القراءة تحت ضوء الفانوس

لا زلت اتذكر بسرور وإعجاب تلك الايام التي قرأت فيها العديد من الكتب وانا طفلا ومراهقا وشابا تحت ضوء الفانوس عندما ينقطع التيار الكهربائي.  . تذكرت هذا وانا اقرأ كتابا تحت ضوء إنارة خافتة في حديقة عامة، كما اثيرت كل الذكريات المرتبطة بالكتاب عندما تلقيت دعوة من الصديق والزميل المتنور محمد علي المطري للانضمام إلى نادي للكتاب في جامعة UCSI بعد ان قام بتأسيسة حديثا للإحتفاء بالكتاب وتشجيع القراءة، والدعوة مفتوحة لمن يود الانضمام. وحضرت أول لقاء لنادي الكتاب وعادت روح القراءة إلى نفسي بعد أن قصرت كثيرا في القراءة خلال سنوات الدراسة الجامعية الاربع الماضية.

وقد اثارت القراءة تحت ضوء خافت ذاكرتي وانعشتها وجعلتني استعيد الكثير من الذكريات التي عشتها مع الكتاب وعادات القراءة التي تكونت لدي وتلك الروابط الجميلة التي تربطني بعالم الكتب منذ بدأت المطالعة والقراءة الحرة. . وهو ما احب ان اتحدث عنه هذه المرة واشارككم اياه في هذه التدوينة.

بدأت علاقتي بالكتاب منذ الطفولة، ويبدو لي الآن بوضوح ان هنالك عاملين دفعا بي إلى عالم الكتاب، فالاول هو وجود مكتبة عامرة لوالدي في البيت كنت اتطفل واقلب كتبها وارصها كما لو كانت العاب البناء، اما السبب الثاني فهو هدية والدي بمناسبة التفوق في السنوات الابتدائية الاولى، والتي كانت عبارة عن مجموعة كبيرة من الكتب والقصص والحكايات ذات الالوان الزاهية والمحتوى الجميل بما يتناسب والمرحلة العمرية والتي لا زلت اتذكر عناوين معظمها واغلفتها واجزاء من محتواها حتى اليوم بالاضافة إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الالوان الخشبية والمائية.

وفي السنوات الاولى من المرحلة الابتدائية، طالعت الكثير من القصص والحكايات مثل كنز الامراء وعلي بابا والاربعين حرامي وغيرها، ومنذ ذلك الحين تكون لدي حب المطالعة والولع بالقراءة، وما ان تمكنت من القراءة حتى اصبحت لا اقاوم رغبة قراءة كل مايقع تحت يدي وناظري: الكتب والجرائد والمجلات والرسائل والإعلانات وحتى التذاكر والكاتالوجات واللوحات الدعائية وتلك الملصقة على واجهة المحال التجارية وكل ماهو مكتوب. .

ولقد اعطتني القراءة  مبررا مقبول لاعتزل الآخرين في مكان هادئ من البيت واستلقي على بطني وامسك كتابي المفضل، فلم يكن اللعب والحديث مع اقراني من الاطفال الآخرين اكثر إثارة مثل كتبي التي اعيش معها احاديث ومغامرات من نوع آخر. . وكنت اشعر بحرية كبيرة مع عالم الكتب وقل ما يجد الملل طريقه الي طالما هناك كتب جديدة.

وكم كنت استمتع وانا اقوم بتغليف الكتب بطريقتي الخاصة وترميم ماتعرض منها للتلف وتنظيفها من الغبار واعادة ترتيبها طوال اليوم . . حتى انني كنت الاحظ ما يطرأ على الكتاب من تمزق او ما يعلق به من قطرات الشاي والقهوة او الحبر، كما احب ان حاول احيانا تمييز نوعية الورق بعد ان نشأت علاقة وجدانية وحميمية مع الكتاب الورقي لتتكون بذلك عادات غريبة مثل التقاط اي ورقة تبدو مقطوعة عن كتاب وكذلك قصاصات الورق والجرائد المرمية على قارعة الطريق او تحت جذوع الاشجار في الحدائق او التي علقت بصخرة او سور ما بدافع الفضول وهو الامر الذي يزعج اصدقائي والآخرين من حولي احيانا، لكنني نجحت اخيرا من التخلص من هذه العادة. . كما يدفعني الفضول احيانا إلى محاولة استراق النظر إلى ما يقرأة الركاب بجانبي في وسائل النقل العامة او في غيرها من الاماكن.

وكثيرا ما كنت ولا زلت اهتم بنظافة الكتاب والحفاظ على مظهره الانيق. . فشكل الكتاب مهماً بالنسبة لي عندما ابحث عن كتاب لقراءته او لاقدمه كهدية لشخص ما ( باعتبار الكتاب هو اغلى واجمل هدية يمكن ان يقدمها احدهم الي او ان اقدمها انا لاحدهم).

وهذا الميل لبقاء الكتاب نظيفا وانيقا وجذابا جعلني اكره ان ادون اي نوع من الملاحظات على صفحات الكتب او حتى ان اضع خطوطا تحت كلمات او جمل وفقرات معينة منه. . واتذكر انني ذات مرة انفجرت غضبا في احد الاعزاء ووبخته عندما اعاد الي كتابي وفيه خطوط بالقلم الحبر تحت بعض الاسطر التي رأى هو انها مهمة وجديرة بالتمعن، لكنني سرعان ما شعرت بالخجل مما اقدمت عليه. . واذا كتبت شيئا على الكتاب فلن يكون سوى زمان ومكان اقتناءه والحصول عليه، او في احايين اخرى وهي قليلة كتابة التاريخ الذي بدأت وانهيت قراءة الكتاب فيه.

