من الأرشيف- الحلقة الخامسة

 

ضوئية لكاريكاتير بريشة مازن  نُشر في "التربوي" الصادرة في فبراير 2005.

ضوئية لكاريكاتير بريشة مازن نُشر في “التربوي” الصادرة في فبراير 2005.

في هذه الحلقة، اخترت الرسوم الكاريكاتورية الناقدة للعديد من القضايا والظواهر الاجتماعية لتكون موضوعاً لها، معتمداً على ما هو متوفر في الأرشيف كما هي العادة في هذا العمود. بعضاً من هذه الرسوم كانت قد نُشرت في مجلة (العبقري) للأطفال لمؤسسيها وناشريها كاتب السطور ومازن أحمد صالح عبد الحبيب، والبعض الآخر من هذه الرسوم من قد نُشر في عدد من الصحف المحلية.

أول رسم كاريكاتوري اخترته عبارة عن بريشة مازن كان قد نشر في نشرة “التربوي” الصادرة في فبراير 2005 عن مكتب التربية والتعليم-محافظة شبوة، ويتهكم من خلاله على ظاهرة عدم احترام المعلم في المدارس، حيث يقوم طالب بضرب معلمه، ويقول بغضب: (( ما رباني أبوي ويبا يربيني)).

أما الرسم الكاريكاتوري الثاني الذي اخترته والذي نشر في العدد السادس من مجلة العبقري الصادر في ديسمبر 2005 ، فهو عبارة عن فصل دراسي فيه معلم وعدد من الطلاب الذي يغطون جميعاً في نوم عميق تعبيراً عن حالة الشلل والتدهور التي تعاني منها المدارس والعملية التعليمية ككل.

بينما الرسم الكاريكاتوري الثالث وهو أيضاً بريشة مازن ونُشر في مجلة (العبقري)، فهو يناقش أيضاً قضية التعليم وتحديداً ظاهرة الضرب، حيث يعلق تلميذ بينما يقوم المعلم بضربه بالعصا قائلاً: ((لماذا لا يعملون جمعية للرفق بالحيوان)).

وفي هذا المقال، أتذكر إن أول رسم كاريكاتوري نُشر لي في الصحافة المحلية، كان قد نُشر في صحيفة “شبوة”، عام 2004م، وأنا حينها ما زلت في الصف التاسع “الثالث الإعدادي”، وكان مدير تحرير الصحيفة الصحفي المتميز في شبوة الأخ أحمد بوصالح قد طلب مني الكتابة للصحيفة، وأجدها فرصة هنا لأوجه له كلمة شكر على التشجيع. ويكتب حالياً المقالات الصحفية بشكل مستمر في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

وهناك عدد من الرسوم الكاريكاتورية التي تتوفر منها نسخة رقمية في الأرشيف المنزلي، لكن المقام هنا ذلا يتسع لاستعراضها ونشرها مرة أخرى.

 

 

رسوم كاريكاتورية نُشرت في مجلة "العبقري".

رسوم كاريكاتورية نُشرت في مجلة “العبقري”.

الإعلانات

المدرسة

ضوئية للمقال منشوراً في إحدى الصحف المحلية.

ضوئية للمقال منشوراً في إحدى الصحف المحلية.

كتب/ مازن أحمد صالح عبد الحبيب*

كثيرة هي مصادر المعرفة والتربية التي نهلنا منها لأيام وسنين، لكن هناك مصدر من هذه المصادر لنا معه ذكريات جميلة، وكان له في قلوبنا مكانه خاصة. . إنه المدرية التي أمضينا فيها اثنتي عشرة سنة، وهاأنذا أمام سيل جارف من الذكريات لسنوات خلت في المدرسة التي غادرتها العام الدراسي الماضي. . ومن تجربتي الحديثة كطالب تركت لقلمي العنان ليسطر عديد خواطر وملاحظات.

ولكنني شخصياً ليت أخفيكم سراً، إنني كثيراً ما تذمرت في المدرسة التي أحببتها كثيراً! نعم كنا نحب المدرية وكنا نتذمر في ذات الوقت، فقد أحببناها في ذاتها لكننا كنا نتذمر عندما كنا كالببغاوات نتلقى المعلومات الجاهزة التي يقدمها الواعظون. . وبالمقابل فما أجملها من لحظات تلك التي كنا نعيشها مع حصة التعبير، تلك الفرصة الوحيدة التي تشيع التفكير وتنشط أعمال العقل والفكر، فكنا نعبر عن أفكارنا بفضول معرفي غير عادي محاولين استكشاف أمور شتى في الحياة. .

وكما كنا نأسف عندما كان هذا النشاط ( التعبير) هو النشاط الصفي الوحيد الذي ينشط أعمال الفكر والذهن ويمنح الطالب الفرصة في التفكير الحر والمشاركة بفاعلية خلافاً للمواد والأنشطة المدرسية الأخرى التي يضيق أفقها وينحصر في الحفظ والتلقين التي تستقيم عليها الدراسة في مدارسنا، فآلية التعليم التي حظينا بها تستند على إلى كمية المعلومات ولا تستند على مدى تأثيرها في بناء العقل والفكر لتغلق آفاقاً معرفية ولغوية وفكرية أمام الطالب فيشتل دوره ويعطل.

