الحضارم في الأرخبيل الهندي*

الصفحة الأولى من كتاب "حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

الصفحة الأولى من كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

في كتابه “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي”** الصادر عام 1886م والمترجم في عام 2006 من قبل الدكتور الفاضل مسعود عمشوش،  يتناول المستشرق الهولندي فان دن بيرخ موضوع الهجرات الحضرمية إلى الأرخبيل الهندي وخصائص حضارم المهجر. ومع إن المؤلف لم يحرص على الدقة والموضوعية في جوانب عديدة من الكتاب، إلا الكتاب يحتوي على الكثير من الصفحات التي تستحق الإطلاع.

ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، الأول منها جاء بعنوان “نشأة المستوطنات العربية وواقعها اليوم”، والفصل الثاني بعنوان “طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، بينما الفصل الثالث جاء بعنوان ” مصادر دخل العرب في الأرخبيل الهندي”، ويناقش الفصل الرابع “الدين والتعليم” أما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي”، ويتناول الفصل السادس الفروق بين العرب في الأرخبيل الهندي والعرب في حضرموت، وجاء الفصل قبل الاخير بعنوان “تأثير الحضارم في السكان المحليين”، أما الفصل الثامن والأخير فعنوانه “اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي”***.

يستهل المؤلف مقدمة الكتاب بالقول: ((ينحدر جميع العرب المستقرين اليوم في الأرخبيل الهندي تقريباً من اصل حضرمي. ومن النادر جداً أن تجد أن تقابل بينهم أفراد قدموا من مسقط في سواحل الخليج العربي أو من الحجاز أو من مصر أو من سواحل شرق أفريقيا أو من المناطق الأخرى في اليمن. ومن النادر كذلك أن نجد بين العدد المحدود من هؤلاء الأفراد من يختار الإقامة الدائمة في جزر الأرخبيل الهندي، ومن يفعل ذلك سنصهر بسرعة وسط الكم الهائل من العرب القادمين من حضرموت)).

وفي الفصل الثاني، يتناول المؤلف كيفية يتمكن المهاجر الجديد من ترتيب سكن وعمل له في البلاد الجديدة وكيف يبدأ تسيير شؤون حياته، ويقول: ((وعادة ينزل المهاجر الجديد عند وصوله إلى الأرخبيل الهندي ضيفاً على الشخص الذس استدعاه. وإذا لم يستدعه احد طلب من أحد أفراد عائلته أو قبيلته أن يستضيفهز ومن النادر أن يصل أحد العرب لاسيما من فئة السادة إلى الأرخبيل الهندي من غير أن يعرفه أحد يمكن أن يقوم باستقباله. وفي سنغافورة حيث ينبغي أن يمر غالبية المهاجرين القاديمن من حضرموت، احترف اثنان من العرب مهنة استقبال المهاجرين الجدد فيتوليان تسكينهم وعند الضرورة يقرضانهم المال اللازم لمواصلة السفر بشرط ان يدفع المهاجر في  وقت لاحق أجرة السكن والقرؤض مع الفائدة)).

ويشرح المؤلف طريقة السفر من حضرموت إلى جزر الأرخبيل الهندي، ويقول: ((وكان السفر من حضرموت إلى الأرخبيل الهندي يستغرق في السابق شهور عدة. وكان على المسافر أن يركب  البحر في المكلا أو في الشحر باتجاه مومباي ومنها يذهب إلى جزيرة سيلان ثم إلى آتشيه أو سنغافورة، وكل ذلك بواسطة المراكب الشراعية التي لا يزال بعض المسافرين يستخدمونها اليوم، أما الأشخاص الذين يتوفر لديهم المال فيفضلون ركوب السفن الاوروبية التي تنقلهم من عدن إلى سنغافورة مباشرة)).

كما يصف المؤلف طريقة تعامل العرب الحضارم مع المال والأعمال الخيرية بالقول: ((ومن النادر أن تقابل رجلاً عربياً، سواء كان غنياً أو فقيراً، يصرف إجمالي دخله. فالتوفير جزء من طبيعتهم، وهو الذي يؤمن للجميع تقريباً نوعاً من الرخاء. ومن خصالهم المشرفة التي ينبغي ذكرها هن: عدم نسيانهم لأفراد عائلاتهم في حضرموت حينما تبدأ الثروة تطل عليهم. وحين لا يحتاج أقاربهم للمساعدة، يقدم المهاجرون الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى. ويبعث بعضهم للمساعدة إلى أحد العلماء أو أحد أصدقائه المسنين. ولا يفعل العربي أبداً ما يفعله الأغنياء الأوروبيون الذي ينتابهم الخجل عند رؤية اقاربهم الفقراء ويحاولون أن يتخلصوا من بسرعة. أما بين العرب فضرورة استفادة كل العائلة من ثروة أحد افرادها تعد عادة راسخة تتوارثها الاجيال, وكل من يحاول أن يتهرب من أداء هذا الواجب الأخلاقي يستحقره مواطنوه الآخرون. وتصبح هذه العادة واجباً أكثر إلزاماً حينما يتعلق الأمر بمساعدة الوالدين، فاحترام العرب لمن كان السبب في مجيئهم إلى هذه الدنيا ادهشني كثيراً في الأرخبيل الهندي حتى بين المولدين، وقد سبق أن لاحظه قبلي كثير من الرحالة)).

ويتطرق المؤلف لبعض المعاملات المالية وكيفية تعامل العرب الحضارم معها كالحوالات المالية: ((ومن الصعب أن نعرف على وجه الدقة إجمالي الحوالات السنوية التي يبعثها المهاجرون العرب إلى  حضرموت. مع ذلك، اعتقد إنه بالإمكان تقديرها بحوالي 150000 فلوران. ومعظم هذه الحوالات لا تتم بواسطة المؤسسات المالية أو البنوك الاوروبية التي لن تستطيع توصيل الحوالة إلى أبعد من سنغافورة أو مومباي أو عدن، أي أنها لن تسلمها مباشرة إلى صاحبها في حضرموت. لذا يتم في الغالب إرسال الحوالات مع أحد الأصدقاء او الأقارب أو أحد أفراد العائلة الذي يود القيام بزيارة للبلاد. ولم اسمع ابداً أن احدهم قد قصر يوماً في أداء الامانة. وفي باتافيا هناك تاجر يبعث بحوالات الناس مباشرة إلى سيئون بعد أن وضع عند وكيله هناك مبلغ 50000 فلوران يضيف إليه مبالغ أخرى بشكل دوري عن طريق عن. وفي سيئون تسلم الحوالة نقداُ إلى يد صاحبها)).

