ميناء قنا

18_big

حديث اليوم سيكون عن ميناء تاريخي سبق أن أشرت إليه من قبل في المدونة، لكن هذه المرة سأقدم تعريفاً أوسع عن هذا الميناء التاريخي، وهو ميناء قنا التاريخي الذي يعتبر من أشهر المعالم التاريخية والحضارية الواقعة على ساحل البحر العربي. ويبعد مبناء قنا عن المكلا بحوالي  120 كيلو متراً، وعن عتق المركز الإدراي لشبـوة بحوالي  140 كيلو متراً.

جاء ذكر ميناء قنا في العهد القديم من الكتاب المقدس في  سفر “حز قيال “، كما جاء ذكره في المصادر الكلاسيكية ـ الإغريقية واللاتينية، حيث ورد ذكرها في كتاب ” الطواف حول البحر الأرتري ” وأشار بطليموس إلى الميناء بإسم ترولا. كما ذكرته النقوش القديمة كثيراً، وفي إحدى هذه النقوش جاءت العـبـارة التالية ( حيقن / قنا / مجدح / ملك / حضرموت) التي تعني (خليج قنا ميناء ملك حضرموت).

وتتكون قنا من الميناء, وحصن أقيم على قمة الجبـل الذي يعلو المنطقة من الجهة الجنوبية الشرقية أطلقت عليه النقوش اسم ( عر مويت ) وكلمة عر تعني جبل, كما جاء الاسم قنا في النقوش القديمة بصيغة ( ق ن أ ) إلا أن الاسم الذي يطغى حاليـاً على الميناء هو “بيـر علي” نسبة لقرية بير علي التي تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة قنا بحوالي 3 كيلو مترات.

كان قنا الميناء الرئيسي لمملكة حضرموت خصوصاً في النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد, وكان ينقل منه البخور واللبـان عن طريق البر إلى دول البحر الأبيـض المتوسط بواسطة القوافل وعن طريق البحر في الفترات المتأخرة, وكانت تنقل إليه توابل الهند وسلع شرق أفريقيـا. ويعتبر في تلك الحقبة أفضل موانئ الجزيرة العربيـة بعد عدن.

دلت معطيات الحفريات الأثرية في ميناء قنا على أنه كان له علاقات تجارية مع دول شرق البحر الأبيض المتوسط المعاصرة لها وأفريقيا وإيران والهند، كما كانت طرق القوافل تربط تلك الميناء بكل من مدن تمنع وشبوة وغيرها من محطات طريق اللبان التجارية الرئيسية وكذلك بالمناطق الداخليـة لحضرموت، واللـبـان الـذي كان ينقل إليها مـن أرض ( سأكلن ) – مدينة ظفار في سلطنة عُمان حالياً – عن طريق البحر في موسم الشتاء.

كان يحتوي ميناء قنا ضمن مبانيه قصر ممثل ملك حضرموت، وداراً للسكة ومخازن تجارية، وسماسر للقوافل، كما وجدت من ضمن أثار المدينة أجزاء من كتابات بلغات قديمة لحضارات مختلفة منها الإغريقية والنبطية، وعلى جزء مـن إنـاء عليـه كتابـة بالخط ( الهيروغليفي ) ـ الخط المصري القديم ـ وكتابة بالخط الصيني وكتابات بالمسند، وتدل تلك الآثار على أن المدينة كانت تضم ثقافات مختلفة لأقوام جاءوا من مختلف أرجاء المعمورة ليمارسوا التجارة ونستطيع أن نتصور من ذلك أنه كان يمثل أقدم سوق حرة في مدينة عالمية في العالم القديم.

ظل ميناء قنا محافظاً على أهميته في التجارة البحرية كمركز تجاري دولي إلى أن تغيرت خطوط طريق التجارة البحرية والبرية وهبوط الطلب على سلعة اللبان في القرنين السابع والثامن الميلاديين، فأخذت أهميته تتراجع تدريجياً كميناء، وحل مكانه ميناء الشحر.