وحري بنا أن نعتني بأمر النشاط اللاصفي كواحدة من أدوات تنمية القدرات والمهارات وتوسيع المدارك وبناء الشخصية. . إن ذكرياتي واللحظات الجميلة التي قضيتها في إعداد المجلات الحائطية والنشرات المختلفة بجهد حثيث ذاتي ما زالت ماثلة في ذاكرتي معظم نصوصها. . فكيف كانوا يحرموننا من هذا الباب الواسع، فمدارسنا فقيرة جداً في النشاط اللاصفي.
والحوار. . الأداة الجليلة الشأن في تفعيل أعمال الفكر وتنمية الشخصية في المدرسة. لا بد أن تزدهر هذه الثقافة المغيبة في مدارسنا التي هي إحدى أهم القنوات المشكلة لثقافتنا.

وقبل أن أختتم مقالتي المتواضعة هذه، تذكرت عبارة-طالما اضحكتني- وكثيراً ما دوت في غرفة الفصل وهي (العصا لمن عصى)، فوسيلة الضرب في المدارس لا ضير ي استخدامها مع الطلاب في نظر الكثيرين، بل إن بعض المدرسين يميل إليها بشدة متفننين في أدواتها وأساليبها. ألم يحن الوقت لندرك أنها إشارة صارخة للاستبداد، ونقيض لمبدأ الاحترام المتبادل والحوار البناء! بلى. . لقد حان الوقت لإمعان النظر في هذه الوسيلة، إنها لا تستحق أن تظل قابعة في مدارسنا باي شكل من الأشكال، ولتنف هذه الوسيلة العقيمة بعيداً من أرض المدرسة.
وكم كنت اضحك وشقيقي زياد يقف بين جمع كبير من الطلاب وهو يحرضهم على التمرد على عقاب العصا خصوصاً المبرح منه!!

* مقال سبق نشره في بعض الصحف المحلية عام 2010م.

هل أنت أحد أعضاء “حزب الكَنَبة”؟!

no-politics1

بحكم أهتمامي بالتدوين، أقوم من وقت إلى آخر بزيارة العديد من المدونات الماليزية بحكم أن ماليزيا هي بلد منشأ هذه المدونة، وهو ما جلعني على وعي بتوجهات التدوين واهتمامات المدونين الماليزيين.

ومما لفت انتباهي أن المدونين الماليزيين لا يهتمون بالسياسية في مدوناتهم وتقتصر الكتابة في السياسة على المنخرطين في الاحزاب السياسية على أرض الواقعس، وهو الأمر الذي سبقت أن اشارة اليه المدونة الماليزية أسماء قدح في مقابلة أجرتها المدونة معها في وقت سابق. وبالتالي نجد معظم المدونات تهتم بالترفيه وتنمية الهوايات كالهوايات الرياضية والفنية وغيرها، أو ذات اتجاه تجاري كمواقع التجارة الإلكترونية، او تهتم بالسياحة والجوانب الثقافية والاجتماعية والدينية والفنية.

وعلى العكس، ففي العالم العربي يكثر أعضاء ما يمكن أن نسميه “حزب الكنبة” الذي لا يبرحون يكتبون  في السياسة ويناقشونها بشكل صاخب ومستمر من خلال شبكة الإنترنت خصوصاً على “موقع الفيس بوك” من دون النهوض من فوق “الكنبة” التي يجلسون عليها، والذين يتخذون مواقع استراتيجية امام لوحة المفاتيح وشاشات التلفزيون، كما وصفهم العديد من الكتّاب كلكاتب المصري الدكتور يوسف زيدان بطريقة ساخرة.

ومن خلال المدونات الماليزية، تعلمت كمدون عربي درس قيم هو أن الحديث في السياسة غالباً ما يكون مضيعة للوقت  ولا يليق بمن لا يمارس السياسة على ارض الواقع، ولن يعدو عن كونه حديث عبثي لا طائل من ورائه، وأنضمام بائس إلى حزب “الكَنَبة”.

حزب الكنبة

ماليزيا والإنترنت. .

صورة لوزير الاتصالات والوسائط المتعددة، ولمبنى الوزارة. .

صورة لوزير الاتصالات والوسائط المتعددة داتو سري أحمد شبري، ولمبنى الوزارة . .