ومن طريف ما اتذكر الآن انني كنت ايضا ارفض فكرة كتابة الملاحظات على الكتاب او وضع الخطوط تحت بعض العبارات او الفقرات معتقدا بأن هذا يجعل من السهل لمن يقرأ الكتاب من بعدي ان يقرأ افكاري. . وخلال السفر والترحال، ظل الكتاب هو افضل ما يمكن ان احمله في حقيبتي، وخصوصا ان للقراءة في مكان جديد طعم مختلف بل ومشاعر واحاسيس مختلفة.

كما ان من الطريف ما كان يحدث وانا مازلت قارئا صغيرا، حين كنت ادخل مكتبة والدي وابحث فيها عن بعض الكتب التي تجيب عن تساؤلاتي التي يتهرب من الإجابة عنها الكبار، واذهب بعيدا عن الانظار لاتصفحها ثم اعيدها إلى اماكنها بدون ان يشعر احد.

وهنالك الكثير من الذكريات والطرائف التي ترتبط بالكتاب، ومنها تلك التي حدثت لي وانا حينها مراهقا وهو خطأ قمت به يوما لكني لست ابرره او اشجع عليه هنا وإنما اردت ان اعتراف به فقط. .   ففي مرة من المرات، لم اقاوم الإغراء والرغبة في قراءة احد الكتب لكن امين المكتبة المدرسية -وهو شخص سيء الطباع- رفض إعطائي الكتاب بغير مبرر، فخططت مع زملاء آخرين – وهم من المع وانجب التلاميذ في المدرسة ولا بد انهم يضحكون كثيرا حينما يتذكرون ذلك-  ان يقوم بعضنا بإستغفال امين المكتبة هذا بينما احدنا يقوم بوضع الكتاب في حقيبته لكننا فشلنا بسبب قوة التركيز لديه. . ولم يكن الدافع للتحايل سوى الولع بهذا الكتاب وبدافع قراءته.

في ختام هذا المقال، أوجه كلمة شكر للأخ العزيز محمد علي المطري على مبادرته الجميلة، وهي فكرة بسيطة لكنها رائعة جدا في نفس الوقت وتعكس فكر راقي.

صورة لثاني لقاء لنادي الكتاب في الجامعة

Advertisements

مدينة الجبيل الصناعية

1وأنا أمر في الطريق السريع في مدينة الجبيل، فوجئت بعدد المنشآت الصناعية في هذه المدينة ونمو المدينة المتسارع، وكم أسعدني أن أرى كل هذه المنشآت والصناعات في هذه المدينة التي تعتبر اليوم أكثر مدن المملكة العربية السعودية إنتاجا وخوصا انتاج المواد الكيماويات و الغاز والبلاستيك والزجاج والحديد الصلب، كما إنها تحتضن ميناء تجاري هام.

ومايلفت النظر في هذه المدينة هو ان المدينة منظمه تنظيم رائع، وشوارعها واسعه ونظيفة وتحيطها الاشجار من الجانبين على طول امتدادها، كما ان النمط والتخطيط المعماري مميز وعالي الترتيب والنظام، فقد تحولت المدينة الى قطعة من الجمال يبهر الزائر.

تقع مدينة الجبيل في محافظة الجبيل بالمنطقة الشرقية على ساحل الخليج العربي على بعد 100 كم شمال الدمام مركز وحاضرة المنطقة الشرقية، وهو موقع استراتجي وهام بالنسبة للمرات البحرية الدولية في الخليج، مما جعلها بيئة خصبة للاستثمارات والتصنيع.

وضعت الدولة خطة تنموية خمسية وبرامج لتنمية وتطوير مدينة الجبيل الصناعية تضمن تشجيع الاستثمار في القطاع الصناعي، وخصوصاً الالصناعات البتروكيماوية، وكذلك القطاعين التجاري والسكني في المدينة، وتحديد النطاق العمراني، ووضع الأنظمة واللوائح اللازمة تفادياً للنمو والتوسع العمراني، ووضع البرامج اللازمة لتطوير وتنمية الكوادر الوطنية وإعدادها للاضطلاع بمهمة تنمية وتطوير وإدارة المدينة.

تعتبر مدينة الجبيل الصناعية اليوم منطقة محورية في التنمية الاقتصادية للمملكة العربية السعودية، وهي أيضا مقصد الزوار من مدن المملكة المختلفه ومن دول الخليج ، حيث تتميز ببنيتها التحتية العالية المستوى وتوفر الخدمات المساندة، ويساهم ذلك بشكل فعّال في تسهيل إقامة المشروعات السياحية والترفيهية، حيث أصبحت المدينة ذات طابع سياحي مميز مستدام على مستوى مناطق المملكة .

تتم إدارة مدينة الصناعية ومدينة ينبع الصناعية الواقعة على ساحل البحر الاحمر من قبل الهيئة الملكية للجبيل وينبع والتي تأسست بموجب مرسوم ملكي يمنحها سلطات كاملة لإنشاء وتطوير التجهيزات الأساسية في كل من مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، مع تخصيص ميزانية مستقلة، واستقلالاً إدارياً كاملاً، مماجعلها مؤسسة حكومية فريدة من نوعها في المملكة.14910121118

الوجهة شرقية

ملصق كبير مكتوب فيه بئر الدمام رقم 7، وهي أول بئر نفط أكتشف في المملكة العربية السعودية في مارس 1938 في الممكلة العربية السعودية.