ولفت انتباه المؤلف التزام العرب الحضارم باداء الواجبات الدينية المالية كالزكاة، ويصف أهتمامهم بها بالدقيق قائلاً: ((كما أن الدقة التي يؤدي بها العرب في الأرخبيل الهندي فريضة الزكاة تعد علامة أخرى على أن حبهم لعمل الخير راسخ فيهم منذ القدم. ولا شك في أن حيهم لعمل الخير مساو لاعتدالهم في المأكل والملبس. فحن لن نجد هنا حضرمياً يتعاطى المشروبات الروحية أو الأفيون)).

ولم يغفل المؤلف الصفات الحميدة والحسنة التي يتسم بها العرب الحضارم: ((ومن الخصال الحميدة التي يتميز بها الحضارم: احترامهم للعلم والفكر، ومن العلوم التي يفضلونها الفقه والقانون وعلوم الدين. ففي الأرخبيل الهندي حتى رجال القبائل الذي لم ينالوا من الحضارة الا شيئاً يسيراً لا يستطيعون أن يظلوا بعيداً عن تأثير الرأي العام السائد تجاه العلم))

ويلفت انتباه المؤلف وإعجابه بتعامل العرب الحضارم مع العلماء ووضعهم في مكانة لائقة بهم بغض النظر عن وضعه المادي، ويؤكد على إن هذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير: ((وقد حضرت بعض اجتماعات العرب ولاحظت أن التجار الاغنياء والرؤساء المعينين من قبل الحكومة الهولندية يخاطبون عالماُ فقيراُ مغموراً بطريقة تبين أنهم يعتبرونهم أرفع منهم منزلة. ويتجاوز هذا التقدير مجرد علامات الاحترام المعنوية. وقد أخبرني أحد أصدقائي من التجار العرب عرفته بالصدفه اثناء إقامته في عدن أن لدى أحد العلماء العرب قضية شائكة مع أحد رجال الدين المحليين، فوضع تحت تصرفه 2500 فلوران ليستطيع أن يستعين بأفضل المحامين إذا ما تطلب الامر ذلك. إلا أن تلك القضية لم تصل لحسن الحظ إلى المحكمة. وهي تبين مدى احترام الحضارم للعلم وحبهم للخير  حتى تجاه الاشخاص الذي لا تربطهم بهم قرابة أو صداقة. وهذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير)).

أما فيما يتعلق بالجريمة، يقول المؤلف إن الإحصائيات تميل كثيراً إلى صالح العرب، اي أنها تعكس ابتعاد العرب عن الجريمة. وقد أكد لي أحد القضاة الهولنديين أنه خلال مدة 12 سنة لم يمثل أمامه إلا عربي واحد.

ويأخذ المؤلف على العرب الحضارم ابتعادهم من الاوربيين ومحاولتهم لتجنبهم وعدم تدريس اولادهم في المدارس الاجنبية، حيث يقول: ((وعلى الرغم من تلك الخصال الحميدة التي تتسم بها طباع العرب، فالناس الآخرون ينظرون اليهم بصورة سيئة للغاية. كما أن العرب هم الفئة التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الاوروبيين، فبينما نجد الصينيين الاغنياء يسعون عادة للاقتراب من الجالية الاوروبية، فلا شيء من هذا القبيل يوجد عند العرب الذين لا يرسلون ابناءهم إلى المدارس الحكومية أو مدارس البعثات التبشيرية)).

لكن يشير إلى ابتعاد شبان العرب الحضارم عن الالعاب المحرمة كالقمار، حيث يقول: ((كما أن الشبان العرب كونوا لانفسهم جمعية خاصة بهم تضم نحو اربعين عضوا وهي عبارة عن نادي ترفيهي يشبه الاندية المنتشرة في المناطق التي تخضع لبريطانيا. وفي هذه الجمعية، إضافة إلى تنظيم بعض حلقات النقاش، يمارس الشباب العابا مثل البلياردو والشطرنج، لكنهم لا يقتربون ابداً من ألعاب القمار المحرمة)).

ويعود المؤلف، فيشير إلى خصلة سلبية في الشخصية العربية، ألا وهي ميولهم إلى الانتقام والثار قائلاً: ((ومن الخصال السلبية التي تبهت الشخصية العربية في الأرخبيل الهندي: طبعهم الانتقامي الذي يميل داءماً إلى الثأر، وحبهم للمقاضاة وجدلهم الدائم مع رجال الدين المحليين حول قضية الشريعة)).

وفي الفصل الثالث، يتطرق إلى طبيعة تجارة العرب في الأرخبيل الهندي: ((من النادر أن لا تقابل في الأرخبيل الهندي عربياً لا يهتم بهذا الشكل أو ذاك بالتجارة. فالعرب يكونون مع الصينيين ما يسمى في لغة التجارة بـالوكلاء، أي أنهم يشترون البضائع بالجملة من الشركات الأوروبية الكبيرة ويقومون بتصريفها أما عن طريق موزعين آخرين أو مباشرة إلى المستهلك)).

كانت هذه بعض الاقتباسات الواردة في كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، محاولين من خلالها التعرف على بعض الجوانب في تاريخ العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي، والسمات التي تميزوا بها، وايضاً بعض السلبيات التي اشار اليها الؤلف، بغض النظر عن مصداقيته ودقته. ولا يسعني في النهاية سوى أن أعبر عن عظيم الشكر والتقدير للمترجم الدكتور مسعود عمشوش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، صادر عام 1886م، وترجمة الدكتور مسعود عمشوش.

** العنوان الأصلي للكتاب هو (Le Hadhramout et Les Colonies Arabes L’Archipel  Inden ).

*** للإطلاع على الكتاب الأصلي أضغط هنا.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب ""حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب “”حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

الإعلانات

الكاف. . فارس عربي في سنغافوة

 

الصور (من اليمين): تمثال في أحد متاحف سنغافورة لشيخ بن عبدالرحمن الكاف، وفي الوسط صوة من جريده يظهر فيها عنوان (مستر أبوبكر يتذكر. . الفارس العربي يعود إلى سنغافورة)، والصورة الثالثة لأبوبكر الكاف لحظه تكريمه من قبل ملكة بريطانيا العظمى أثناء زيارتها في عدن.

الصور (من اليمين): تمثال في أحد متاحف سنغافورة للسيد شيخ بن عبدالرحمن الكاف، وفي الوسط صوة من جريده يظهر فيها عنوان (مستر أبوبكر يتذكر. . الفارس العربي يعود إلى سنغافورة)، والصورة الثالثة لأبوبكر الكاف لحظه تكريمه من قبل ملكة بريطانيا العظمى أثناء زيارتها إلى عدن في ستينيات القرن الماضي.