تدرس وزارة الإعلام والوسائط المتعددة الماليزية امكانية حظر موقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت (فيسبوك) بهدف الحد من إساءة استخدامه. وقال وزير الإعلام والوسائط المتعددة أحمد صبري حول حظر الفيسبوك “أعلم أنه قرار راديكالي إلا أن الوزارة ستقوم بدراسة المقترح” . وتخشى الحكومة الماليزية كذلك من حقيقة ان موقع الفيسبوك تحول الى وسيلة تواصل لنشر الفكر الإرهابي والتطرف الديني في ماليزيا لاسيما في الآونة الأخيرة إضافة إلى نشره للعنصرية العرقية بين أفراد الشعب.

وقال نائب رئيس الوزراء الماليزي محيي الدين انه وجه مجلس الوزراء باجراء تعديل على قانون الفتنة وقوانين أخرى تتصدى للأفراد الذين يستغلون وسائل الاعلام الحديثة للاساءة للدين أو نشر تصريحات مثيرة للفتنة. واعتبر أن الهجوم على وسائل الاعلام الاجتماعية يعد أحد التحديات الكبرى التي تواجه الحكومة في جميع أنحاء ماليزيا

وفي مقال نشره رئيس الوزراء الماليزي الأسبق محاضير بن محمد في مدونته، قال بإنه وعد (كرئيس للوزراء) بأن لا تقوم حكومته بمراقبة الإنترنت، لكنه غير رأيه اليوم، وذلك لأن اللاعبين في الإنترنت مثل أولئك الذين يسيطرون على السيرفرات يمارسون رقابتهم الخاصة لتحديد مايظهر من خلال هذه الوسيلة البديلة.

وأشار الدكتور محاضير بأنه نفسه قد عانى من رقابة المسيطرين على الإنترنت، وإنه عندما نشر مثلاً مقالاً عن اليهود، تم منع ربط المقال بالفيسبوك بدون أي تفسير، بالإضافة إلى إن المنصة المستضيفة لموقعه، قد قامت بشكل مفاجئ –بعد زيارة مدونته من قبل مئات الآلاف من الزوار- برفض إستضافة موقع مدونته، وعندما غير المنصة تكرر الامر ثلاث مرات، ولاتزال المحاولات مستمرة فضلاً عن مهاجمة المدونة بالفيروسات بإستمرار.

وأضاف الدكتور محاضير محمد بأن  ليس هناك حرية فيما يسمى بالإعلام البديل، بل أن الإعلام البديل قد أصبح أقل حرية من الإعلام المطبوع والإلكتروني. وقال بأن الوقت قد حان للتوقف عن الحديث عن حرية الصحافة، ودعى إلى الإعتراف بإن شبكة الإنترنت بحاجة إلى الرقابة، لأن الحرية –أي نوع من الحرية- معرضة لسوء الإستخدام وخصوصا في الحقل الأخلاقي.

وقال الدكتور محاضير محمد أيضاً بأن الإنترنت قد قوض الأخلاق، وأن أي طفل اليوم قد أصبح قادراً على الوصول إلى الإباحية، وأن المثلية الجنسية قد أصبحت توصف علناً بأنها جزء من حقوق الإنسان، كما أن غير ذلك من الممارسات الجنسية الشاذة -التي نرى أنها خاطئة- ستصبح قريباً جزء من الحرية والمساواة من خلال الترويج لها في الإنترنت.

سقطرى في حوار مع الباحثة الدكتورة ميراندا موريس

cropped-12333333

المكلا اليوم / أجرى الحوار: زياد عبدالحبيب | ترجمة: مازن عبدالحبيب

أشتهرت بشجرة دم الأخوين المستوطنة على أرضها، وبأنها موقع لأكبر التنوعات الحيوية في المنطقة، لإحتوائها على أنواع كثيرة وفريدة من الكائنات الحية النادرة المستوطنة فيها، حتى إن هناك من سماها بـ “جالاباجوس المحيط الهندي” وذلك لكمية الكائنات النادرة فيها قياساًبجزر أرخبيل الجالاباجوس في الإكوادور. ولا تزال الأبحاث العلمية تكشف المزيد من الأنواع. إنها سقطرى التي تم إدراجها على قائمة التراث العالمي الطبيعي من قبل اليونسكو في 2008 نظراً لتنوعها الحيوي الفريد، والأهمية البيئية العالمية للجزيرة، ونظراً للتنوع المناخي في مكان واحد.

للتعرف على سقطرى وتنوعها الحيوي وتراثها ومستقبلها، أجرينا هذا الحوار مع الدكتورة/ ميرندا موريس (Miranda Morris)، وهي باحثة اسكتلندية تعمل في جامعة سانت أندروز بالمملكة المتحدة، حاصلة على الليسانس في العربية ودكتوراه في اللغات العربية الجنوبية الحديثة من جامعة لندن. زارت الدكتورة موريس سقطرى لأول مرة في نهاية الثمانينات. ومنذُ ذلك الحين وهي تهتم بأرخبيل سقطرى وبالتنمية المستدامة فيه، كما إنها مهتمة بدراسة اللغة السقطرية وبالتراث السقطري بشكل عام. وعملت كمستشارة للعديد من المنظمات والمشاريع الدولية في سقطرى في مجال التنمية المستدامة. وقامت الدكتورة موريس –إلى جانب عالم النبات توني ميلر (Anthony Miller)- بتأليف كتاب موسوعي ضخم بعنوان (Ethnoflora of the Soqotra Archipelago)، ويتكون من 759 صفحة كان قد صدر عام 2004م ليكون بمثابة مرجعية علمية للحياة النباتية في الأرخبيل، حيث يحتوي على وصف علمي دقيق لكل نوع من أنواع النباتات إلى جانب عدد كبير من الصور الملونة والرسومات التوضيحية. بالإضافة إلى عدد من الكتب والبحوث الأخرى عن جوانب أخرى من الجزيرة، كما تقوم حالياً بإعداد قاموس للغة السقطرية (سقطرية-إنجليزية). فإلى نص الحوار:

  • متى زرتِ سقطرى لأول مرة؟

زرت سقطرى للمرة الأولى عام 1989م مع الصندوق العالمي للطبيعة.

  • حتى سنوات قريبة، لم يكن الكثير من الناس يعرف إلا القليل عن سقطرى سواء خارج البلاد أو داخلها حتى انها عُرفت بالجزيرة المفقودة أو المنسية. مالذي أدى إلى كسر هذه العزلة؟

حتى وقت قريب، كانت الجزيرة تفتقر إلى وجود مرافق للنقل الجوي أو البحري، ولم تكن هناك وسائل اتصال مع بقية العالم. وأكثر من ذلك، فالجزيرة كانت معزولة بالرياح الموسمية التي تستمر لأربعة أشهر في الصيف، والعواصف في الشتاء. لكن سكان الجزيرة الذين عاشوا في الداخل -وليس الشريط الساحلي الشمالي- وأيضاَ الحيوانات والنباتات تأثروا بصورة بسيطة بالعالم الخارجي. ونتيجة لإنشاء مطار وخدمات جوية منتظمة، واتصالات بحرية متطورة، وقبل كل شيء، نتيجة وصول تقنية الهاتف المحمول، فالجزيرة انضمت إلى العالم الحديث. وتصنيف الجزيرة كأحد مواقع التراث العالمي، وتزايد شهرة الجزيرة كوجهة سياحية – فضلاَ عن كونها مكاناً للعجائب الطبيعية والشأن أو البحث العلمي- يعني أن هناك الكثير من الناس حول العالم يعرفون عن الجزيرة.

  • ماهي المميزات الطبيعة التي تتمتع بها سقطرى؟

يُعتقد أن سقطرى قد انفصلت عن جنوب الجزيرة العربية منذ حوالي 20 مليون سنة. فهي جزيرة مكونة من الصخور النارية والمتحولة والرسوبية، وسمتها الرئيسية هي الهضاب الجيرية، وقمم جبال حجهر الغرانيتية الواقعة في وسط الجزيرة، والكثبان الرملية التي تهب عليها الرياح في الشواطئ الجنوبية والشرقية، والسهول الساحلية التي تقطعها العديد من بحيرات المياه العذبة الصغيرة. والجداول الدائمة التي تتدفق من الجبال المرتفعة في الوسط إلى سهل حديبو الشمالي، ويوجد أودية الأنهار الموسمية شمال وشرق الجزيرة. غرب وجنوب الجزيرة جاف نسبياً، وكذلك الجزر الأصغر الأخرى: سمحة، ودرسة، وعبد الكوري.

  • تشتهر سقطرى بشكل أساسي بتنوعها النباتي وتنوع طيورها. ماذا عن تنوعها البيولوجي المائي والبحري؟

100% من قشريات الكهوف، و 90% من الزواحف، و60% من العناكب، وحوالي 40% من النباتات، وسبعة أنواع من الطيور تعتبر مستوطنة في سقطرى، ولا توجد في أي مكان آخر في العالم. كما تم أُكتشاف كهف في سقطرى يبلغ طوله 13.5 كم، وذلك في عام 2008 من قبل بيتر دي جيست (Peter De Geest)، ويعتبر الكهف الأطول في الشرق الأوسط كله. ومع ذلك، فالتنوع البيولوجي المائي للبحار حول الجزيرة لا يقل أهمية عن التنوع البيولوجي البري، فهي تحتوي على نماذج من الكائنات من المناطق الجغرافية البيولوجية البحرية المختلفة التي تجتمع في الأرخبيل: البحر الأحمر، البحر العربي، شرق أفريقيا، المحيط الهندي الغربي، والهندي-الهادي. وعُرفت سقطرى أيضاً بتنوع شعابها المرجانية. وهذا المستوى العالي من الاستيطان في البر والبحر عزز من مكانة سقطرى العالمية كواحدة من أهم مجموعات الجزر بيولوجياً في العالم.