مبياء قناء

جزر بئر علي (صور)

جزيرة سخة في بئر علي-بلحاف في شبوة

جزيرة سخة في بئر علي-بلحاف في شبوة

تتميز منطقة بئر علي/رضوم في شبوة بساحل مميز على البحر العربي، لكن ماسأتناوله اليوم هو الجزر في هذه المنطقة، فهناك مالا تقل عن 5 جزر، وهي جزر صغيرة  كما سنرى في الصور.

 حين لم أجد صور فوتوغرافية لهذه الجزر، لجأت إلى قوقل ايرث، وقمت بقص صور فضائية لجميع الجزر ماعدا واحدة لم أتمكن نظراً لوجودها في منطقة غير واضحة، وهي الجزيرة الظاهرة في الصورة الفوتوغرافية (في الأسفل)، بينما بقية الجزر توجد في المنطقة الواضحة والمضيئة.

بئر علي، أو كما كانت تعرف تاريخياً بميناء قنا قرية ساحلية صغيرة تقع على بعد 150 كم من المكلا, و130 كم من عتق المركز الإداري لشبوة.، لكنها غنية بتراثها وتاريخها الضارب بجذوره في أعماق التاريخ الغابر، وتتبع مديرية رضوم بمحافظة شبوة من الناحية الإدارية، ويعتمد ساكنيها في رزقهم على مهنة الصيد التي ارتبطوا بها منذ القدم لإعالة أسرهم، وتشتهر بئر علي بكثرة الأسماك ما جعلها تتمتع بميزة اقتصادية لا مثيل لها، وتكتنز العديد من المواقع التاريخية والسياحية التي تسحرك بجمالها مثل حصن الغراب، وبحيرة شوران (سبق أن كتبت عنها في المدونة). وهناك العديد من الجزر وهي جزيرة الحلانية وجزيرة سخة (الصورة أعلاه)، وجزيرة غضرين الكبرى وجزيرة الصغرى وجزيرة البراقة.

وتعد جزيرة الحلانية أكبر الجزر المحيطة ببئر علي، وأقربها للساحل وأكثرها شهرة وجمالا وغناء بالطيور البحرية المهاجرة، ناهيك عن بعض الأشجار القريبة والشعاب الفسيحة التي تحكي عن قصص الأزمنة الغابرة، والمؤهلة للاستثمار السياحي. في أحد أعداد صحيفة الأيام العدنية، وصفت الصحيفة جزيرة الحلانية في استطلاع كتبه/ ناصر سالمين التميمي وصفاً جميلاً أحببت أن أنقله هنا وهو (فيروزة الساحل الشرقي)، ومفردة فيروزة تعني حجر كريم أزرق يميل إلى الخضرة. بينما وصفت الصحيفة منطقة بئر علي بصفة عامة بدرة شبوة.

 وتتمتع هذه الجزر ومحمية بلحاف بصفة عامة بالتنوع في الطيور المهاجرة التي تستقر مشكلة مستعمرات نادرة حسب جدولها الزمني الذي أقرته مسبقاً لتمضي بعدها في رحلتها الطويلة نحو الجنـوب. . وهو ما يجعل من المحمية موقعاً استراتيجياً للاصطياف، كما توجد حسب العديد من الزائرين الكثير من الدلافين التي تخرج من وقت إلى آخر لتقدم عروضها، ومجظوظ من يصادف وقت خروجها.

في تدوينة قادمة، سأسلط الضوء على جانب آخر من أرضنا الطيبة وهو ميناء قناء التاريخي وحصن الغراب.

Capture3

Capture7

جزيرة الحلانية أكبر الجزر وأقربها إلى الساحل

127hlCapture1Capture5Capture8

الــوعــــل

220px-رأس_وعل_يمني_رمز_القبائل22

بينما انا أقرأ اليوم مقالاً عن العمارة ومدلولات تفاصيلها وتطورها عبر التاريخ في كل منطقة، تساءلت فجأة عن مدلول قرون الوعل التي تثبت في جدران واعالي البيوت في المحافظة التي أنتمي إليها “شبوة”، وكذلك وبصورة أوسع في مدن وقرى وادي حضرموت.