هناك العديد من الأسماء الحضرمية المهاجرة التي تركت بصمات في بلدان المهجر وفي الوطن، وحققوا نجاحات باهرة في ميدان المال والأعمال. وعندما نتحدث عن هذه الاسماء لا بُد أن نتحدث عن شيخ بن عبدالرحمن الكاف، واولاده خصوصاً نجله أبوبكر بن شيخ الكاف.

ولد شيخ بن عبد الرحمن بن أحمد الكاف في مدينة تريم سنة 1839 (1255هـ). وعاش طفولته مع أبيه وإخوته الستة أبي بكر وعلي وأحمد وحسين وعبد الله ومحمد “على فقر مدقع”. وفيها تعلم القرآن وحفظه. وحضر الدروس الفقهية لعدد من علماء حضرموت في تريم وسيئون وحريضة والخريبة حيث أقام مدة من الزمن عند العلامة الشيخ عبد الله أحمد باسودان وحفظ على يديه كتاباً في الفقه عنوانه (الإرشاد). ولأن خطه كان جميلاً فقد نسخ بيده هذا الكتاب نحو سبعين نسخة وباعها ليكسب لقمة العيش.

ووصل محمد سنغافورة نهاية سنة 1855م. وبعد أن مكث بها مدة قصيرة غادرها إلى مدينة سورابايا ( مدينة كبرى وعاصمة إقليم جاوا الشرقية في إندونيسيا). وفيها بدأ يمارس التجارة “برأس مال هو النزاهة وعلو الهمة وقوة الإرادة”. وقد لحق به أخوه علي وشاركه التجارة.

وفي سنة 1859م غادر شيخ بدوره حضرموت متوجهاً إلى سورابايا للعمل عند أخيه محمد. لكنه، حينما وصل إلى سنغافورة في طريقه إلى جاوة، استلم من أخيه محمد رسالة يأمره فيها أن يستقر في سنغافورة ويعمل بها. ، وهناك توظف في إحدى مؤسسات التاجر الحضرمي سالم السري بمرتب شهري لا يتجاوز الثلاثين بوروم.

وحينما استقر شيخ بن عبد الرحمن الكاف في سنغافورة بأمر من أخيه محمد – سنة 1859- توظف في إحدى مؤسسات التاجر الحضرمي سالم السري بمرتب شهري لا يتجاوز الثلاثين بوروم.

ولأن شيخ الكاف يتمتع بذكاء تجاري وهمة عالية، فقد كد وكدح في وظيفته، وبذل جهود اضافية خارج وظيفته، وبذل جهد جبار في ميدان التجارة في سنغافورة. وبعد أن لمس اخوه الاكبر (محمد) أن شيخ قد اكتسب خبرة في التجارة ومقومات النجاح التجاري، كتب إليه من سورابايا  وأمره أن يقدم استقالته من مؤسسة آل السري ويبدأ يعمل لحسابه الخاص. حاول السري إقناعه بالاستمرار في العمل معهم واقترحوا أن يكون له راتب كبير بل وأن يجعلوه شريكاً لهم في تجارتهم، لكنه رفض شاكراً لهم حسن صنيعهم معه.

وكانت الخطوة المهمة التي قاما بها الأخوان شيخ ومحمد هي توحيد تجارتهما في سورابايا وسنغافورة، وتبودلت بينهما البضائع، فسرعان ما ذاعت شهرتهما وتدفقت عليهما الأرباح والتوكيلات والتسهيلات من كل ناحية. ولم يتردد شيخ في اقتحام عالم العقارات. فاشترى كثيراً من الأراضي والمباني في مواقع كانت نائية من سنغافورة لكنها سرعان ما أصبحت في قلب المدينة وتضاعفت إيجاراتها عشرات المرات في فترة قصيرة.

ثم تزايد بشكل سريع نشاط الكاف التجاري في سنغافورة. وأسهمت الأسرة في بداية تعمير المدينة، حيث قام آل الكاف ببناء عدد كبير من العمارات وقاموا بشق الطرق. وقاموا أيضا ببناء أحد الجسور الشهيرة هناك، وإحدى أجمل الحدائق، ومسجد الكاف. كما شارك شيخ الكاف في تأسيس أول مستشفى للفقراء بناه الحضارم بسنغافورة.

ومما يجدر ذكره هنا، هو أن شيخ الكاف جعل من إحدى عماراته وسط سنغافورة (دارا للغرباء) يأوي إليه المسافرون من وإلى الوطن. وتبين وصايا شيخ الكاف أنه قد أوقف عددا من عماراته للغرباء وطلاب العلم والمدارس في سنغافورة وتريم وسيؤون. ويؤكد الباحث أمين علي بن طالب في مقال له عن (الحضارم في سنغافورة)  أن ((معظم الأراضي التي تقع اليوم في الحي التجاري بوسط سنغافورة كانت ذات يوم ملكاً للأوقاف الحضرمي)). أما فان دن بيرخ فيقول في كتابه (المستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي 1886) إن 80% على الأقل من العقارات في الأراضي الخاضعة للحكم البريطاني -أي في سنغافورة- يمتلكها الحضارم المقيمون هناك.

وبسبب حجم الأعمال الخيرية للكاف في سنغافورة في نهاية القرن التاسع عشر، وبفضل مكانته التجارية اكتسب الكاف سمعة طيبة بين السكان المحليين بشكل عام، وصار اسم الكاف يضاهي في سنغافورة اسم البس في عدن. وتمكنت أسرة الكاف من المشاركة في الشؤون البلدية للجزيرة. وتذكيراً بدور شيخ بن عبد الرحمن الكاف في التنمية التجارية والعمرانية في سنغافورة قامت السلطات هناك بوضع تمثال له من الشمع في متحف سانتوسا.

ومع ذلك، من الواضح أن هناك عوامل عدة جعلت شيخ الكاف يواجه -رغم حنكته- بعض الصعوبات في إدارة أعماله في سنغافورة من حضرموت. فالعقلية الحضرمية كانت – وربما لا تزال- تفضل الإبقاء على إدارة الأعمال من قبل أفراد العائلة. كما أن شيخ الكاف، كان يرفض اللجوء إلى المحامين والمحاكم. وأوصى أولاده أن يفعلوا مثله ويتجنبوا “الدعاوى والمحامين والمحاكم”.

ومع ذلك، بعد وفاة أبيهم شيخ الكاف مباشرة سنة 1910م، اضطر الأبناء إلى تأسيس (شركة الكاف وشركاه) وسجلوا موادها ووثائقها في المحكمة العليا بسنغافورة.