ملصق كبير مكتوب فيه بئر الدمام رقم 7، وهي أول بئر نفط أكتشف في المملكة العربية السعودية في مارس 1938 في الممكلة العربية السعودية. ولاحقا أعاد الملك عبد الله بن عبد العزيز تسمية البئر ببئر الخير.

شاءت الاقدار ان اتوجه من ماليزيا غرباً في زيارة مميزة للمملكة العربية السعودية، وشاءت الأقدار أن اتوجه داخل المملكة شرقاً إلى المنطقة الشرقية في الوقت الذي يتميز فيه طقس المنطقة بالاعتدال . . وهذا كله من محاسن الصدف، وهو ما دفعني إلى اختيار المهرجان السياحي “وجهة شرقية” عنواناً لهذا المقال.

اول ما يمكن ان يلاحظه الزائر لهذه المنطقة رقي اخلاق اهلها وحسن معشرهم، فكل من قابلتهم حتى الآن يتحلون بدماثة في الخلق وحسن الذوق والقدرة على تقدير وتحليل الأمور بلغة متزنة وراقية، ولا يسع الزائر الأجنبي مثلي إلا ان يحترم ثقافتهم وأصالتهم.

تعتبر المنطقة الشرقية مركز للصناعات النفطية، وتتميز بوجود أجمل المتنزهات والشواطئ الرملية على ضفاف الخليج العربي من جهة الشرق والصحاري الفسيحة والهادئة من جهة الغرب على طول امتدادها، كما يوجد فيها عدد من المراكز التجارية التي تلبي متطلبات كل الفئات ذات الاذواق المختلفة.

بدأت الرحلة إلى الدمام باستقلال قطار الرياض-الدمام الذي يتبع المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، وهي شبكة خطوط حديدية متطورة على مستوى المملكة وتعتبر نقلة توعية، حيث تقدم خدمات متميزة وبكفاءة عالية. . يمر القطار بمحافظتي الأحساء وبقيق، وتقع محطات الركاب الرئيسية في الرياض والدمام والهفوف.

وتعتبر الدمام حاضرة المنطقة الشرقية، بل انها بدت لي كواجهة خليجية وليس سعودية فقط لموقعها الاستراتيجي بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تجد الهوية الخليجية فيها بارزة من حيث الثقافة الشعبية والملابس واللهجات والارتباط الوثيق بالبحر، والتعدد والتنوع، حيث تحتوي على طيف واسع من الفئات الاجتماعية التي سكنتها منذ قرون غابرة.

من أهم المعالم الحضارية والصناعية والتنموية التي تلفت الانتباه المنطقة الصناعية في الجبيل والموانئ التجارية، مما دفع مجلس التعاون إلى اختيار الدمام لتحتضن اتحاد غرف مجلس التعاون الخليجي الذي يعتبر البوابة الاقتصادية لهذه الدول.

ومن اهم المعالم الحضارية والتعليمية في المنطقة الشرقية جامعة الملك فهد البترول والمعادن والتي تقع في مدينة الظهران, قمت بزيارتها والتجول في مرافقها التعليمية والإدارية والعلمية كمركز الابحاث بمعية الاخ العزيز/ وليد عوض فريد عوض- الطالب في الجامعة سنة أخيرة- والذي لم يأل جهداً في ترتيب جولة متكاملة داخل حرم الجامعة وفي أقسامها المختلفة.

كما تحتضن مدينة الدمام شركة ارامكو السعودية لتجارة المنتجات البترولية والتي تأسست في عام 1933 وتم تأميمها عام 1988م، والتي تحكي قصة اكتشاف واستخراج البترول في المملكة عندما تم الوصول إلى أول نجاح مع موقع الحفر السابع في الدمام بعد اربع سنوات من التنقيب، وذلك على بعد أميال قليلة شمال الظهران. وأصبحت المنطقة معروفة ببئر الدمام رقم 7، والتي أعاد الملك عبد الله بن عبد العزيز تسميتها ببئر الخير. وفي عام  2000، وضعت نشرة بتروليم إنتليجنس ويكلي شركة أرامكو في المرتبة الأولى على العالم للسنة الحادية عشرة على التوالي، على أساس احتياطيات وإنتاج الزيت الخام في المملكة. 

ويعتبر حقل الغوار -والذي يقع الجزء الأكبر منه في مدينة الإحساء- أكبر حقول النفط في العالم، حيث يبلغ اتساعهx30 280 كم، ويقدر إنتاجه بما يزيد على 5 ملايين برميل من النفط يومياً أي بما يعادل 6.25% من الإنتاج العالمي، وحوالي 60-65% من إجمالي الإنتاج السعودي للنفط، ويمتاز حقل الغوار بقربه من أكبر معامل تكرير النفط على مستوى العالم وهو معمل بقيق التابع أيضا لشركة أرامكو.