  • تشهد سقطرى اليوم انفتاح نوعاً ما على العالم، وهذا ربما أدى إلى نشوء العديد من المخاطر والمشاكل البيئية. . كيف يمكن الاحتفاظ بأصالة الجزيرة وحماية تنوعها الحيوي الفريد؟

ملايين من السنين من العزلة، وتضاريس وجيولوجيا متنوعة، وقرون من الإدارة المستدامة للأرض من جانب سكان الجزيرة ساعد على الحفاظ على الكائنات الحية الغنية على الجزيرة. لكن مع ذلك، فالتنمية المتسارعة اليوم تهدد بيئة الجزر وثقافة ساكنيها، كما أن خبرة الأجيال السابقة في إدارة مواشيهم قد فُقدت، والرعي الجائر وتآكل التربة أصبحا واضحين في أجزاء كثيرة من الجزيرة. اليوم، هناك تربية غير منظمة للماشية، وزيادة حادة في أعداد ذكور الماشية الصغيرة التي تُربى إلى سن البلوغ بدلاً من ذبحها مبكراً، وهناك الكثير من الحيوانات التي يتم تربيتها على الأعلاف التكميلية التي تعتبر –إن وجدت- غالية الثمن، والتحكم في الماشية أصبح أقل بصورة عامة، ونظام الإرتحال الموسمي للماشية بحثا عن الكلأ والذي سمح للمراعي بأن تبقى وتنتعش قد بدأ يتدهور. وتعاني الجزيرة أيضاً من الصيد الجائر للأسماك، من قبل كلاً من سكان الجزيرة، والصيادين الزائرين، وأيضاً من الصيد غير المشروع من خلال سفن الصيد الصناعية.  وهناك مشاكل التلوث، والتخلص من النفايات بشكل غير مناسب، وتوسع البنية التحتية في المناطق الحضرية الغير مخططة، والإفراط في استخراج المخزون المحدود للمياه العذبة، والاستخدام الغير منظم للمبيدات (المتعلقة بالزراعة، ومكافحة البعوض، والطب البيطري)، ومنافسة الأنواع أو الأصناف الدخيلة، وبالطبع، تهديد تغير المناخ العالمي والذي سيؤثر على البيئة البحرية والبرية. كما أن النشاطات التجارية تتزايد بحراً وبراً، والهجرة من البر الرئيسي أدت إلى التوسع السكاني، وهناك أيضاً نمو في صناعة السياحة بصورة متسارعة وغير منظمة في الوقت الذي لا يستفيد سكان الجزيرة منها إلا بشكل يسير.

ولن يكون من السهل حماية التنوع البيولوجي، فالأمر يتضمن إلى جانب مسائل أخرى: رفع مستوى معيشة سكان الجزر من خلال تعليم متطور، والعناية الصحية، وفرص العمل والتدريب، وتصميم نظام لحل النزاعات حول الأراضي والمياه، والتي تتسبب في الإضرار بالمجتمع في الجزيرة إلى درجة عالية، ووضع حدود واضحة بما يجعل ملكية الأراضي والحقوق في المياه والمراعي معروفة للجميع، وإشراك كبار السن في المجتمع في تعليم الجيل الجديد، لتعليمهم مهارات أجدادهم في إستخدام الأرض وإدارة المياه، وتناوب الرعي من أجل بقاء المراعي، والإشراف الدقيق على الثروة الحيوانية وإدارة تربيتها، وتشجيع إستخدام وكتابة اللغة السقطرية التي تدخر الكثير من خبرات هذه الجزيرة، والتشجيع على التخلص من النفايات بطريقة سليمة، ووضع حد للتلوث، والحد من غزو الكائنات الدخيلة، والحد من استخدام المبيدات والصيد غير المشروع. وقبل كل هذا، دراسة التأثيرات المحتملة على البيئة قبل إتخاذ القرارات عندما يتم تخطيط البنية التحتية وتنمية المناطق الحضرية.

  • يعتبر أرخبيل سقطرى أحد أفقر المناطق في البلاد، ويفتقر السكان إلى التنمية والبنية التحتية. كيف يمكن تطوير البنية التحتية وتحقيق تنمية مستدامة؟

التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساس بقدرة أجيال المستقبل على تلبية أحتياجاتهم الخاصة. طرأ في الواقع الكثير من التطور على حياة السقطريين منذ السبعينيات: في مجال الامن، ومجال الإسكان، والغذاء، وتوفير المياه، والحصول على التعليم، ورعاية صحية محدودة، وفرص للتدريب، ومواصلة التعليم، والعمل وسبل العيش البديلة، والاتصالات، حيث أصبح غالبية سكان الجزيرة يسافرون بالآلات بدلاً من السفر على الأقدام وتبادل المعلومات شفهياً، وأصبحوا يتبادلون المعلومات عبر الهاتف الخلوي، أو يتم جمعها من خلال الراديو، والتلفزيون، والصحف. ومع ذلك، فالسقطريين لا يزالون بحاجة شديدة إلى تنمية مدروسة ودقيقة لتطوير مستوى معيشتهم. فالرعاية الصحية والتعليم ذي النوعية الجيدة –بما في ذلك تعليم العلوم والحصول على مكتبة جيدة- يعتبران أولويات. ومن المأمول بعد أن تم أعلان سقطرى كمحافظة أن يشارك الكثير من سكانها في إدارة جزيرتهم، وأن يتمكنوا من تحديد الأولويات من تعليم مناسب وتدريب، فضلاً عن الرعاية الصحية، وإدارة بيئتهم البحرية والبرية. فهناك الكثير من الأمثلة حول العالم لجزر مثيلة حيث أدت التنمية السريعة وغير المناسبة إلى تأثيرات كارثية على حياة الناس الذي يعيشون عليها، وهذا يمكن أن يكون بمثابة الدروس للإدارة الجديدة لسقطرى.