وللإجابة على هذا التساؤل، قمت ببحث سريع في محركات البحث الإلكترونية عن الوعول في التاريخ، وعن المعنى والمدلول التاريخي للوعول في الحضارات القديمة، ولم أجد سوى القليل من المعلومات، من بينها مقال كتبه حسين العيدروس نُشر في المجله العربيه. لكن هذه المعلومات القليلة تستحق أن تُنشر هنا.

أثناء العديد من الحفريات الأثرية في المواقع التاريخية مثل القصر الملكي بشبوة “شقر”، عُثر على بعض رؤوس الوعول إلى جانب الزخارف الهندسية والنقوش، كما عُثر على الكثير من الرسوم القديمة للوعول على الصخور في الوديان وقرب الجبال وفي طرق القوافل بين المناطق خصوصاً في بعض مناطق وادي حضرموت.

 وأحياناً تكون قرون الوعول في الرسوم كبيرة الحجم والطول بشكل مبالغ فيه حتى تصبح شبه دائرية رمزاً للقمر. وبالتالي ربما رمز لإله دولة حضرموت القديمة ” الإله سين”. كما وجدت الوعول في هيئة تماثيل حجرية في العديد من مواقع معابد دولة حضرموت القديمة كمستوطنة ريبون التي تميزت بتطور نظام الري فيها حسب البعثات الأثرية. كان الوعل كحيوان بري ذا مكانة هامة وله رمزية ويعتبر أفضل قربان للآلهه في معابدها لما يمثله بصفته الطبيعية إلى جانب شكل قرونه الملتوية كتدوير الهلال والقمر كما اسلفنا.

وجميع هذه الرسوم والمنحوتات التي تظهر فيها الوعولو تحكي القصص المتعلقة بالصيد وأساليب وطقوس القنص ومطاردة الوعول بهدف اصطيادها. فنجد حلقات من الصيادين وهم يهاجمون الوعول ويحيطون بها, وقد يستخدمون الكلاب لتساعدهم على ذلك، وتظهر من خلال الرسوم الأسلحة التي يستعملونها كالرماح والأقواس والنبال وتظهر كذلك الشباك المنصوبة.

وتذكر بعض النقوش أن عدد الطرائد التي يستهدفها من يخرجون للصيد قد يصل إلى ألف طَريدَة، وهو عدد هائل من الطرائد. وأما عن الأساليب التي وردت في هذه النقوش، فقد وردت كلمة (سأك)، وهي التي تعني الفعل (سَاقَ) أو(طوَّق)، أي أن ثمة مجموعة من الأفراد لكل منهم مهمة معينة، وإحدى هذه المهام أن تُسَاق الوعول إلى مواقع الحُفر التي أعدت لها فتقع في الفخ، وكما تبين بعض المواقع الأثرية القديمة (من العصر البرونزي)، فقد كان يتم عمل أسوار مرتفعة من الحجر المرصوص فوق بعضه البعض محاذية للمرتفعات الجبلية، بحيث تبدأ واسعة ثم تضيق حتى تتصل في النهاية بما يشبه دائرة كبيرة مغلقة، هي التي تكون نهاية مطاف هذه الوعول، فيسهل الإمساك بها.

وظلت عادات صيد الوعول متوارثة منذ فترات ما قبل الميلاد حتى اليوم في بعض المديريات، لا سيما إن لحم الوعل مفضل لدى كثير من الناس خاصة هواة القنص. ويحتفظ الناس برؤوس الوعول ويزينون بيوتهم بها بهدف الاعتزاز والفخر.

نستنتج بإختصار شديد أن القدماء  في ممكلة حضرموت القديمة يعتبرون الوعل رمزاً للبطولة والشجاعة والإقدام واليقظة، فهو شديد الحذر والانتباه ويحس بصياده في الجوار.