كما أن شيخ الكاف لم يتحمس لإلحاق أبنائه بالمدارس الحديثة التي افتتحت في سنغافورة حينذاك أو إرسالهم إلى مصر أو الغرب للتعليم، وفضّل، مثل معظم المهاجرين الحضارم في جزر الهند الشرقية- ولأسباب قومية ودينية- إرسالهم أو إعادتهم للوطن، وذلك لضمان تعلمهم لغتهم الأم ومبادئ وقيم عقيدتهم ووطنهم.

ولاشك أن طبيعة الثروة الكافية التي تقوم أساساً على تأجير العقارات والأراضي التي اشتراها شيخ بن عبد الرحمن الكاف في نهاية القرن التاسع عشر قد سهلت لهؤلاء الأبناء تسيير شؤون الثروة بشكل أو بآخر. إلا أنهم – مثل غيرهم من أبناء المهاجرين الحضارم- لم يستطيعوا بتلك العقلية والمؤهلات أن ينافسوا رجال الأعمال الصينيين والأوروبيين الذين أصبحوا سادة التجارة في سنغافورة (وجاوة) منذ مطلع القرن العشرين.

كما أصيبت ثروة الكاف في سنغافورة بخسائر وهزات عنيفة بسب القوانين التي اتخذتها السلطات المحلية بشأن ملكية الأراضي، وإيجارات العقارات، وإلغاء الإشراف العائلي على ممتلكات الأوقاف. وبسبب تلك القوانين الجديدة، ونتيجة لاعتماد شيخ بن عبد الرحمن الكاف في وصاياه على أسس (الوقف الخيري والوقف العائلي) برزت عدد من قضايا توزيع الثروة بين الورثة من الأحفاد.

طوال فترة إقامته في سنغافورة،التي امتدت خمساً وثلاثين سنة، ظل شيخ الكاف يحتفظ بصلات وثيقة مع أرض الوطن. فهو، حينما بدأت الثروة تطل عليه لم ينس أبدا أفراد عائلته المحتاجين في حضرموت. وعلى الرغم من طموحه الشديد إلى مضاعفة رأسماله وأملاكه العقارية في سنغافورة، فقد دأب منذ السنوات الأولى من غربته على بعث الحوالات المالية إلى أهله للمساعدة والاستثمار. وأرسل أيضا الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى هناك. وحينما أطمأن إلى حجم ثروته وأصبح أحد أبرز الأغنياء في سنغافورة، وبما أنه كان – بعقليته التقليدية – يدرك أن «مال ما هو في بلدك، لا لك ولا لولدك»، فقد انتظم في تحويل مبالغ ضخمة إلى حضرموت؛ أولاً باسم أخيه عبد الله ثم إلى أخيه محمد، وذلك بهدف استثمارها في الوطن، وذلك في القرن التاسع عشر!

ويؤكد محمد بن هاشم في كتابه (الدور الكافي، ص62-63) أن شيخ الكاف عاد ذات مرة من الشرق إلى تريم في حياة أخيه عبد الله، وسأله عما يفعل بالنقود التي يرسلها إليه من سنغافورة بعد المصاريف العائلية والضيافات والصدقات، فأمر عبد الله ابنه حسين بإحضار كيس وفتحه “وإذا هو مملوء بوثائق مشتريات نخيل وأطيان زراعية؛ وأخذ يقرأ: هذه وثيقة مكان كذا بثمن كذا، وهذه غراسة بثمن كذا، واستمر قارئاً إلى أن صاح أخوه شيخ: كفى كفى، يا لها من بركة عظيمة، إفعل ما شئت أيها الأخ”.

* مصادر المعلومات: مقالات للدكتور مسعود عمشوش.

صورة لمركز تجاري بناه الكاف في سنغافورة عام 1909م، قبل أن يبيعه في عام 1962 للتنمية السنغافورية بمبلغ وقدره 12 مليون دولار.

صورة لمركز تجاري بناه الكاف في سنغافورة عام 1909م، قبل أن يبيعه في عام 1962 للتنمية السنغافورية بمبلغ وقدره 12 مليون دولار. (مصدر الصورة: موقع سنغافوري)

“السناوة ولا بحر جاوه” *

صورة تم التقاطها في المتحف البحري في ملاكا-ماليزيا يظهر فيها سلطان ملاكا وهو يستقبل بعض التجار العرب في ميناء السلطنة في القرن السادس عشر.

نعرف أن هجرة الحضارم أو (قوم عرب-حضرمي Kaum Arab-Hadrami في لغة الملايو) إلى أرخبيل الملايو تعتبر من أهم الهجرات من جنوب الجزيرة العربية، ومع إنني لا أعرف متى بدأت، لكنني أعتقد إنها قديمة وقد بدأت في وقت مبكر بعد الدعوة المحمدية المباركة حتى ربما في القرن الهجري الأول كما يشير العديد من المؤرخين، لكنها ازدهرت أكثر في مراحل لاحقة، خصوصاً في العصر العباسي فيما بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلادي.

وكانت قد بدأت هذه الهجرات الحضرمية الجماعية بمبادرة السادة العلويين على الغالب، ثم انضمت إليها كل فئات المجتمع، فالسادة على مر القرون يتأسون بجدهم نبي الله ورسوله محمد صلي الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة للدعوة إلى الإسلام، وفضلاً عن أن للهجرة النبوية عند المسلمين معان عميقة في الوجدان والعقيدة، فهي بمثابة الدرس نتعلمه من نبينا عليه محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة والسلام قدوتنا الحسنة، وهو الدرس الذي فهمه العلويين أكثر من غيرهم وساروا على هداه، فكان فضلهم عظيم في نشر الرسالة في أقاصي الأرض وخصوصاً الشرق البعيد.

وعندما هاجر الحضارم إلى أقاصي المعمورة في زمن كانت فيه وسائل المواصلات بسيطة، فهذا يعني إنهم قد واجهوا التحديات الجسام والمخاطر والصعوبات، وواجهوا أخطار البحار، كما يعني أن لديهم تراث بحري غني، وباع في صناعة السفن التي تنطلق من ميناء الشحر.

وفي الماضي، حظيت السفينة أو السنبوق (اسم السفينة في اللهجة الدارجة)  بإهتمام من قبل التجار، ويحضرني هنا اسم صانع السفن سعد عوض بن ربيد السويني الذي قام بصنع سفينة الخرطوم على ساحل باسودان في المعلا بعدن كما جاء في كتاب (السفينة ما قبل المكينة)  لمؤلفه محمد الكلدي. وأشتهرت أسماء بملكية السفن مثل بارزعة وباشنفر وبن داغر، كما أشتهرت العديد من السفن مثل سفينة (ثمود) وسفينة (تريم) وغيرها. وفي المهجر، إمتلك العديد من الحضارمة اسأطيل من السفن، مثل  السيد / محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن علوي السقاف الذي إمتلك في سنغافورة عام 1880 أسطول بحري مكون من 35 سفينة تجارية.