  • تعتبرين أحد مؤسسي جميعة أصدقاء سقطرى (Friends of Soqotra). عرفينا على هذه الجمعية؟

  تأسست جميعة أصدقاء سقطرى عام 2001م لتشجع على الاستعمال المستدام للبيئة الطبيعية في مجموعة جزر سقطرى، ورفع درجة الوعي بالتنوع البيولوجي للأرخبيل، ولغة وثقافة سكانها الفريدة، والمساعدة على تحسين جودة الحياة للمجتمعات التي تعيش في الجزيرة، ودعم التقاليد أو الممارسات التقليدية لإدارة الأراضي. وينتسب إلى الجمعية حوالي 200 عضو من سقطرى، وعمان، والخليج، والأردن، والأمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والاتحاد الاوروبي. وتصدر الجمعية نشرة “الطيف” الدورية باللغتين الإنجليزية والعربية، والتي تشتمل على تحديثات لمشروع البحث الذي نحن بصدد القيام به حالياً. ويتم إرسال 500 نسخة من الطبعة العربية إلى الجزيرة. فأصدقاء سقطرى هي مؤسسة خيرية صغيرة يتم تمويلها من قبل أعضائها، وتساعد هذه الأموال بعض المشاريع المحلية الصغيرة. وتمكن جمعية أصدقاء سقطرى المهتمين من التواصل مع المختصين في مجالات مختلفة.

  •  هل توجد أي جهود دولية أخرى لحماية الجزيرة؟

هناك الكثير من الهيئات الدولية التي تهتم بمحاولة مساعدة سكان الجزيرة والحكومة اليمنية على المحافظة على هذا الأرخبيل الفريد، ورفع مستوى معيشة السكان.

  • تتمتع سقطرى بموروث ثقافي كبير ومميز لاسيما لغة السكان التي تجيدين التحدث بها. حديثنا عن تجربتك مع اللغة السقطرية؟

اللغة السقطرية وشعرها وفنها الغنائي يجسد الخبرات والهوية الثقافية الفريدة للأجيال التي عاشت على الجزيرة. وينبغي أن نتذكر أن التنوع الثقافي يعتبر ضروري للبشر مثلما التنوع البيولوجي ضروري بالنسبة للطبيعة، فهو بنفس أهمية النباتات والحيوانات. واللغة تصف الجزيرة بالتفصيل في دقيقة قبل ان تحصل التغيرات الراهنة، وتوضح أساليب تعامل سكان الجزيرة مع النظم البيئية التي ساعدتهم على إدارة جزيرتهم بمثل هذه المهارات، والحفاظ عليها فيما مضى بما يجعل من البقاء ممكناً.

  • إلى أي عائلة تنتمي اللغة السقطرية؟

اللغة السقطرية هي واحدة من مجموعة مكونة من ست لغات تُدعى اللغات العربية الجنوبية الحديثة (MSAL). واللغات الخمس الأخرى هي: المهرية، والبطحرية، والهيبوتية، والحرسوسية، والشحرية. وهي لغات سامية تتحدث بها أقليات سكانية في جنوب وشرق اليمن، وغرب عمان، والأطراف الجنوبية من المملكة العربية السعودية. وهذه اللغات تنتمي إلى فرع اللغات السامية الجنوبية في عائلة اللغات السامية، والتي تضم أيضاً اللغات السامية الاثيوبية، واللغات العربية الجنوبية القديمة. وهذه اللغات تتفرع من اللغات السامية الوسطى التي تضم العربية الحالية واللغتين الآرامية والعبرية.

  • هل لديكِ أي مخاوف بشأن اللغة السقطرية، وخطر تعرضها للانقراض؟

إذا لم تطور اللغة نظام كتابة، فهي بلا شك ستكون مهددة بالانقراض، مثلما حدث للكثير من لغات العالم الشفهية، فهناك حوالي 7800 لغة غير مفهومة بشكل متبادل يتم التحدث بها حول العالم اليوم، ويُتوقع أن تختفي نصفها في نهاية هذا القرن، واللغة السقطرية ستكون من بين هذه اللغات ما لم يواصل سكان الجزيرة التحدث بها إلى أطفالهم، ويتم الاصطلاح والاتفاق على نظام لكتابة لغتهم، واستخدامه.