مع الاخ وليد عوض فريد عوض في حرم جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

مع الاخ وليد عوض فريد عوض في حرم جامعته جامعةالملك فهد للبترول والمعادن

من على أحد مباني جامعة المك فهد للبترول والمعادن ويظهر جزء من مدينة الظهران

من على أحد مباني جامعة المك فهد للبترول والمعادن والتي تعتبر من اهم معالم المدينة، ويظهر جزء من مدينة الظهران

العلامة المشهور وفقه التحولات

الحبيب المشهورفي محاولة منه، يقوم الشيخ الجليل الحبيب/ ابوبكر العدني بن علي المشهور بإعادة قراءة التاريخ الديني الإسلامي وما قبل الإسلام حتى يومنا هذا، والربط بين الديانة والتاريخ، ودراسة الظواهر الإنسانية والكونية المتغيرة في أحوال البشرية والإقتصاد والسياسة والدين والصراعات من حولنا، ومعالجة شؤون الحياة من خلال فهم هذه الظواهر المتغيرة. كل هذا يندرج تحت مفهوم (( فقه التحولات)).

والحبيب ابوبكر المشهور من مواليد مدينة أحوار- أبين، وتلقى علوم الفقه في اربطة احور وحضرموت وعدن، وتلقى دراسته الابتدائية في مدارس أحور والمحفد، ودراسته الثانوية في مدينة عدن، وحاز على شهادة الدبلوم الجامعية في اللغة والآداب من جامعة عدن، وقام بجهود علمية في مناطق مختلفة من بينها تهامة وجدة.

ويمكن توصيف فقه التحولات بأنه الفهم الشرعي لما جرى ويجري من سنن التغيرات والمتغيرات في الحياة الانسانية والكونية, وماطرأ ويطرأ من مستجدات العلم النظري والتطبيقي والثقافة والحوادث والفتن في مراحل الحياة الانسانية عموماً ومراحل الأمة المحمدية خصوصا الى قيام الساعة, اما على صفة القراءة الاستباقية للحوادث والوقائع، واما على صفة القراءة الاستقرائية لتاريخ الأمم والشعوب من مصادرها الأساسية: القرآن والسنة. [المصدر: مدونة فقه التحولات]

يقول المفكر الحبيب ابوبكر المشهور: (( بعد دراسة واعية ومتأنية للواقع المعاصر بعمومه، والواقع الإسلامي والعربي والمحلي بخصوصه، وبعد التغلغل الميداني والاحتكاك الإيجابي بكافة نماذج الشخوص الحاملة صفة الرسمية أولاً ثم صفة الشعبية تأكد بيقين أن الحالة الراهنة لاتتجاوز كونها تراكماً ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً متناقضاً، وثمرة من ثمرات العمل السياسي المبطن الذي غير الأمة بعمومها في مرحلتها الغثائية، وسلبها في غفلة من الوقت والزمن قدراتها الشرعية المتكاملة ما عدا القليل القليل من العلم الفقهي المذهبي، والذوق الصوفي المشربي الذي تشتت وتحوصل في دوائر تعليمية ووظيفية ضيقة جداً لا تسمح له ولا لحملة ثوابته من الحركة الاجتماعية الفاعلة ولا حتى من بثه في الواقع التعليمي والثقافي بما يساعد مجموعات الأجيال المتلاحقة على سلامة الانتماء للمذهب والرؤية، هذا فيما يتعلق بالديانة ومخرجاتها الشرعية، وأما ما يتعلق بما دون ذلك من شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والثقافية والإعلامية والاقتصادية وهلم جراً… فالسفينة المعاصرة قد أغربت بالشعوب والأجيال عن شرف العلاقة السليمة بالإسلام وثوابته إلى الاستتباع المطلق بعالم الحضارة الغربية ومخرجاتها الحديثة، وتخرّج على هذا المبدأ مئات وآلاف الرجال والنساء، وعليه أيضاً ومن خلاله يفسرون الحاضر والماضي والمستقبل، ولم يعد لهم من خيار غير ذلك ولا بديل عنه ولا محيص، فالجميع في هذا الحشد المتناقض مجبرون على السير في الاتجاه الإجباري نحو جحر الضب، بل أن المحاولة الجادة لتقييم ذلك أو معالجته تعد ضرباً من الخيال وسبباً من أسباب الوقوع في مقت الساسة والعلماء والمفكرين والمثقفين الذين تشرئب أعناقهم سخرية واستهزاء بالمتطفلين والمتكلفين المحاولات الانتحارية لتقييم الحاضر أو إدانته، لأن الحاضر من وجهة نظرهم هو الإسلام الذي فقهوه وتفقهوا فيه، أو أن الإسلام وإن كان يعيش في الواقع أزمة فهم يرون مواقفهم تمثل صفوة المعالجة وفقه الحالة، وعين المصابرة على سوء أحوال الحياة المتناقضة )) [ المصدر: الموقع الالكتروني لرباط عتق-شبوة]

كما يقول الشيخ الجليل ابوبكر المشهور:(( وأعتقد أن الوقت قد حان لإعادة تفتيش أوراقنا المتراكمة للننظر في تراثنا الإسلامي بعد أن حولناه إلى مسمى التراث، وهو هويتنا وعقيدتنا وأساس سلامتنا في الدنيا والآخرة، ولربما بذلك تبدى لنا بوضوح حجم المؤامرة التي نديرها بأنفسنا مع أعدائنا ضد ديننا وعلاقتنا بربنا وبنبينا وبالأمة الإسلامية)).

 كما يقول ((إنَّ أجيال الأمة الإسلامية أمام مسئولية عظمى تبدأ بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحفظ ما يمكن حفظه، ولن يتحقق هذا المبدأ في خضم التيارات والأعاصير المدمرة إلا بالرحلة إلى الداخل، والرحلة إلى الداخل تبدأ بإعادة دراستنا الواعية لنصوص القرآن الكريم وأحاديث مَنْ لا ينطق عن الهوى صلى الله وسلم عليه وعلى آله فيما يخص التحولات والعلامات والإمارات والأشراط والبشارات والملاحم والفتن والفتن المضلة، وكل هذا الحشد من المواضيع جزء من الديانة، والديانة أمانة، و«أول ما يُرْفَعُ مِنْ هذه الأمَّة: الأمانة، وآخر ما يبقى لهم: الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا أمانةَ لَهُ» صدق رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله)).