وكانت الصعوبات والأخطار التي يواجهها المهاجرين في البحار في طريقهم إلى الجزائر القاصية في أرخبيل الملايو كثيرة، مما يجعل السفر إلى هناك ليس بالامر السهل، فضلاَ عن صعوبة الغربة في بلد لا تعرف لغة أهله عند الوصول، وطول المدة التي يقضيها المهاجر قبل أن يعود إلى وطنه. ولأن جاوه من أهم وجهات الهجرات الحضرمية الشرقية (وهي جزيرة إندونيسية تقع فيها عاصمة إندونيسيا جاكرتا)، فقد تضمنتها العديد من الأقوال الحضرمية الدارجة، من مثل (السناوة ولا بحر جاوه) الذي جعلته عنواناً للمقال، والسناوه تعني رفع استخراج الماء من البئر وتصريفه لري الزرع، وهي مهمة شاقة. كما ذُكرت جاوة في العديد من الكتب والمخطوطات الحضرمية بإسم (جنة الدنيا جاوه) تعبيراً عن الإعجاب والمحبة لهذه الجزيرة الإستوائية البعيدة.


* السناوة: هي كلمة دارجة تعني رفع الماء من البئر وتصريفه لري الزرع.

جاوة: جزيرة تتبع جمهورية إندونيسيا في الوقت الحاضر.

بورترية للسيد/ محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن علوي السقاف الذي إمتلك في سنغافورة حتى عام 1880 أسطول بحري مكون من 35 سفينة تجارية، والذي هاجر جده من سيؤون عام 1794م. توفي في سنغافورة عام 1906 وتم دفنه في مقبرة السقاف في سنغافورة.

بورترية للسيد/ محمد بن أحمد بن عبدالرحمن بن علوي السقاف الذي إمتلك في سنغافورة حتى عام 1880 أسطول بحري مكون من 35 سفينة تجارية، والذي هاجر جده من سيؤون عام 1794م. توفي في سنغافورة عام 1906 وتم دفنه في مقبرة السقاف في سنغافورة.

السادة آل جمل الليل سلاطين ولاية برليس الماليزية

raja perlis

سلطان برليس الحالي السيد سراج الدين جمل الليل

ينقسم الاتحاد الفيدرالي الماليزي  إلى 14 ولاية،  خمس ولايات يحكمها ولاة يتم تعيينهم، بينما التسع الولايات الباقية فهي سلطنات وراثية يحكمها يتوراث الحكم فيها سلاطين منذ سنين طويلة وبعضهم منذ قرون، ويحكم السادة آل جمل الليل ولاية برليس التي تقع في اقصى شمال ماليزيا على الحدود مع تايلندا منذ العام 1843.

السلطان الحالي لبرليس هو السيد سراج الدين جمل الليل منذ 17 أبريل عام 2000 حتى اليوم، ويعتبر السلطان السابع منذ حكموا آل جمل الليل برليس، كما انه تقلد مقاليد الحكم كمللك لماليزيا والرئيس الفيدرالي للدولة الماليزية للفترة من  13 ديسمبر 2001 حتى 12 ديسمبر 2006م.

وسبق ان تقلد سلطان برليس السادس السيد هارون جمل الليل حكم ماليزيا للفترة من 21 سبتمبر 1960 وحتى 20 سبتمبر 1965م ليكون بذلك ثالث رئيس فيدرالي للدولة الماليزية منذ استقلالها عام 1957م.

وآل جمل الليل ينتسبون الى السيد أحمد جمل الليل الذي جاء الى ولاية قدح في شبه جزيرة الملايو سنة 1148هـ /1735م ، وابنه السيد هارون من مواليد باليمبانج (Palembang) في سومطرة سنة 1150هـ/1737م، ثم جاء مع والده السيد أحمد جمل الليل الى قدح, ونصبه سلطان قدح أميرا على آرو Arau عام  1212هـ/1797م، ومن سلالته سلاطين برليس.

قصر سلطان برليس

قصر سلطان برليس

السمرة الحضرمية في أرخبيل الملايو

samrah

بالرغم من مرور زمن طويل على قدوم معظم العرب الحضارمة -كما يسميهم الكتاب العرب أو حتى السكان الأصليين في أرخبيل الملايو- إلى هذا الأرخبيل، ورغم إنصهارهم وإندماجهم في عرقية الملايو (السكان الأصليين) حتى أضحو جزءا لايتجزأ منه، ويمكن أن نطلق عليهم مصطلح (العرب الملايو) أو (الحضارمة الملايو)، وبالرغم من من فقدانهم للغتهم الأم إلا القليل منهم، إلا إن ظل لهم ومازال ما يميزهم من العادات والتقاليد والملامح الفنية.

قرأت للصحفي الماليزي عبدالله بوقس مادة صحفية في وكالة الانباء الماليزية “برناما” تحت عنوان ( مهرجان السمرة الحضرمية) يتحدث فيه عن مهرجان “السمرة” الفني ويقول: ((وإحياءً لهذا التراث الحضرمي العريق في أرخبيل الملايو، تقيم الجالية الحضرمية في ماليزيا بالتعاون مع الجالية الحضرمية في إندونيسيا وسنغافورة، بتنظيم من بلدية كوالالمبور ومركز السياحة في ماليزيا شهراً حضرميا يحيون فيه ليالي السمر والطرب، في شارع بوكيت بينتانغ المعروف مجازا بشارع العرب. .

وأحيي فيه روح الموسيقى العربية، بدندنات العود والقانون، ودقات الدرابوكا والمرواس، وأصوات مطربين ومطربات حضرميون من ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، وإن كانت تشوبها بعض الخلل في التركيبات والدلالات اللغوية، نظراً للحقبة الزمنية والبعد المكاني بين أرخبيل الملايو وحضرموت، إلا أن تفاعل الجمهور العربي والماليزي في شارع بوكيت بينتانغ، بالعاصمة كوالالمبور كان له وقع كبير في إثارة حماسة المغنيين والفنانيين الحضارمة في هذا الأرخبيل ليقدموا أفضل ما لديهم من خزانة الفن الحضرمي والعربي العتيق. .