  • هل يمكن أن تصبح اللغة السقطرية لغة مكتوبة؟

في الواقع هذا ممكن. فأنا أشارك في مشروع ممول من قبل منظمة ليفرهولم بعنوان ” التوثيق والتحليل العرقي واللغوي للغات العربية الجنوبية الحديثة”. هذا المشروع يتناول ابتكار كتابة معدلة من الأبجدية العربية بمشاركة زملاء من المجتمعات الناطقة. وأضفنا خمس رموز جديدة فقط لمعظم اللغات، وثمانية رموز أضافية بالنسبة لإحدى هذه اللغات وهي (الشحرية). في نهاية السنة الأولى من المشروع، تم أختبار هذه الكتابة على مجموعة متنوعة من الناطقين، وتم استعمالها من قبل لتدوين بعض النصوص الشفهية التي قمنا بتسجيلها حتى الآن. وسيتم عرض اسطوانة بمثابة عينة في موقعنا (http://www.leeds.ac.uk/arts/info/125219/modern_south_arabian_languages/)، وأيضاً في مواقع مجتمعات اللغات الإلكترونية.

  • أخيراً، كيف تنظر الدكتورة ميراندا موريس إلى مستقبل سقطرى؟

سقطرى تعد من مواقع التراث العالمي، وطالما نجحت في الحفاظ على هذا اللقب (الذي يمكن أن يتم سحبه)، ستستمر لتكون ذات أهمية عالمية. ومن الضروري أن يتم تقدير وإستخدام المعارف والخبرات والنظم والتقاليد المحلية للإدارة المستدامة لتوجيه التنمية، فهي المسؤولة إلى حد كبير عن حماية الجزيرة حتى الوقت الراهن. سقطرى اليوم أصبحت محافظة في حد ذاتها، ولذلك فلديها الآن الفرصة لصناعة الكثير من القرارات بنفسها بشأن إدراتها، ويمكنها أن تضع لوائح خاصة بها لإدارة بيئتها، وإدارة أولئك الذين يأتون لزيارتها، كسائحين أو تجار أو لإجراء البحوث. المحافظة الجديدة يمكن أيضاً أن تعمل من اجل تفعيل التعليم، وتعليم الجيل الشاب بعض الدروس المستفادة من الأجيال السابقة، لاسيما على صعيد تشجيع استعمال اللغة السقطرية إلى جانب العربية. وينبغي أن تكون هناك دقة أكثر في تخطيط البنية التحتية اللازمة، وإدارة استخدام المياه، وتطوير استراتيجية للسيطرة على الكثير من النزاعات على الأراضي والمياه، وتطوير سوق للمنتجات السقطرية وإدارة التنمية بحيث تعود بالفائدة على جميع سكان الجزيرة. فأعظم ثروة واعدة في الجزيرة هي الناس. . هي السقطريين الذين قاموا بإدارة جزيرتهم في الماضي بكل مهارة، والسقطريين وحدهم هم الضمان لبقاءها في المستقبل. ومع ذلك، فهناك بعض المسائل التي سيجد السقطريين أنفسهم صعوبة في إدارتها بطريقتهم الخاصة، مثل تغير المناخ، واسعار المواد الغذائية، وعدم جاذبية أسلوب العيش الريفي بالنسبة للجيل الجديد، وعدم الاستقرار السياسي في الوقت الراهن، فمن الواضح إنعدام الإدارة السياسية أو القدرة على معالجة الكثير من المشاكل التي يواجهها سكان الجزيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للإطلاع على جزء من المقابلة باللغة الإنجليزية، انظر الصفحة 12 من العدد 11 من نشرة طيف الصادرة عن جمعية أصدقاء سقطرى في بريطانيا.

images (2)

غلاف الكتاب الموسوعي (Ethnoflora of the Soqotra Archipelago)، وهو من تأليف الدكتورة ميراندا موريس إلى جانب عالم النبات انتوي ميلر، ويعتبر مرجع علم مهم ورائد يحوي وصف دقيق لكل انواع النبات في أرخبيل سقطرى

وللتدوين أخلاقيات ومبادئ أيضاً

شعار المدونة

منذ إنطلاق هذه المدونة، وأنا قلق بشأن البيانات التي تحتوي عليها في حالة حدوث خلل تقني أو في حالة أغلاقها من قبل الشركة المزودة للخدمة كما حدث من قبل حين أغلقت شركة ياهو مدونات مكتوب بعد تنبيه استمر لعدة أشهر لم اعرف به لإنني حينها كنت منقطعاً عن التدوين، فخسرت المدونة، ولم اتمكن من إستعادتها.  وذلك، فقد أصبح للمدونة دومن مستقل وخاص ابتداءا من الشهر الماضي بعد دفع رسوم سنوية معينة للشركة المستضيفة، وهذا يمنح المدونة مساحة أكبر ويجعلها آمنة وقابلة للإستمرار والتطوير.