قرون الوعل-صورة

الأســـد المجنــــح

الاسد المجنح هو كائن اسطوري ظهر في اشكال ورسوم مختلفة في العديد من الحضارات القديمة والوسيطة مثل الحضارة الاشورية، ويعتبر الاشوريين من أوئل الحضارات التي رسمت الحيوانات المجنحة، فقد رسموا ونحتوا الأسد المجنح والثور المجنح الذي عُرف بـ ” شيدو لاماسو” والخيل المجنح، وعنهم نقل المصريين القدماء فن رسم الحيوانات المجنحة.

وفي حضارات جنوب شبه الجزيرة العربية، وُجِدت رسوم الاسد المجنح مرسومة على تيجان القصر الملكي في مدينة شبوة القديمة، وهو أسد ذو جناحين وذو قرنين يرفع أحد قوائمة حاملاً جرة. . ويبدوا ان الاسد المجنح يرمز إلى قوة الاسد وسرعة الطير، وهو من الكائنات الحارسة في العديد من الحضارات القديمة التي تحرس المعابد من قوى الشر لما تتمتع به من سطوة وقوة وموت.

وشبوه القديمة هي مدينة تاريخية ظلت عاصمة لدولة حضرموت لما لا يقل عن الف عام ولا تزال اطلالها موجودة حتى اليوم في بلاد بلعبيد، وجاء اسمها في العديد من النقوش التي عُثر عليها في المدينة نفسها (ش ب و ت ). أُكتشفت هذه المدينة عام 1936م من قبل الرحالة الإنجليزي جون فلبي، وبين عامي 1974 و1987م قامت بعثة فرنسية بإجراء العديد من الحفريات والعديد من الدراسات والابحاث الهامة.

ومن هذا المنطلق التاريخي، تعتمد المدونة الأسد المجنح شعاراً لها، ويظهر كأيقونة للمدونة في اعلى المتصفح. وشعار المدونة هذا مشتق من المنحوتة الشهيرة الموضحه في الصورة أعلاه والتي عُثر عليها في القصر الملكي “شقر” في مدينة شبوة القديمة.

شعار المدونة

بحيرة شوران في شبوة

بحيرة شوران-بئر علي 2

بينما كنت اليوم اتجول في قوقل ايرث الذي يقدم خدمة الصور الجوية الفضائية، وجدت صورة فضائية جميلة لبحيرة شوران الواقعة في رضوم-شبوة ربما ان الكثير ممن يعرفون هذه البحيرة بشكل مباشر لم يروا لها قط  صورة فضائية. ولأن الصورة كانت ملفتة للانتباه خصوصاً لمحاذاتها للبحر وظهور التضاريس البركانية ولونها الأخضر في مقابل لون البحر الأزرق، فكرت في نشرها ومشاركتها معكم في المدونة. ويمكن لكم ان تشاهدوا الصورة الفضائية لهذه البحيرة أو غيرها من الاماكن على نطاق أوسع لتظهر كجزء صغير من المكان ككل.

وللتعريف ببحيرة شوران، نقلت لكم مقالة نشرتها مجلة بيئتنا الصادرة عن الهيئة العامة للبيئة في الكويت:

البحيرة عبارة عن فوهة بركان خامد، هذه الفوهة عريضة تقع في أعماق جبل ضخم على ارتفاع شاهق يتطلب بلوغ قمته للإطلالة على البحيرة اجتياز مسافة تقدر بحوالي 200م، بخطوات تحكمها الخفة والمهارة المقرونة بالتأني والحذر، وما أن تصل إلى أعالي الجبل وأنفاسك تكاد أن تنقطع حتى تفاجأ بمشهد البحيرة الهادئة التي تتناثر على ضفتيها نباتات وأشجار لا تبدو مألوفة، مياهها لا تشبه على الاطلاق مياه البحر، فمياه بحيرة شوران كبريتية، والأشجار المحيطة بالبحيرة لايوجد لها مثيل في الحجم والشكل فكأنها لوحة خضراء ممتدة من أشجر السيبسان. المياه المكونة للبحيرة مصدرها خليط من مياه البحر العربي والأمطار، وبالتأكيد نسبة من مياه جوفية طليقة قادمة من طبقات رسوبية واسعة الانتشار إلى الشمال من المنطقة Sandstone aquifers ويعزى اللون الزمردي للبحيرة إلى المخلفات الكبريتية والعضوية والعوالق والطاحلب وفتات أشجار المنجروف، وهي أشجار استوائية تتجدد جذورها من افرعها وهي واسعة الانتشار في أمريكا الجنوبية ولها استخدامات في انتاج الوقود.