 ومن ضمن مغنيي ومطربي هذا المهرجان والذين سيحيوا ليالي السمر والطرب، المغنية الماليزية بيتي بانافع، والمطربة الإندونيسية رزقي أماليا، والفنان الإندونيسي فهمي المكاوي، والموسيقار الإندونيسي إقوال عواد، والمغني الماليزي صديق محمد، والملحن الإندونيسي فهد النهدي، والفنانة الماليزية كريمة رملي، وسيقود الفريق الموسيقي فرقة الخرام لأوكسترا العود، المكونة من موسيقيين ماليزيين وإندونيسيين وسنغافوريين)). . أنتهي موضوع الصحفي عبدالله بوقس.

ونجد من خلال هذا المهرجان الفني ان العرب الحضارمة منذ قدومهم إلى أرخبيل الملايو مازالوا يعرفون بحب إقامة جلسات الطرب بشكل مستمر حتى بعد فقدانهم لألسنتهم، وإحياء المناسبات الإجتماعية والدينية، ومازالوا حتى يومنا هذا. لكن ما يميز مهرجان (السمرة) هو انه مهرجان فني كبير يحظى بحسن التنظيم وبرعاية من جهات حكومية في ولاية كوالالمبور، وكذلك يتميز بالعدد الكبير للحضور.

قصة الحضارم في إندونيسيا. . نقلاً عن صحيفة عكاظ

bsbslove1372366482_700

قصة (الحضارم) في اندونيسيا لايمكن كتابة فصولها بعيداً عن تاريخ الإسلام في ذلك الارخبيل الذي يضم 13,700 جزيرة وحوالى 300 لغة.
هاجر (الحضارمة) إلى هذه الجزر في زمن قديم جداً ربما مع بداية الإسلام وبعد بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.. واستوطنوا معظم جزر الهند الشرقية.. لكن اندونيسيا كانت الاكثر جذباً لهم فاستوطنوها وتزايدت اعدادهم حتى بلغت الآن حوالى خمسة ملايين حضرمي اندمجوا في المجتمع الاندونيسي (الجاوي) فأثروا فيه وتأثروا به.. وتزاوجوا وتصاهروا وظهرت أجيال جديدة من ابناء الحضارمة لايعرفون اللغة العربية إلا من خلال اجدادهم.. ولايعتبرون الان مغتربين بل هم جزء من وطن جديد لهم فكان منهم المسؤولون والوزراء ومن تسنم منهم أرقى الرتب العسكرية.. وكافحوا لنيل استقلال اندونيسيا جنباً إلى جنب مع أهل البلاد الاصليين..وكشأن العرب فقد انعكست حالة العالمين العربي والاسلامي على وضع الحضارمة في أندونيسيا فدبت في عام 1920م خلافات انحصرت في الجانب الديني بين فريقين السادة العلويين وغير السادة مما تسبب في وجود عدة جمعيات دينية كل منها يحاول تخطئة الاخر ولازالت جذور ذلك الخلاف حتى الآن.
واذا استبعدنا الخلاف فان الحضارمة الان جزء من المجتمع الاندونيسي لا تفرقهم إلا السحنة العربية واحياناً تختفي تلك السحنة لتظهر في الإسم فقط.
(عكاظ) عاشت أياماً في اندونيسيا تبحث عن جذور الحضارمة هناك فكانت هذه السلسلة.
لم يكن الموضوع يشغلني كثيرا وانا اهبط للمرة الاولى في مطار سوكارنو بجاكرتا.. فقد بهرني المطار بتنسيقه وتصميمه الآسيوي الجميل.. ولم أدرِ انني في بلد المائتي مليون نسمة الا بعد ان واجهت الالاف في المطار فقط.. والالاف في شوارع المدينة.. والالاف على دراجات عادية واخرى نارية.. والالاف يقطعون الشوارع.. بلاد كلها بشر.
لم يكن ذلك الموضوع يشغلني كثيرا.. لولا انني وبدون سابق بحث او اكتشاف اجد انني مع سائق اسمه احمد باوزير لا يجيد من العربية الا (السلام عليكم).. ومع مرافقي واسمه (علي السقاف) واحد العاملين في الفندق واسمه (محمد فدعق) وفي السوق وجدت ان بائع الاجهزة الاليكترونية هاشم العطاس يجلس مع صديقه حسين الحبشي.. وفي سوق آخر كان بائع الملابس مصطفى العيدروس يحدثني عن العرب وهو يشير الى السيد شيخ الجفري احد ابرز اعضاء البرلمان الاندونيسي.. وفي جلسة اخرى مع عدد من الصحفيين اكتشفت ان (علوي شهاب) صحفي بارز في جريدة (ريبيليك) وان السيد علوي حداد احد الموسيقيين المشهورين وكذلك فؤاد بارجاء ممثل معروف في اندونيسيا الى جوار المخرج الشهير علي شهاب.
اما المسؤولون الكبار فحدث ولا حرج.. فهناك اشهر وزير خارجية اندونيسي معروف على المستوى العالمي وهو (علي العطاس).. وكذلك وزير الخارجية الذي جاء بعده في فترة الرئيس عبدالرحمن وحيد وهو علوي شهاب.. بالاضافة الى وزير المالية في عهد سوهارتو فؤاد باوزير.. هذا الى جانب وزير الشؤون الدينية الحالي الدكتور سعيد عقيل منور السقاف.
هذه فقط مقدمة وجدتني اعود فيها الى اندونيسيا لاعيش عشرة أيام كاملة مع الحضارمة في اندونيسيا.
عودة إلى التاريخ
متى جاء أول حضرمي إلى اندونيسيا؟
السؤال صعب، بل وصعب جداً لانك تعيدنا إلى القرون الهجرية الأولى.. قالها السيد شيخ الجفري أحد ابرز الشخصيات الدينية في جاكرتا.. وعضو البرلمان الأندونيسي.. وصاحب عدد من المعاهد والمدارس الخيرية ودور الايتام في إندونيسيا.