يرتكز فقه التحولات على إعادة قراءة حديث سيدنا جبريل المروي عن سيدنا عمر بن الخطاب: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ… الخ الحديث» ونرى بالفعل في هذا الحديث ما استدل به المفكر الإسلامي من أن أركان الدين أخذت من هذا الحديث وكان آخر ما سأل عنه الرجل ذو الثياب البيضاء: «قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قال: قال : ” أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ” . ثم انطلق ، فلبثت مليا ، ثم قال لي : ” يا عمر ، أتدري من السائل ؟ . قلت : الله ورسوله أعلم . قال : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ” . [رواه مسلم]

فمن خلال تحريك إعمال العقل وإعادة قراءة بعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وتحريك أعمال الفكر بعد أن أصيب بالجمود، يطرح المشهور في كتابه ((التليد والطارف في شرح منظومة فقه التحولات وسنة المواقف)) مفهوم رباعية الأركان، بعد أن ظل غيره من العلماء والمتفقهين في الدين يأخذرون من الحديث النبوي السالف الذكر المحاور الثلاثة الاولى من الحديث ((الإسلام، والايمان، والأحسان))، لكنه الحبيب المشهور ووفقا للوحدة الكلية للسياق، يضيف محور رابع هو فقه التحولات ومفهوم جديد لعلامات الساعة والظواهر الانسانية والطبيعية المتحولة والمتغيرة من حولنا.

ويرى المشهور إنَّ إعادة الاعتبار للركن الرابع وإعادة دراسته يجب أن يؤخذ من مصدره ومن حيث برز ليظل حاملاً هوية المنشأ وسلامة التحليل ويظل الراغب في دراسته متابعاً منابع هذا الركن وما يتفرع عنه دون انشغال بمداخلات الأنداد ومعارضات الأضداد، وخاصة أن المرحلة مرحلة منافسة، والكثير من حملة صِفَة العِلْم يميلون إلى دخول سوق العرض والطلب بما يدخل به الغير من أشباههم وأمثالهم ليكسبوا الأرباح، فيختلط في أسواق المزاد ما هو أصلي المنشأ والصياغة، وما هو للاستهلاك والتجارة، وتذهب الحقيقة هباءً منثوراً.

وافتتح الجبيب المشهور العدني مركز ((المرصد النبوي)) في مدينة عدن لدراسة فقه التحولات، كما يقوم بشرح هذا العلم لطلابه من خلال المحاضرات، وحالياً يقوم بزيارة لماليزيا لإلقاء بعض المحاضرات.

____________________

لمعرفة المزيد عن علم فقه التحولات، يمكنك مشاهدة محاضرة للحبيب المفكر الاسلامي/ ابوبكر العدني بن علي المشهور بعنوان ((الملخص المفيد عن فقه التحولات وعلامات الساعة بمفهومها الجديد)) من خلال فتح رابط الفيديو من هنا

altleedwhatsapp

المدونة في ظفار

المدونة في ظفار2سلطت المدونة منذ تأسيسها الضوء على العديد من الجوانب في أرخبيل الملايو بصورة عامة وماليزيا بصورةخاصة باعتبارها بلد منشأ المدونة، وفي نفس الوقت سلطت الضوء على العديد من الجوانب في منطقة جنوب الجزيرة العربية والتي لم تحظى بالاهتمام من قبل الكتاب والصحفيين والمدونين وخاصة الثقافات الشعبية والمحلية التي تتمتع بخصوصية وبأصالة وعراقة.

في سلسلة من المقالات، ستسلط المدونة الضوء على محافظة ظفار العمانية، وتراثها ولهجات ولغات أهلها، وطبيتعها وغير ذلك من الجوانب التي تستحق الاهتمام لاسيما ما يسمى عند علماء اللغات باللغات العربية الجنوبية الحديثة في منطقة ظفار والمهرة وسقطرى.

ستسلط المدونة الضوء على التراث الإنساني الظفاري، وعلى الإنسان الظفاري قبل ظفار الارض والطبيعة، نظراً لعراقة الثقافة الظفارية التي تضرب جذورها في اعماق التاريخ، وحفاظ اهلها على الكثير من القيم الأصيلة واللغات واللهجات العريقة.

اجدها فرصة من خلال هذه المقالة لأوجه كلمة شكر للأخ العزيز سالم بن أحمد بن سكرون الذي يتواصل مع المدونة من خلال ايميل المدونة، والذي لن استغني عن الاستعانة به في الحصول على بعض المعلومات الدقيقة وتصحيح المعلومات التي سترد في المقالات القادمة باعتباره من اهل ظفار.