تتميز هذه البحيرة البركانية العملاقة بمياهها ذات اللون الفيروزي فوق بركان خامد تحيط بها أشجار المانجروف. ويعتقد أن انفجاراً بركانياً كبيراً قد تعرضت له هذه المنطقة في الأزمنة الجيولوجية السحيقة نتج عنها هذا التشكيل التضاريسي الخلاب، فهذه البحيرة ذات منظر جمالي خلاب، وهنا يلتقي طرف هذه البحيرة عبر برزخ صغير مع مياه البحر العربي بينما يحيط بها الجبل من كل الاتجاهات بينما تنتشر أشجار المنجروف حول البحيرة بشكل حلزوني.

لاحظ الباحثون وجود صخور شبيهة بالصخور البركانية مترنحة في مناطق مختلفة من منحدرات الجبل. والبحيرة التي تشهد حالياً مشروع شق طريق يتبناه عدد من رجال الأعمال حتى تكون موقعاً فريداً يرتاده السواح. أما الهالة التي رسمت حول هذا المعلم الخلاب فهي شأنها شأن مثلث برمودا او كهوف الصحراء الجزائرية او الاطباق الطائرة التي لا تجد احيانا” التفسير العلمي الصرف لضعف وسائل الاستنباط والتنبؤ لدى الانسان.

وفي المنطقة الساحلية المحاذية لبحيرة شوران (بئر علي) توجد مشاريع بيئية قائمة من قبل السكان مثل مشروع تدوير مخلفات الأسماك والذي له عدة أهداف، منها تنظيف ساحة الحراج في بئر علي من مخلفات الأسماك وتحويل تلك المخلفات إلى سماد زراعي وبيعه على المزارعين، كما أن هناك مشروع طحن قرون شجرة السيسبان وتحويله إلى غذاء للأغنام.

مجتمعنا ومشروع التسامح والتعايش*

Hands-Design-samad-siddiqui-640x480

من خلال مقارنة مجتمعنا مع العديد من المجتمعات في العديد من البلدان الناجحة، نجد أن الثقافة الإجتماعية والوطنية والسياسية للمجتمع في بلادنا تعاني من الكثير من العيوب منها ما هو نتاج للعقود الماضية من تاريخنا السياسي، ومنها ما هو ناتج عن إرثنا الإجتماعي والتقليدي.

لتحقيق مجتمع يستطيع ان ينظم نفسه، لا بُد من معرفة العيوب والمفاهيم الخاطئة في ثقافة المجتمع، كما انه من المفيد في ظل إرث كبير من المفاهيم الخاطئة والقاصرة أن نكون قاسين في النقد بدلاً من محاولة البحث عما يمكن ان نفاخر به فقط، أو ما نعظم به شعبنا البسيط، والبساطة سمة جميلة يمكن إستثمارها.

يعاني المجتمع اليوم من مشاكل كثيرة في الوعي وفي التعامل مع مسائل كثيرة مثل مبدأ المشاركة، الذي  لا يستوعبه الكثير من الناس، وان وجد من يتحدث عنه، لكن لا يؤمن به بعمق إلا القليل من الناس، نتيجة لقصور الموروث التقليدي السائد في كثير من المناطق التي لازالت بعضها تعيش في ظل تكتلات عشائرية لا تستوعب مثل هذه القيم.