هل قرأت عنه؟
هذا كتاب باللغة الاندونيسية عنوانه (إظهار الحق) يشير إلى أن أول دولة اسلامية انشئت في (فرلك) سنة 225هـ أي في القرن الثالث الهجري.. وهناك مصدر آخر يقول بأنه في سنة 173 دخل مركب من بلاد العرب الى بندر -ميناء- (فرلك).. وهناك مصدر آخر يقول بأن السلطان علاء الدين سيد مولانا عبدالعزيز شاه كان حاكما في (آشية) بجزيرة سومطرة وانشأ دولة اسلامية هناك وكان حوله الكثير من العلماء العرب.. وعندما أقول العرب فان الهجرة الأولى كانت من جنوب الجزيرة العربية وبالتحديد من حضرموت.
الاسلام في اندونيسيا
صلاح البكري.. أحد الادباء والمثقفين الحضارم في اندونيسيا.. وقد عاش في المملكة فترة طويلة حيث عمل منذ عام 1957م في الإذاعة السعودية.. الف كتاباً عن جمعية الارشاد الإسلامية وقد ذكر في مقدمته المامة موجزة عن دخول الاسلام إلى اندونيسيا حيث قال:
دخل الاسلام إلى اندونيسيا في أواخر القرن الهجري الأول بواسطة التجار العرب القادمين من جنوب شبه الجزيرة العربية.
ويضيف الاستاذ صلاح البكري:” جاء في كتاب (نخبة الدهر) لشمس الدين عبيد الله محمد بن طالب الدمشقي أن الاسلام وصل إلى جزر اندونيسيا في سنة ثلاثين من الهجرة”.
تجار حضرموت 
يربط الاستاذ صلاح البكري بين وجود المذهب الشافعي في اندونيسيا ووجوده في حضرموت ان من نقل الاسلام الى هناك هم الحضارم حيث يقول:
” لعل انتشار المذهب الشافعي في اندونيسيا وانتشاره في حضرموت يعطينا دليلا قاطعا على ان الذين ادخلوا الاسلام الى اندونيسيا هم تجار حضرموت”.
الانصهار
كل حضرمي يعيش في اندونيسيا يندر ان تتبينه خصوصا اذا اندمج في المجتمع الاندونيسي وتزاوج معه.. وهناك اجيال كثيرة ربما بلغت اكثر من اربعة او خمسة اجيال بمتوسط عمر الجيل الواحد خمسون عاما انقطعت اسباب اتصالها.. وكل من يحمل اسما حضرميا سواء كان باوزير او باقيس, او العطاس او السقاف او شهاب او غيرهم من العوائل مثل (البكري, سنكر, التميمي) كلهم تقريبا قد فقدوا لغتهم العربية اللهم الا قراءة القرآن.. وهناك اجيال اخرى اخذت السحنة الشرقية فلا تعود تفرقهم الا بالاسم فقط.
سألت عن هذه الظاهرة السيد عبدالرحمن بن شيخ العطاس وهو صاحب مدرسة خيرية دينية وايضا رجل اعمال حيث قال:
” كان لتزاوج العرب مع الاندونيسيات اثر كبير في انصهار الجنسين سويا.. ولم يعد هناك عربي او اندونيسي.. هناك اندونيسي فقط”.

–        وكيف احتفظت انت بهويتك وسحنتك العربية؟

–         والداي عربيان.

–         وهل هناك تزاوج ايضا بين العرب

–         نعم وعلى قدم المساواة مع الاندونيسيين ايضا.

–         وكيف حصل هذا الاندماج

–         الشعب الاندونيسي شعب رقيق وطيب وبسيط وقد وجدوا في الاسلام دينا عظيما فقد دخلوا فيه بكل طواعية واحترموا أهله واستطاع العربي القادم من جنوب الجزيرة أن يعكس ذلك الخلق الاسلامي فحدث الاندماج والتزاوج والانصهار.
بدون زوجات

–        لعل الملفت للنظر ان المهاجرين العرب وبالتحديد الحضارم عندما خرجوا من حضرموت متجهين الى جزر الهند الشرقية خرجوا بمفردهم.. وهنا يقول السيد شيخ الجفري:
” لم يأتِ عربي واحد بزوجته من حضرموت هذا بالنسبة للمتزوجين.. اما غير المتزوجين فقد كانوا احراراً في تنقلهم.. ولذلك فقد كان (الحضرمي) يتزوج من اندونيسية وينجب منها ويكون عائلة وتكبر هذه العائلة ويتصاهر مع الآخرين وهكذا”.

–         ألم يجد الحضارم أي نفور أو ممانعة أو لنقل مقاومة كما يحدث الآن مع المهاجرين في بعض الدول؟

–        لا.. الشعب الاندونيسي كما قال لك أخي عبدالرحمن العطاس شعب طيب.. والعرب أيضاً كانوا على نفس القدر من الطيبة والألفة والاحترام للمجتمع الذي انتقلوا اليه.

–        لماذا لم ينقل المهاجرون الحضارمة زوجاتهم معهم

–         كانت للزوجة مسؤوليات محددة في المنزل وللمشقة في السفر في تلك القرون لم يكن من الممكن ان تصحب الزوجة زوجها لاسيما وان السفر يعني الموت.. ولاتقارن بين مانعيشه اليوم وما كان يعيشه الاجداد.
التجارة والتجار

–         لو سألتك لماذا ازداد الحضارم في اندونيسيا مع مرور القرون

–         الحضارم قصدوا جزر الهند الشرقية بحثاً عن التجارة أولاً.. وكانوا يستقرون في الاماكن التي يرتاحون اليها وينتجون فيها ويستفيدون منها وجزر الهند الشرقية تعتبر اماكن (بكر) لم تستغل وعرفها المستعمرون فاحلتوها.. والحضارم لم يكونوا محتلين لم يكونوا يبحثون عن سلطة أو اقامة دولة.. كان همهم التجارة فقط ولذلك كان المهاجرون الأوائل يُغرون الكثيرين من أبناء وطنهم بالهجرة معهم.. وهكذا أخذوا يتكاثرون.

–         هل يعني انهم سيطروا مثلاً على التجارة في اندونيسيا

–        مع مرور الزمن نعم.. ولا أبالغ اذا قلت بأنهم كانوا هم التجار الوحيدون في تلك الفترة.

–         والآن؟

–        لا.. الآن دخلت الكثير من الجنسيات.. وقد عمل الاستعمار الهولندي في فترة على حصر ممتلكاتهم ومصادرتها في بعض الأحيان..كما عمل على حصر اقامتهم في مناطق محددة لايستطيعون مغادرتها الا بواسطة تصريح يحمل توقيع الحاكم الهولندي.

–        هل دام ذلك التضييق على الحضارم؟

–         يقول السيد عبدالرحمن بن شيخ العطاس لقد دام ذلك التضييق على الحضارم فترة طويلة جداً لكن تدخل عدد من الشخصيات الحضرمية الفاعلة في المجتمع الاندونيسي ادى الى بعض الانفتاح تدريجيا.
يقول صلاح البكري في كتابه عن جمعية الارشاد:
“دام هذا التشديد والضغط سنين عديدة, وفي سنة 1916م ابدت الحكومة نوعاً من الحرية, وفي سنة 1919م رفعت عنهم ذلك التضييق وسمحت لهم بالانتقال من مدينة الى مدينة ومن قرية الى قرية ومن جزيرة الى جزيرة دون ان يجدوا أمامهم صعوبات وعراقيل”

نقلاً عن صحيفة عكاظ السعودية

السيد علي بن عبدالله بن سالم العطاس( وزير خارجية اندونيسيا السابق)، كما شغل منصب  السفير / الممثل الدائم لإندونيسيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ورُشح  لمنصب امين عام الأمم المتحدة.