أتمنى أن تجدوا في هذه المقالات ما يستحق عناء القراءة، كما أتمنى أن نستلهم من ثقافة أهل ظفار القيم الإنسانية والفطرية التي يتمتعون بها، والتي يمكن ان تتجلى من خلال الثقافة الشعبية.خريطة عمان  موقع ظفار فيها

 

الصحافة العربية الحضرمية في سنغافورة (بين عام 1917 وعام 1943م)

الصحافة العربية في سنغافورةوفقاً لكتاب “الشيخ عبد العزيز البدَّاح سيرة حياته” للدكتور يعقوب يوسف الحجي، الصادر عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، فقد أصدر العرب الحضارم في سنغافورة في الفترة ما بين الحربين العالميتين الكثير من الصحف، وفيما يلي قائمة بأسماء معظم الصحف التي صدرت في سنغافورة من عام 1917 وحتى عام 1943.
الأيام:
أول صحيفة عربية في المهجر الشرقي ( جاوة وسنغافورة )، أسسها الاستاذ محمد بن يحي بن عقيل، صاحب كتاب (النصائح الكافية ) في أول جماد الثاني 1324هـ ( 1906م)، واستمرت حتى عام 1908م، وهناك صحيفة اسمها “الوطن ” يذكر أنها أول صحيفة عربية في هذا المهجر الشرقي.
الإصلاح:
صحيفة أسبوعية أدبية أسسها محمد بن عقيل العلوي عام 1908م، وكان رئيس تحريرها الشيخ كرامة بن سعيد بلدرم، ولقد استمرت في الصدور حتى عام 1910م.
الهدى:
أول جريدة أسبوعية ظهرت في سنغافورة بعد انقطاع طويل للصحف في هذه الجزيرة، أصدرها ورأس تحريرها عبد الواحد الجيلاني في 25 مايو 1931م، وتوقفت في شهر جون 1934 بعد أربع سنوات من النشاط، وذلك بعد رفع قضية عليها جعلتها تتوقف لأسباب مالية.
العرب:
أنشأها حسين بن علي السقاف، وكان رئيس تحريرها أحمد بن عمر بافقيه، وقد استمرت حتى يناير 1935م.
القصاص:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب الكثيري باللغة العامية الحضرمية في فبراير 1932م.
النهضة الحضرمية:
جريدة شهرية أصدرها أبوبكر السقاف العلوي في يناير 1933م، واستمرت حوالي العامين حتى عام 1934م.
الشعب الحضرمي:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في فبراير 1934 باللهجة العامية الحضرمية، ولم تستمر في صدورها طويلاً.
الجزاء:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في أبريل 1934 باللغة العربية الفصحى، واستمرت حتى شهر مايو 1934م على ما يبدو.
الحساب:
نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في يناير 1935، واستمرت حتى أبريل 1936م على ما يبدو.
المجد العربي:
جريدة نصف شهرية أصدرها فرج بن طالب في 20 مارس 1935م، وربما استمرت حتى سبتمبر 1935م.
صوت حضرموت:
جريدة شهرية صدر العدد الأول منها في مايو 1934، واستمرت أربع سنوات، ثم توقفت ثم عادت للصدور حتى عام 1947، صاحبها طه أبوبكر السقاف العلوي.
السلام:
جريدة شهرية صدرت تحت رعاية إبراهيم بن عمر السقاف، في 12 أبريل 1936، واستمرت حتى فبراير 1940 على ما يظهر، حيث توقفت بسبب عدم دفع المشتركين فيها ما عليهم من حقوق مادية لها. ولقد كانت السلام هذه بعثاً لجريدة العرب السابقة، ولكن بروح مختلفة تماماً، وذلك حين بدأت بوادر الانفراج في الأزمة التي عصفت في العرب في المهجر سنين طويلة.
المشهور:
أصدرها محمد بن زين السقاف في ديسمبر 1938، لكنها لم تستمر طويلاً.
الذكرى:
جريدة نصف شهرية أصدرها عبد الله بن عبد الرحمن الحبشي في سبتمبر عام 1939م، واستمرت حتى مايو 1940م.
الأخبار:
أصدرها عبد الواحد الجيلاني في سبتمبر 1939م، بعد توقف جريدته الهدى، كانت يومية في البدء ثم أصبحت أسبوعية، ثم توقفت عام 1941م.
الأخبار المصورة:
أصدرها السيد عبد الواحد الجيلاني في جولاي 1939م على ما يبدو، وربما توقفت في نوفمبر 1940م.

الصحافة العربية في اندونيسيا وسنغافورة

الحضارم في الأرخبيل الهندي*

الصفحة الأولى من كتاب "حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

الصفحة الأولى من كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

في كتابه “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي”** الصادر عام 1886م والمترجم في عام 2006 من قبل الدكتور الفاضل مسعود عمشوش،  يتناول المستشرق الهولندي فان دن بيرخ موضوع الهجرات الحضرمية إلى الأرخبيل الهندي وخصائص حضارم المهجر. ومع إن المؤلف لم يحرص على الدقة والموضوعية في جوانب عديدة من الكتاب، إلا الكتاب يحتوي على الكثير من الصفحات التي تستحق الإطلاع.

ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، الأول منها جاء بعنوان “نشأة المستوطنات العربية وواقعها اليوم”، والفصل الثاني بعنوان “طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، بينما الفصل الثالث جاء بعنوان ” مصادر دخل العرب في الأرخبيل الهندي”، ويناقش الفصل الرابع “الدين والتعليم” أما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي”، ويتناول الفصل السادس الفروق بين العرب في الأرخبيل الهندي والعرب في حضرموت، وجاء الفصل قبل الاخير بعنوان “تأثير الحضارم في السكان المحليين”، أما الفصل الثامن والأخير فعنوانه “اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي”***.