فنجد بوضوح أن الكثير من الناس يفكر بطريقة قاصرة مناطقية وعصبية دون وعي بحجم خطر هذا النوع من التفكير. . فكثير من الناس مثلاً يقيَّم المسؤول عن شؤون الناس من خلاله مدى خدمته لأبناء منطقته من عدمه مع أنه ليس مسؤولاً عن شؤون هذا المنطقة فقط بل عن شؤون البلاد ككل في مجال معين، وهذا السلوك نتيجة للنزعة المناطقية، وهذا النوع من النزعات تدمر الاجتماعي والوطني، وتنتج الكانتونات الضيقة التي تعادي بعضها بعضاً.

وما يزال مجتمعنا يعاني الكثير من مظاهر الجاهلية بعد مرور 1400 عاماً من البعثة النبوية، ونبذ الجاهلية ومظاهرها العمياء، وخاصة ظاهرة العصبية التي تبدأ من العصبية للمنطقة ثم لمنطقة داخل هذه المنطقة، ثم للقبيلة مثلاً ثم للاسرة وهكذا، ثم نجد كل شخص لا يكاد يطيق كل من حوله. ونتيجة للعصبية، نجد الناس تتعامل مع الحدود والتقسيمات الإدارية كما لو كانت حدود دولية وكل كيان إدراي كما لو كان وطناً قائم بذاته، ونسوا أنها وسيلة لتسهيل شؤون المجتمع، لصعوبة إدراته ككيان إدراي واحد.

سمة أخرى يعاني منها جانب كبير من المجتمع هي الجنوح نحو العنف دون وعي حتى بإنه أسلوب خاطئ للتعامل من المشاكل، ناهيكم عن الاعتزاز بهذه السمة لدى فئة كبيرة من الناس خاصة فئة الشباب.  لكن أن يعاني الشاب من مثل هكذا مشكلة ليس أمراً غريباً، لكن الغريب ان تعاني النخبة من هذه المشكلة.

في العديد من الأحداث السياسية، كان العنف هو سيد الموقف في مدن لم يعرف أهلها سوى التعايش في تاريخها مثل عدن أو المكلا، ولم يكن يدرك المتصارعون حينها أن الحل الناتج عن القوة والتسيد بالعنف حلاً أحمق قصير الأمد وغير قابل للحياة، فالبقاء للأقوى هي نظرية يمكن الأخذ بها في علم الأحياء، وحتى في عالم الحيوان يرى البعض أن البقاء للأكثر قدرة على التكيف مع الحياة، وليس في قضايا المجتمع التي تقول البقاء للأفضل ولذوي التفكير السوي والمعتدل والمتوازن، والتجارب شاهدة على ذلك.

* نشر بالتزامن في موقع “هنا حضرموت”:

http://www.honahadhramout.com/2013/103171.html

تصبحون على وطـــــن. . وطنـــــي الحلم

10_12_01-16_56_05-zmws0

على الرغم مما مر ويمر به وطننا الحبيب من أحداث ونكسات ونكبات، فقد تربينا كجيل جديد ومنذ نعومة أظفارنا على حب شيئاً عظيم أسمه الوطن. وبرغم ما حدث للنسيج الإجتماعي ومنظومة القيم والأخلاق والثقافة الوطنية من تصدع، فإن رغبة البناء والسلام وحاجة الإحساس بالأمان تكمن في قلوب جميع الناس.

ننام ونحن نفكر في وطن هادئ ومستقر وآمن ومزدهر يسوده العدل والأمن والرخاء والمحبة والوئام والنظام، ونصحوا على هذا “الوطن الحلم“. وليس بالغريب إنني أصبحت أفضل عبارة “تصبحون على وطن” بدلاً عن عبارة ” تصبحون على خير”، فالأوطان العزيزة والعظيمة والمستقرة والمزدهرة والغنية بالقيم والأخلاق والعدل والنظام هي الأوطان التي تأتي بالخير.

لم يعد سؤال ( ماذا نريد؟) مطروحاً، لأنني جميعا نخبة وعامة رجالاً ونساءاً كباراً وصغاراً أصبحنا نعرف ماذا نريد، وعن أي نوع من الأوطان نبحث ونسعى. . ودعونا نتفاءل ايضا ونتصور المستقبل كما نحب ان نراه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( تفاءلوا بالخير تجدوه)، كما إنني أفضل دائما الحديث عما نريد ونبحث بدلاً عن الحديث عما لا نريد.

