ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها

وأنا أفكر في ماهية التاريخ وتأثيره الساحر على حياتنا ومفهومنا للحياة والوقائع من حولنا، لمع في ذهني مثل ايطالي سبق أن سمعته من قبل ويقول المثل “ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها”، وربما جاء المثل من كون امة كهذه لن تكون قد سجلت إلا القليل من المآسي والحروب والصراعات والمجاعات والكوارث، فالتاريخ بالنسبة لنا هو ما تم الاحتفاظ به بطبيعة الحال، وعلى الرغم من إنني لست متأكداً مما قد يرمي إليه المثل بالضبط في الثقافة الحاضنة له، إلا إنني أردت إسقاطه كما فهمته أنا.

وبلاد شك فالتاريخ شيئاً ساحر ويبهر العقول، ويحمل لنا كنوزاً من الأمثال والحكمة والتجارب والمحاولات والدروس، وسير بعض الشخصيات التاريخية تجسد المبادئ التي حملوها، فالتاريخ ليس مجرد سرد قصصي لتاريخ الحروب والصراعات والانتصارات والهزائم والدماء.

وقد يميل الإنسان للتأمل في التاريخ وقراءة تفاصيله لكونه يساعده على خلق تصورات للماضي ولحاجته إلى ما يعزز ذاكرته وذاكرة الأجيال الجديدة، وفهم حاضره واستشراف مستقبله، ولكنه قد يمعن في اجترار أحداث التاريخ لأنه وسيلة فعالة لتضليل ذاته بمبررات تاريخية أكثر من كونه وسيلة يسترشد بها إلى حل ألغاز الحاضر واستشراف المستقبل في أحايين كثيرة.

وإلا لماذا يلجأ المتعصبون في مختلف الشعوب وأمتنا العربية نموذج صارخ وخلال القرون الماضية إلى استخدام مفردات تاريخية لتحقيق غاياتهم عند التحريض والتعبئة العقائدية والسياسية والاجتماعية، والدفع بالشعوب في أتون الاختلافات والانقسامات والاقتتال.

الحقيقة الأكيدة هي أننا لا نستطيع أن نلغي أو نتجاهل التاريخ، فالتاريخ موجود مادام هناك من يدونه وينقله للأجيال، ومادام هناك وسائل ملموسة تحتضن تفاصيله سواء كانت دقيقة أو غير دقيقة، وهو علم من العلوم الإنسانية ويدرس في الجامعات، كما إنه يأتي في ثنايا الأدب والشعر والأقوال والقصص والحكايات الشعبية والكتب المقدسة، وكل زمن نعيشه يصبح جزء من التاريخ فيما بعد.

لكن يبدو أن هناك من شعوب الأمة العربية من قرر أن يعيش في التاريخ ويسكن بين مقابره، ويتقمص ادوار تاريخية غابرة، ويستلهم مشاعره العقائدية الانتقامية من التاريخ، ويظل يجتر آلامه وأحزانه وأحقاده وانتقاماته وثاراته.

وكل هذا العبث في محاولات فهم وإعادة تشكيل ورسم التاريخ ولي عنقه حسبما تقتضيه الخلفيات الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية، يأتي على حساب الحاضر واللحظة الزمنية التي نعيشها، على الرغم من أن العقل والدين والضمير يخبرنا بأنه لا يوجد إي مسوغات تاريخية للعبث بالحاضر.

وبهذه الطريقة القاصرة في اجترار التاريخ وإسقاطه على الحاضر سيصبح تاريخنا لعنة علينا، وسيظل يحركنا ويدفع بنا في دوائر مفرغة ودوامات بلا نهاية، وربما كنا أكثر سعادة وحاضرنا أكثر جمالاً ووئام لو إننا مجازياً أمة بلا تاريخ، ولو إننا قرأنا التاريخ كما يجب دون أن يتحول الأمر إلى هوس بالتاريخ، وقراناه بأسلوب أكثر عقلانية ووعياً؟!

أين تكمن جذور التطرف فينا!

التعدد والتنوع هو سنة الحياة وهو ظاهرة صحية بلا شك، ولكن معظم المدارس الإسلامية بمختلف مشاربها ومنابعها ومختلف تياراتها تعاني من انغلاق شديد وتقوقع على الذات رافضة الانفتاح على بعضها البعض والتبادل الفكري والمعرفي فيما بينها، وكل حزب بما لديهم فرحون، مما أدى إلى خلل خطير ألقى بظلاله وآثاره على حياتنا بصورة مباشرة.