يستهل المؤلف مقدمة الكتاب بالقول: ((ينحدر جميع العرب المستقرين اليوم في الأرخبيل الهندي تقريباً من اصل حضرمي. ومن النادر جداً أن تجد أن تقابل بينهم أفراد قدموا من مسقط في سواحل الخليج العربي أو من الحجاز أو من مصر أو من سواحل شرق أفريقيا أو من المناطق الأخرى في اليمن. ومن النادر كذلك أن نجد بين العدد المحدود من هؤلاء الأفراد من يختار الإقامة الدائمة في جزر الأرخبيل الهندي، ومن يفعل ذلك سنصهر بسرعة وسط الكم الهائل من العرب القادمين من حضرموت)).

وفي الفصل الثاني، يتناول المؤلف كيفية يتمكن المهاجر الجديد من ترتيب سكن وعمل له في البلاد الجديدة وكيف يبدأ تسيير شؤون حياته، ويقول: ((وعادة ينزل المهاجر الجديد عند وصوله إلى الأرخبيل الهندي ضيفاً على الشخص الذس استدعاه. وإذا لم يستدعه احد طلب من أحد أفراد عائلته أو قبيلته أن يستضيفهز ومن النادر أن يصل أحد العرب لاسيما من فئة السادة إلى الأرخبيل الهندي من غير أن يعرفه أحد يمكن أن يقوم باستقباله. وفي سنغافورة حيث ينبغي أن يمر غالبية المهاجرين القاديمن من حضرموت، احترف اثنان من العرب مهنة استقبال المهاجرين الجدد فيتوليان تسكينهم وعند الضرورة يقرضانهم المال اللازم لمواصلة السفر بشرط ان يدفع المهاجر في  وقت لاحق أجرة السكن والقرؤض مع الفائدة)).

ويشرح المؤلف طريقة السفر من حضرموت إلى جزر الأرخبيل الهندي، ويقول: ((وكان السفر من حضرموت إلى الأرخبيل الهندي يستغرق في السابق شهور عدة. وكان على المسافر أن يركب  البحر في المكلا أو في الشحر باتجاه مومباي ومنها يذهب إلى جزيرة سيلان ثم إلى آتشيه أو سنغافورة، وكل ذلك بواسطة المراكب الشراعية التي لا يزال بعض المسافرين يستخدمونها اليوم، أما الأشخاص الذين يتوفر لديهم المال فيفضلون ركوب السفن الاوروبية التي تنقلهم من عدن إلى سنغافورة مباشرة)).

كما يصف المؤلف طريقة تعامل العرب الحضارم مع المال والأعمال الخيرية بالقول: ((ومن النادر أن تقابل رجلاً عربياً، سواء كان غنياً أو فقيراً، يصرف إجمالي دخله. فالتوفير جزء من طبيعتهم، وهو الذي يؤمن للجميع تقريباً نوعاً من الرخاء. ومن خصالهم المشرفة التي ينبغي ذكرها هن: عدم نسيانهم لأفراد عائلاتهم في حضرموت حينما تبدأ الثروة تطل عليهم. وحين لا يحتاج أقاربهم للمساعدة، يقدم المهاجرون الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى. ويبعث بعضهم للمساعدة إلى أحد العلماء أو أحد أصدقائه المسنين. ولا يفعل العربي أبداً ما يفعله الأغنياء الأوروبيون الذي ينتابهم الخجل عند رؤية اقاربهم الفقراء ويحاولون أن يتخلصوا من بسرعة. أما بين العرب فضرورة استفادة كل العائلة من ثروة أحد افرادها تعد عادة راسخة تتوارثها الاجيال, وكل من يحاول أن يتهرب من أداء هذا الواجب الأخلاقي يستحقره مواطنوه الآخرون. وتصبح هذه العادة واجباً أكثر إلزاماً حينما يتعلق الأمر بمساعدة الوالدين، فاحترام العرب لمن كان السبب في مجيئهم إلى هذه الدنيا ادهشني كثيراً في الأرخبيل الهندي حتى بين المولدين، وقد سبق أن لاحظه قبلي كثير من الرحالة)).

ويتطرق المؤلف لبعض المعاملات المالية وكيفية تعامل العرب الحضارم معها كالحوالات المالية: ((ومن الصعب أن نعرف على وجه الدقة إجمالي الحوالات السنوية التي يبعثها المهاجرون العرب إلى  حضرموت. مع ذلك، اعتقد إنه بالإمكان تقديرها بحوالي 150000 فلوران. ومعظم هذه الحوالات لا تتم بواسطة المؤسسات المالية أو البنوك الاوروبية التي لن تستطيع توصيل الحوالة إلى أبعد من سنغافورة أو مومباي أو عدن، أي أنها لن تسلمها مباشرة إلى صاحبها في حضرموت. لذا يتم في الغالب إرسال الحوالات مع أحد الأصدقاء او الأقارب أو أحد أفراد العائلة الذي يود القيام بزيارة للبلاد. ولم اسمع ابداً أن احدهم قد قصر يوماً في أداء الامانة. وفي باتافيا هناك تاجر يبعث بحوالات الناس مباشرة إلى سيئون بعد أن وضع عند وكيله هناك مبلغ 50000 فلوران يضيف إليه مبالغ أخرى بشكل دوري عن طريق عن. وفي سيئون تسلم الحوالة نقداُ إلى يد صاحبها)).