أننا نبحث عن وطن عزيز بقدر عزة أهله. .كريماً بقدر كرمهم. . منبعاً للخير بقدر حبهم للخير. . مصدراً للفضيلة والقيم والأخلاق بقدر مايتمتعون به من أخلاق. . صانعاً للسلام بقدر ما يسعون له. . ناشراً للتسامح الديني بقدر سماحة مدرسته الدينية السوية التي تهذب النفس واطهر القلب. . مرسخاً للتماسك الإجتماعي بقدر تماسك الأسرة والمجمتع فيه، ومعززاً للمثل العليا والمبادئ الثابته بقدر قوة انتماء اهله اليه.

إن وطننا المنشود والمنظور هو وطناً ذو ثقافة أصيلة وسوية ويمكن ان يبنى من خلال إحياء تراثنا الثقافي السوي من جانب وبناء الدولة العصرية من جانب آخر في توليفة فريدة خاصة بنا.. ثقافة المروءة ونصرة الحق. . ثقافة نشر الخير ومنع الشر. . ثقافة النفس الكبيرة والكريمة والعزيزة. . ثقافة الإحترام المتبادل بين الناس وخدمة بعضهم بعضاً.  . ثقافة إلميل نحو البناء. . ثقافة إتقان العمل. . ثقافة الصدق والأمانة والوفاء بالعهد في الحياة اليومية وفي المعاملات كما تعلمنا من تاريخ أجدادنا وخصوصاً ممن نشروا الدين في بلدان بعيدة. . ثقافة تهذيب النفس والإحسان.

إننا نريد بناء وطناً كبيراً ليس بمساحته الجغرافية ولا بعدد سكانه، بل كبيراً بإقامة العدل ونشره. . كبيرا بنشر الخير والفضائل وتعميمها. . كبيراً بترسيخ القيم والأخلاق. . كبيراً ببناء الإنسان وتكريمه وتشجيعه لإستغلال خيرات أرضه الطيبة ونعم الله الكثيرة في الصالح العام. . كبيراً بتوفيره للتعليم والعلم للجميع. . كبيراً بتوفيره للمؤسسات الصحية والخدمية لابناءه والمقيمين فيه. . كبيراً بتوفيره للعلاج لكل مريض وكل من يعاني من ابناءه أو من تواجد على أرضه. . كبيراً بتوفير فرصة للعمل للجميع. . كبيراً بمساندته لكل محتاج اليه من أبناءه في الداخل والمهجر و لكل من أحتاج الى العون على أرضه. . كبيراً بثقافته الدينية السوية والسمحة. . كبيراً بثقافته الوطنية والسياسية التي تضع المصلحة الوطنية والمصلحة العامة هي المبدأ الثابت. . كبيراً بمروءة أهله. . كبيراً بعزة وشموخ أبناءه وأعتزازهم وإفتخارهم بالإنتماء اليه. . كبيراً بحب اهله لتراث اجدادهم وتاريخهم. .

إن وطننا القادم هو وطن لا يعبث الناس فيه بالتاريخ والتراث الشعبي والموروث الوطني. . وطن يفتخر فيه الناس بتراثهم وموروثهم الديني والثقافي واللغوي والإجتماعي. . إننا نبحث عن وطن يساند الضعيف والفقير والسائل والمحروم. . إننا نبحث عن وطناً ينصر المظلوم ويوقف الظالم. . إننا نبحث عن وطنأ تتعاون فيه الناس. . وطناً يتمتع بسلطة الضمائر أيا كان سندها ديناً أو عرفاً أو عقلاً قبل أي سلطة وبأولوية الأخلاق والقيم قبل أي أولوية. .