 لا بد إن نأخذ بعين الاعتبار إن عدم الادعاء بالحق المطلق وقبول الآخر والاعتراف به هو عامل أساسي للوصول إلى الحقيقة، لأن أي فرقة تدعي الحق المطلق وتعتقد أن مخالفيها على باطل مطلق فهي مستعدة حين تتمكن وتمتلك القوة لممارسة العنف وفرض أفكارها على الآخر بالقوة والقتل بعد تكفيرها للمخالف، فالمسألة ما هي مسألة تمكين وامتلاك لزمام السيطرة والقوة ليس إلا.

ويجب أن لا ننسى أن التسامح واحترام الآخر لا يتعارض مع جوهر الدين كما يعتقد الكثير من المسلمين، بل هو جزء من لب الدين الذي جاء رحمة للعالمين وإرشادهم إلى الطريق القويم في الاعتقاد والأخلاق والمعاملات والعبادات، وفي جوانب حياتنا من خلال علاقتين: علاقة أفقية وهي التعامل مع العباد، وعلاقة عمودية وهي التعامل مع رب العباد.

ومن هنا أعتقد الكثير من المسلمين بأن لا مجال أمامهم للإثبات بأنهم أكثر إيماناً وتقوى وقرباً من الدين من غيرهم من الجماعات والتيارات إلا من خلال التشدد والتزمت والأخذ بالآراء المتطرفة. وأخذ الاختلاف الفكري والإسلامي سياسي يتخذ مسار جديد يستقيم على السباق على تبني الآراء الأكثر تطرفاً على أساس أن الآراء الأكثر تسامحاً قد تؤدي في نظرهم إلى إضعاف موقفهم أمام مخالفيهم وخصومهم المفترضين.

 وعندما نأتي لمعرفة بعد عن التدين المعتدل والوسطي وظهور التطرف الأصولي في مظاهر وأشكال مختلفة وبدرجات مقلقة إلى جانب نزعة العنف، نجد ان المدارس الإسلامية المتعددة وصراعها الذي تجاوز الحدود المعقولة هو ما أنتج الأساس الفكري والنفسي والاجتماعي لمثل هذه الظاهرة.

ولكن بمزيد من التخصيص والتحديد، نجد أن هناك مفاهيم خاطئة لدى بعض المدارس والتيارات الإسلامية أدت إلى زرع البذرة الفكرية للجنوح إلى التطرف وممارسة العنف، ويجب إعادة بناء هذه المفاهيم للوصول إلى الفهم القويم. ومن هذه المفاهيم: الفرقة الناجية، والولاء والبراء، والخلافة، والحاكمية، وجاهلية المجتمع المسلم، وغيرها.

وأعتقد أن أهم هذه المفاهيم هو مفهوم الفرقة الناجية على الرغم من مخالفة فهمه لمقاصد الشريعة وأحكامها، وعلى الرغم من اختلاف العلماء في فهمه. ومن ناحية منطقية فعندما تعتقد فرقة من الفرق بأنها الفرقة الناجية فهي بالضرورة ستعتقد أن باقي الفرق والتيارات فرق ضالة وهالكة. وهذا من وجهة نظري احد أهم المرتكزات التي يرتكز عليها التطرف ويتغذى منها.

وهناك مفهوم آخر لا يقل تأثيراً عن مفهوم الفرقة الناجية وهو مفهوم الولاء والبراء، والذي ترك تأثير ه في أعماق وأغوار النفس المسلمة، فأصبح أشبه بالإطار الفكري الذي تنطلق منه معاملات المسلم ومواقفه وعواطفه ومشاعره إلى حد مخالفة مقاصد الشرع. فنجد مثلاً من جعل مجرد السلام على غير المسلم إخلالاً بالولاء والبراء ويحكم على صاحبه بالردة في تجاهل صارخ للخلاف بين السلف في هذه المسألة.

ومن المفاهيم المؤثرة في عقلية المسلم مفهوم التمكين وعودة الخلافة، وهي وعود براقة تبهر الشباب المحبط والمحتار على الرغم من طرحها بطريقة تخالف الواقع وبالاستناد على خيالات وأوهام لا تستند إلى أي مقومات، فادت إلى الاعتقاد بضرورة تحقيق هذا الحلم بالقوة والعنف.

ولذلك يجب أن يعاد النظر في مثل هذه المفاهيم بناء على دراسات عميقة يقوم بها أهل العلم والدراية، كما ينبغي إعادة النظر في كيفية تلقي الأجيال الجديدة لمثل هذه المفاهيم في البيت والمسجد والمدرسة والتلفزيون والمقرر الدراسي وغيرها، ووضع أساليب التعليم السليمة، وخلق بيئات متوازنة بعيدة عن التطرف بكافة أشكاله وفق منهج التوسط والاعتدال النبوي الأصيل، وفهم جميع المسائل كما هي وكما يجب أن تفهم لا أكثر ولا أقل.