ولفت انتباه المؤلف التزام العرب الحضارم باداء الواجبات الدينية المالية كالزكاة، ويصف أهتمامهم بها بالدقيق قائلاً: ((كما أن الدقة التي يؤدي بها العرب في الأرخبيل الهندي فريضة الزكاة تعد علامة أخرى على أن حبهم لعمل الخير راسخ فيهم منذ القدم. ولا شك في أن حيهم لعمل الخير مساو لاعتدالهم في المأكل والملبس. فحن لن نجد هنا حضرمياً يتعاطى المشروبات الروحية أو الأفيون)).

ولم يغفل المؤلف الصفات الحميدة والحسنة التي يتسم بها العرب الحضارم: ((ومن الخصال الحميدة التي يتميز بها الحضارم: احترامهم للعلم والفكر، ومن العلوم التي يفضلونها الفقه والقانون وعلوم الدين. ففي الأرخبيل الهندي حتى رجال القبائل الذي لم ينالوا من الحضارة الا شيئاً يسيراً لا يستطيعون أن يظلوا بعيداً عن تأثير الرأي العام السائد تجاه العلم))

ويلفت انتباه المؤلف وإعجابه بتعامل العرب الحضارم مع العلماء ووضعهم في مكانة لائقة بهم بغض النظر عن وضعه المادي، ويؤكد على إن هذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير: ((وقد حضرت بعض اجتماعات العرب ولاحظت أن التجار الاغنياء والرؤساء المعينين من قبل الحكومة الهولندية يخاطبون عالماُ فقيراُ مغموراً بطريقة تبين أنهم يعتبرونهم أرفع منهم منزلة. ويتجاوز هذا التقدير مجرد علامات الاحترام المعنوية. وقد أخبرني أحد أصدقائي من التجار العرب عرفته بالصدفه اثناء إقامته في عدن أن لدى أحد العلماء العرب قضية شائكة مع أحد رجال الدين المحليين، فوضع تحت تصرفه 2500 فلوران ليستطيع أن يستعين بأفضل المحامين إذا ما تطلب الامر ذلك. إلا أن تلك القضية لم تصل لحسن الحظ إلى المحكمة. وهي تبين مدى احترام الحضارم للعلم وحبهم للخير  حتى تجاه الاشخاص الذي لا تربطهم بهم قرابة أو صداقة. وهذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير)).

أما فيما يتعلق بالجريمة، يقول المؤلف إن الإحصائيات تميل كثيراً إلى صالح العرب، اي أنها تعكس ابتعاد العرب عن الجريمة. وقد أكد لي أحد القضاة الهولنديين أنه خلال مدة 12 سنة لم يمثل أمامه إلا عربي واحد.

ويأخذ المؤلف على العرب الحضارم ابتعادهم من الاوربيين ومحاولتهم لتجنبهم وعدم تدريس اولادهم في المدارس الاجنبية، حيث يقول: ((وعلى الرغم من تلك الخصال الحميدة التي تتسم بها طباع العرب، فالناس الآخرون ينظرون اليهم بصورة سيئة للغاية. كما أن العرب هم الفئة التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الاوروبيين، فبينما نجد الصينيين الاغنياء يسعون عادة للاقتراب من الجالية الاوروبية، فلا شيء من هذا القبيل يوجد عند العرب الذين لا يرسلون ابناءهم إلى المدارس الحكومية أو مدارس البعثات التبشيرية)).

لكن يشير إلى ابتعاد شبان العرب الحضارم عن الالعاب المحرمة كالقمار، حيث يقول: ((كما أن الشبان العرب كونوا لانفسهم جمعية خاصة بهم تضم نحو اربعين عضوا وهي عبارة عن نادي ترفيهي يشبه الاندية المنتشرة في المناطق التي تخضع لبريطانيا. وفي هذه الجمعية، إضافة إلى تنظيم بعض حلقات النقاش، يمارس الشباب العابا مثل البلياردو والشطرنج، لكنهم لا يقتربون ابداً من ألعاب القمار المحرمة)).

ويعود المؤلف، فيشير إلى خصلة سلبية في الشخصية العربية، ألا وهي ميولهم إلى الانتقام والثار قائلاً: ((ومن الخصال السلبية التي تبهت الشخصية العربية في الأرخبيل الهندي: طبعهم الانتقامي الذي يميل داءماً إلى الثأر، وحبهم للمقاضاة وجدلهم الدائم مع رجال الدين المحليين حول قضية الشريعة)).

وفي الفصل الثالث، يتطرق إلى طبيعة تجارة العرب في الأرخبيل الهندي: ((من النادر أن لا تقابل في الأرخبيل الهندي عربياً لا يهتم بهذا الشكل أو ذاك بالتجارة. فالعرب يكونون مع الصينيين ما يسمى في لغة التجارة بـالوكلاء، أي أنهم يشترون البضائع بالجملة من الشركات الأوروبية الكبيرة ويقومون بتصريفها أما عن طريق موزعين آخرين أو مباشرة إلى المستهلك)).

كانت هذه بعض الاقتباسات الواردة في كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، محاولين من خلالها التعرف على بعض الجوانب في تاريخ العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي، والسمات التي تميزوا بها، وايضاً بعض السلبيات التي اشار اليها الؤلف، بغض النظر عن مصداقيته ودقته. ولا يسعني في النهاية سوى أن أعبر عن عظيم الشكر والتقدير للمترجم الدكتور مسعود عمشوش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، صادر عام 1886م، وترجمة الدكتور مسعود عمشوش.

** العنوان الأصلي للكتاب هو (Le Hadhramout et Les Colonies Arabes L’Archipel  Inden ).

*** للإطلاع على الكتاب الأصلي أضغط هنا.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب ""حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب “”حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.