السيد علي بن عبدالله بن سالم العطاس( وزير خارجية اندونيسيا السابق)، كما شغل منصب السفير/الممثل الدائم لإندونيسيا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ورُشح لمنصب امين عام الأمم المتحدة.

الفيلسوف الماليزي البروفسور السيد محمد العطاس. .

السيد محمد نقيب العطاس

السيد محمد نقيب العطاس

سمعت مصطلح ” أسلمة المعرفة” للمرة الاولى منذ عدة سنوات، ولأن المصطلح أثار أهتمامي كثيراً، بحثت عمن اطلقه. . ومن هنا تعرفت على إنتاج فكري وإجتماعي وفلسفي كبير لمفكر إسلامي ماليزي من أصول حضرمية هو البروفسور السيد محمد النقيب العطاس.

وعندما بحثت عن الإنتاج الكتابي للعطاس، لم أجد أي كتاب مترجم إلى العربية، لكنني عندما اتيت إلى ماليزيا، وجدت بعض كتبه باللغتين الإنجليزية والمالايوية”الماليزية”، ووجدت فيها افكار فلسفية فريدة. . وفي هذه التدوينة

ولد السيد محمد النقيب بن علي بن عبدالله بن محسن العطاس في 5 ايلول / سبتمبر 1931م، في بيت علم، وكان أجداده قد وفدوا إلى ارخبيل الملايو من حضرموت. . للسيد محمد شقيقين الاكبر هو السيد حسين العطاس- مفكر اسلامي ,ودكتور اكاديمي , وباحث سياسي ,وفيلسوف اجتماعي له العديد من المؤلفات اشهرها “أسطورة الإنسان الكسول ” وهو كتاب يدرس الغرب من وجهة نظر الشرق، وكتاب ” ثورة المجانين، وغيرها.

يعتبر السيد العطاس هو صاحب المبادرة الأولى لأسلمة المعرفة حوالي عام 1969م، ثم لحقه في هذا المضمار العديد من المفكرين والمثقفين المسلمين ومنهم المفكر الايراني الامريكي سيد حسين نصر والمفكر الفلسطيني الامريكي اسماعيل الفاروقي واخرون.

والعطاس مفكر موسوعي يلم بتاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي والغربي على حد سواء، وخصوصا غنه قد تمكن من فروع كثيرة من العلم مثل علوم الدين، علوم الطبيعة، وعلوم الفلسفة، ومناهج التعليم والتدريس، وعلوم اللغة، والفن والعمارة، والعلوم العسكرية وغيرها.

وللبروفسور العطاس مؤلفات كثيرة، منها “مفهوم التربية والتعليم في الإسلام” وكتاب ” الإسلام وفلسفة العلم” وكتاب ” مداخلات فلسفية في الإسلام والعلمانية”، والكتاب الاخير أثار إهتمام كبير، ورغم ذلك فقد ترجم إلى العربية بعد ثلاثين سنة من صدوره باللغة الإنجليزية، وبعد إن ترجم إلى عدة لغات من لغات المسلمين كالفارسية والتركية والإندونيسية والبوسنية، وهو عبارة عن نص فلسفي من طراز عال، يضرب مؤلفه بقدم راسخة في التقليد الفكري للفلاسفة والحكماء وأهل العرفان في الحضارة الإسلامية، ويستند إلى قاعدة متينة من تراثهم الزاخر في مداخلاته حول الإسلام والعلمانية التي نطالعها بين دفتي هذا الكتاب. وهو إذ يفعل ذلك يحيلنا على حشد كبير من القضايا والإشكاليات والمفاهيم في تاريخ الفكر الفلسفي والعرفاني الإسلامي والغربي على حد سواء. ويمثل هذا الكتاب نموذجاً متميزاً للتناول الفلسفي العميق لقضايا الصراع بين الإسلام والعلمانية، وينفذ إلى جوهره وأصوله، محللاً ما يترتب على ذلك من مقولات فكرية وأبنية ثقافية وأطر منهجية.

إعاد البروفسور العطاس اكتشاف قيم التعليم الإسلامي في العالم المعاصر وفقا لفكرته “أسلمة المعرفة”، عن طريق إعادة تعريف معنى العلم في الإسلام، وسبل اكتسابه، وكيفية إنشاء الجامعة الإسلامية التي تجمع بين علوم الإسلام والعلوم العصرية، وذلك بتحرير تلك العلوم العصرية من خلال الرؤية الإسلامية الكونية.

وقام العطاس بإنشاء المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة، ليكون معهدًا للدراسات فوق الجامعية، ونموذجًا لمفهوم إسلامية المعرفة كما يجب أن تكون في إطار التعليم العالي. وقد ارتبط اسمه باسم ذلك المعهد، الذي أنجز جملة من الدراسات العلمية القيمة، أثرت المكتبة الإسلامية. . وقد منح الله السيد العطاس هبة الذوق الفني الرفيع، انعكس إيجابًا في الكيفية التي خطط بها مبنى المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة، الذي يُعد آية في العمارة الإسلامية المعاصرة من حيث الجمال والرونق المُعبّر عن قيم تلك الحضارة.

فقد رأى سيد محمد نقيب العطاس – في بعض المفكرين الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويدعون الحديث باسمه، ولم تتوافر لهم العدة المطلوبة من فهم اللغة العربية أو تلقي العلم على يد العلماء الثقاة – خطرًا فكريًا على المسلمين، فهم بذلك يثيرون الفوضى الفكرية التي يختلط عندها الخطأ بالصواب. وبسببهم تختل موازين العدل في المجتمع، فيتصدى لقيادة المجتمع من لا يحق لهم أن يكونوا في مركز التوجيه والقيادة، ومن ثم يلتف حول هؤلاء بطانة السوء، ويدخل المجتمع في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الفوضى الفكرية، التي بسببها تختل الموازين وتضيع قيم العدل الداعية إلى إنزال الناس منازلهم الصحيحة.

واختم مع مقولة للبروفسور السيد العطاس تحمل الكثير من المعاني: “لقد واجهت الانسانية في مسيرتها المضطربة عبر الاجيال تحديات عديدة إلا أنه لم يكن منها ما هو أكثر خطورة على الانسان وهدما لحياته من تحدي المعرفة”.

رئيس الوزارء الماليزي/نجيب عبدالرزاق يكرم البروفسور محمد العطاس

رئيس الوزارء الماليزي/نجيب عبدالرزاق يكرم البروفسور/محمد العطاس