت عدن ونظرت إلى الجبل من المدينة وأنا بين أسواقها وأحياءها كحي الزعفران وحي العيدروس وحي ابان وغيرها، أو من أسفل جبل صيره ومن أعلاه من موقع القلعة الشهيرة، لكني هذه المرة قررت وخططت لصعود الجبل.

تركيبة جبل شمسان مميزة لكونه عبارة عن ركام بركاني وتظهر فيه أخاديد خصوصاً من جهة الأودية كوادي الطويلة ووادي الخساف ووادي العيدروس، حيث اهتدى الإنسان قديماً إلى تشييد الصهاريج التي يعتقد الكثير من الناس إن مهمتها كانت مجرد حفظ وتخزين مياه الأمطار، بينما هي تخزين مياه الأمطار وتصريفها في سائلات تمر في المدينة اندثرت وبُنيت على مواقعها الكثير من المباني في المدينة من بينها مرافق حيوية كالبنوك والمكتبات والمتاحف وغيرها.

صعدت إلى هضبة شمسان، وهناك على سفح الهضبة، وجدت نفسي أمام مشهد بانورامي بديع للمدينة، وتتوسط الأحياء والبيوت منارة مسجد العيدروس والمجلس التشريعي للإتحاد ويتربع جبل صيرة أطراف البحر شديد الزرقة وغيرها من معالم المدينة، وتجولت في الهضبة حتى أشرفت على وادي الطويلة، وكانت التعرجات والأخاديد الصخرية تنحدر من كل الاتجاه إلى الوادي الذي يحتضن في سفح الجبل صهاريج الطويلة، كما ظهرت أحياء الخساف.

وأنا أقف على شمسان وأمامي مشهد البحر الأزرق البديع الذي لا أرى له نهاية، أدركت إن عدن ليست نهاية الوطن ولا البحر نهاية العالم وإنما الاثنين عدن والبحر نافذة الوطن للعالم.

على هضبة شمسان من جهة وادي الطويلة حيث تقع الصهاريج الشهيرة المعروفة بصهاريج الطويلة.

على هضبة شمسان من جهة وادي الطويلة حيث تقع الصهاريج الشهيرة المعروفة بصهاريج الطويلة.

خريطة مرسومة بيد المدون تبين موقع هضبة شمسان بالنسبة للجبال الأخرى ولأحياء كريتر وصيرة.

خريطة مرسومة بيد المدون تبين موقع هضبة شمسان بالنسبة للجبال الأخرى ولأحياء كريتر وصيرة.

برج الصمت في عدن. .

داخل الدائرة أو الحلقة الوسطى في برج الصمت-عدن.

داخل الدائرة أو الحلقة الوسطى في برج الصمت-عدن.

كانت وجهتي هذه المرة هي (برج الصمت) كما يسميه الغربيون أو (مهلكة الفرس) كما يسميه أهل عدن، ويقع تحديداً فوق سفح جبل شمسان المعروف بهضبة عدن، والذي بناه الهنود الفارسيون من أتباع الديانة الزرادشتية في عدن أبان عهد الحكم البريطاني حتى غادروها طواعية في عهد حكومة الاستقلال.

والزرادشتية هي ديانة فارسية قديمة وفلسفة دينية تُنسب لمؤسسها زرادشت الذي عاش في حوالي عام 1000 قبل الميلاد في مناطق أذربيجان وكردستان وإيران الحالية، واستمرت ديانته كدين رسمي للإمبراطورية الفارسية حتى ظهور الإسلام.

تنتشر ابراج الصمت في الهند وإيران، ويوجد برجد صمت واحد في عدن، هو بناء دائري الشكل يٌبنى على جبل صغير أو تلة عالية  بعيداً عن التجمعات السكانية يستخدمها أتباع الديانة الزرادشتية يستخدم للتخلص من جثث موتى أبتاع الديانة. فعندما يموت شخص من الزرادشتيين، فهو لا يُدفن بل يأخذه الناس بمعية الكهنة إلى برج الصمت، ويضعون الجثة على سطح المبنى الدائري الشكل والذي يكون محاطاُ بسياج مرتفع حتى لا يشاهد الناس الجثث وهي تتحلل، والسطح يتكون من ثلاث حلقات دائرية متداخلة، يوضع الأطفال في الحلقة المركزية من الدائرة، أمام النساء فتمدد جثثهن في الحلقة الوسطى، بينما جثث الرجال تُوضع في الحلقة الخارجية، وتُترك الجثث لتنقض عليها النسور والطيور الجارحة لتمزقها والتي تتواجد بكثرة على سياج البرج لتعودها على تناول لحوم الموتى في المكان، وتُترك الجثة قرابة السنة لتتحلل أجزائها بشكل كامل ولا يتبقى منها سوى العظام التي يجمعها الكهنة  فيما بعد ولا يدفنوها و إنما يضعوها في تجاويف خاصة لحفظ العظام موجودة داخل البرج و تحاط هذه التجاويف بالجير الذي يساعد على تحلل العظام خلال عدة سنوات.

وحسب التعاليم الزرادشتية، فإن الجسد نجس لذا يجب أن لا يختلط مع عناصر الحياة الثلاثة الأخرى: الماء والتراب والنار حتى لا يلوثها. يقوم بهذا الطقس رجال دين معينون وعندما تأكل الطيور الجارحة جثة المتوفى يتم جمع عظامه ووضعها في فجوة خاصة بشرط عدم دفنها.