في كلمات قليلة، إننا نبحث عن وطناً لا يتسع فقط لكل أبناءه فحسب، بل لكل إنسان وزائر يتواجد على أراضيه. . وطناً طيباً يعين الخيَّرين على نشر الخير. . وطناً يستفيد فيه أبناءه من خير هذه الارض الطيبة ليعم الخير الجميع ويتمتع الناس فيه بنعم الله الكثيرة التي وهبهم إياها. . وطناً لا يستخدم فيه الناس خير هذه الارض للصراع السياسي والإجتماعي وفي الحروب والهدم أياً كان شكله أو لونه. . وطناً لا يجد فيه المفسدون في الأرض مجالاً لنشر وممارسة إفسادهم.

اليوم، كل المؤشرات على الأرض تخبرنا بشيئاً واحداً هو أن هذا الوطن المنشود والمنظور قد أصبح أمراً حتميا لسبب واحد بسيط كما اعتقد هو أن أبناء هذا الوطن يرغبون رغبة جامحة في بناء وطن يكون مصدراً للخير. . وتصبحون على وطن.

734328_455628297832425_1637702015_n

كوباً من الشاي العدني

tea

في آخر مكالمة تلفونية مع والدي العزيز، سألني عما إذا كنت لا أزال أشرب النسكافيه بعد أن كنت أشاركه هذ المشروب قبل مغادرتي للبلاد، وكانت المصادفة إنني أحضر في نفس الوقت إبريق من الشاي العدني. . مما دفعني لأكتب هذه التدونية. .

 ووالدي يحب هذا النوع من المشروبات، ولديه مزاج خاص، وحس عالي في أختيار المنتج الجيد، كما يحب أيضاً الشاي الأخضر، ومنه تعلمتُ عادة شرب هذه المشروبات. . ويلفت إنتباهي دائماً تعليقه على رائحة المشروب ونكهته بنفس قدر مذاقه. . ودائماً ما يشم الكافيين قبلنا نحن الذين في صحبته إذا وجد على مقربة منا.

لكنني منذُ غادرت البلاد، أفتقدتُ مشاركته هذه المشروبات كما أفتقدتُ صحبته بشكل عام. . وفي الأشهر الأولى لقدومي إلى هذا البلد، ماليزيا، أكثرتُ من شرب الشاي الإيراني، وهو مشروباً جيد خصوصاً مع النعناع. لكني مالبثت أن توقفت عنهُ، وأخذتُ أتردد على بعض المقاهي المعروفة التي تقدم النسكافيه مثل أولد تاون وغيرها.

وعندما تعرفتُ في وقت لاحق على بقالة عربية توفر الكثير من المنتجات العربية، مثل الحليب والشاي والهيل وغيرها، أصبح من الممكن تحضير الشاي العدني.

ومنذ ذلك الحين، لا تكاد تمر ليلة من ليالي كوالالمبور دون تحضير إبريق من الشاي العدني، فهو يساعد على تحسين المزاج وأيضاً على توفير أجواء دراسية خاصة. بل إن عملية التحضير نفسها تصبح تجربة رائعة. وهو ما جعلني أكتشف كيف أن فهم طريقة تحضير مشروب مثل الشاي ومعرفة الخطوات وحتى الكميات لا تكفي لأعداد مشروب جيد، وأن المشروب الجيد يُصنع من خلال حب تجربة تحضيره.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذه التدوينة، هو الشاي بالليمون الذي عرفته مؤخراً بعد أن دعاني أحد الزملاء لشربه، لكنه في الحقيقة لم يرق لي، ثم بعد ذلك وجدته معلباً ومثلجاً في السوبر ماركت، والشاي المثلج والمعلَّب يتوفر هنا في كل بقالة.

وأخيرأ أود الحديث عن الشاي الماليزي الذي يفضله الكثير من السكان المحليين أو التيه تارئ “الشاي بالحليب” الذي يشربه الكثيرين عادة مع الـ “روتي شناي”  كما يُعرف عند الماليزيين وهو خبز رقيق يشبه الملَّوح. لكن هذا التيه تارئ لم يرق لي، فهو يختلف كثيراً عن الشاي العدني، وذو نكهة مختلفة، كما إنه ذو قوام مختلف.