هذا الطقس في الديانة الزرادشتية توقف العمل بها في معظم ابراج الصمت منذ بدايات القرن العشرين, لكون تعاليم زرادشت تقتضي على أتباعه ان يتكيفوا مع أي مجتمع يعيشون فيه, إضافة إلى اختلاط الزرادشتيين مع المجتمع المسلم في إيران, والتوسع السكاني الذي جعل مواقع أبراج الصمت تقع في مناطق غير نائية وهذا يخالف تعاليم الزرادشتية.

البدايات الأولى لقدوم الجالية الفارسية الزرادشتية في عدن تعود إلى ما قبل 300 سنة، وتزايد عددهم إلى أن وصل العدد لنحو 1500 فارسي قادمين من الهند التي استوطنوها منذ خروجهم من فارس عند سقوط امبراطورية فارس. وهم أناس أهل تجارة ويتمتعون بقدر كبير من الذكاء، وعملوا في التجارة وشيدوا مباني كبيرة منها بناء فندق (مارينا) في التواهي، كما كانوا يمتلكون معظم الصيدليات في المدينة.

وعندما صدر قرار التأميم، بدأت الجالية الزرادشتية التفكير في مغادرة عدن، وفي مطلع الثمانينات تدخلت رئيسة وزراء الهند ( أنديرا غاندي) آنذاك لإقناع الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد السماح للفرس بنقل النار من عدن إلى الهند بطلب من زعيم الجالية الفارسية في الهند، وفعلاُ تم حمل النار على باخرة ليتم إيداعها في الهند بمدينة “بونا” في المعبد الفارسي. وعندما غادرت الجالية، كان عدد من مسؤلي الدوالة في وداعهم، وأطلقوا 21 طلقة مدفعية تحية رسمية لهم وتكريماً لهم على دورهم في بناء المدينة وتطوير التعليم والصحة فيها. كما كان للطائفة الزرادشتية معبد يسمى في عدن (معبد الفرس) كان قد بُني في عام 1883م في حي كريتر يقيمون فيه طقوسهم ، لكنه هُدم لاحقاً وبُني على أنقاضه مسجد.

في الطريق إلى برج الصمت (مهلكة الفرس) ويظهر في الصورة السياج الذي يحيط بالبرج، ومعظم أجزاءاه قد تهدمت، ولا يزال يتعرض للهدم بصورة مستمرة ربما بغرض إستخدام حجارته لمباني جديدة من قبل الساكنين.

في الطريق إلى برج الصمت (مهلكة الفرس) ويظهر في الصورة السياج الذي يحيط بالبرج، ومعظم أجزاءاه قد تهدمت، ولا يزال يتعرض للهدم بصورة مستمرة ربما بغرض إستخدام حجارته لمباني جديدة من قبل الساكنين.

مناجم كهوف البوميس في جبل شمسان

أمام كهوف البوميس في أطراف هضبة عدن (جبل شمسان). .

أمام كهوف البوميس في أطراف هضبة عدن (جبل شمسان). .

بعد بحث طويل عن موقع “كهوف البوميس” إحدى محطات رحلة كاتب السطور إلى عدن، وبعد سؤال العديد من المارة عرفنا –أنا وشقيق سالم الذي رافقني في الرحلة- الطريق المؤدي إلى “كهوف البوميس” الكائنة في كريتر على حواف هضبة عدن، حيث إنه لا يوجد طريق واضح يوصلنا إلى الموقع نتيجة البناء العشوائي الذي يزحف إلى أعلى الجبل.

كهوف البوميس هي عبارة عن مغارات في وسط جبل مختلفة الأطوال ولها أشكال ملفتة. ويقول الرحالة الفرنسي هنري مونفرد (1879-1974م) في كتابه (مغامرات في البحر الأحمر) أن هذه الكهوف استخدمت كمنازل لبعض القبائل القادمة من أفريقيا المسماة قبائل الجبرت والمعروفة بأكلها للحوم البشر حتى أضحت مكاناً مخيفاً لبقية سكان المدينة حيث يمارسون فيها طقوسهم الدموية.

لكن حقيقة الأمر أن هذه المغارات ليست بكهوف، وإنما مناجم للتعدين، وإستخراج مادة تسمى شعبياً “البوميس”، وعمر المناجم يتزامن مع عمر صهاريج عدن، كون الهدف من إنشاء هذا المنجم هو إستخدام المواد المستخرجة في بناء الصهاريج كمادة رابطة بين وحدات البناء لجدران الخزانات (الأحجار والطوب)، وكذلك كمادة تجصيص (تلبيس) على جدران وأرضية الصهاريج، وسد الشقوق الموجود في الجدران الصخرية.

هذه المادة عبارة عن خلطة طبيعية ذات خواص تشبه الإسمنت، وتتكون من العديد من العناصر الكيميائية التي تجعلها عالية التماسك ومناسبة للبناء المتماسك. و تكتسب هذه المادة خاصية اسمنتية عالية عندما تضاف إليها مادة الجيركلسية، وتتموضع موقع مناجم البوميس ضمن نطاق متميز يمثل فترة جيولوجية محددة ضمن التطور البنائي لبركان عدن وهي عبارة عن زبد بركاني ذات تركيب حمضي.

كان صعودنا إلى موقع مناجم البوميس ليس صعباً، لكننا مررنا بجانب الكثير من الابنية العشوائية في طريقنا، التي اضاعت ملامح الطريق، واضرت بهذه المواقع وشوهت المنظر العام، كما جعل ساكنيها-وغالبيتهم من طبقة المهمشين- من مناجم أو كهوف البوميس مكباً للنفايات والتي تصدر منها روائح كريهة جداً.SAM_3168