وبهذه المناسبة، أحب أن اذكر هنا بعض المبادئ والأخلاقيات التي ستستمر المدونة على أساسها في ظل الحرية الكاملة التي توفرت لي في فضاء التدوين الإلكتروني، وأدعو زملائي المدونين بأن تكون لهم مبادئ واخلاقيات تدوين مماثلة لتكون لهم بمثابة المعيار والرقابة الذاتية.

أصبح جلياً ما للتدوين الإلكتروني من أهمية كجزء مهم مما يُعرف بالإعلام البديل. ومن هذا المنطلق اخترت المدونات الإلكترونية سبيلاً لي لممارسة هوايتي من خلالها كنافذة بديلة وجديدة لا أخضع خلال إستخدامها لسياسة تحرير معينة، ولا انتظر إجازة رئيس أو مدير التحرير أو أي محرر آخر، ولا أعمل لصالح مؤسسة بعينها، بل أنني امتلك كمدون إلكتروني الحرية الكاملة فيما عدا تحدي الحجب والحظر الذي قد تتعرض له بعض المدونات في بعض البلدان، ومنها بلد منشأ المدونة “ماليزيا”. لكن مع كل هذا القدر الكبير من الحرية وزوال الرقابة وزمن القص والتعديل او الرفض من قبل الصحف، فإنه يقع على عاتق المدون الإلكتروني مسؤولية ذاتية ورقابة الضمير، ولا تعني الحرية أن هذه الوسيلة او تلك يمكن ان تُستخدم بدون ضوابط.

ومن المبادئ والأخلاقيات التي انشأت على أساسها هذه المدونة وستستمر على أساسها المبادئ التالية:

  • السعي لتعزيز السلم الأهلي، ونشر ثقافة السلام والتسامح.
  • السعي لنشر قيم العدل.
  • نشر ثقافة الوطنية والمواطنة المتساوية، ومحاربة العصبيات وثقافة المناطقية والجهوية.
  • نبذ العنف والتحريض على العنف.
  • احترام جميع العقائد.
  • احترام حقوق الانسان، واحترام الاعراف والقيم العربية.
  • عدم التمييز العرقى أو الدينى او اللونى.
  • نبذ الخلاف والفرقة السياسية والإجتماعية والدينية.
  • تكريس قيم التغيير السلمي في المجتمع.
  • دعم التعليم وخصوصاً تعليم المرأة ومحو الأمية.
  • دعم مشاريع التنمية وأي مشاريع حضارية.
  • السعي لترسيخ مفاهيم العمل المشترك.
  •  السعي لترسيخ مفاهيم الحوار الحضاري.
  • ترسيخ مبدأ إحترام الحقوق الفكرية والأدبية وحمايته بالممارسة العملية في المدونة.
  • الإلتزام بالحيادية تجاه محتلف القضايا والاتجاهات الفكرية، والوقوف على مسافة واحدة من جميع التيارات الوطنية.
  • احترام التاريخ، والدقة عند كتابة اي موضوع تاريخي.

حوار مع الباحث الماليزي عبدالله بوقس

عبدالله بوقس

شهدت ماليزيا خلال العقدين الماضيين قدر كبير من الانفتاح الأقتصادي والثقافي والذي أدى بدوره إلى انفتاح كبير في المجال الإعلامي، لكن الإعلام الماليزي ظل يتميز بخصائص كثيرة تجعله مختلفاً عن غيره، تتمثل في قيامه بدور كبير في تقويم المجتمع، وفي عملية تطوير الدولة والممارسة الديمقراطية في مجتمع متعدد الأعراق والاديان بطريقة تختلف عن الأسلوب الغربي الليبرالي.


ومما يلفت الانتباه في الأونة الأخيرة، تزايد وسائل الإعلام الناطقة بالعربية في ماليزيا والتي تتنوع بين الترويج السياحي والتسويق التجاري وغير ذلك. وهو ما يعيد إلى الذاكرة الصحافة العربية الحضرمية التي نشأت في عام 1900م تقريباً في بلدان أرخبيل الملايو بصفة عامة (في إندونيسيا وسنغافورة تحديداً).

للحديث عن الإعلام في ماليزيا لاسيما الإعلام الناطق باللغة العربية، إجرينا هذا الحوار مع الباحث الإكاديمي الماليزي الأستاذ/ عبدالله بوقس، وهو باحث متخصص في الإعلام والاتصالات، ويحضر حالياً الدكتوراة في مجال الاعلام المقروء، ويقوم بدراسة تحليلية لنصوص الاخبار في الصحف الماليزية، كما يعمل في المكتب الإقليمي لوكالة الأنباء الكويتية “كونا” في كوالالمبور والذي له نشاط إعلامي في جميع دول تكتل (آسيان) العشر.

لنبدأ من سؤالك عن نشأة الصحافة وتاريخها في ماليزيا؟
لايوجد شيء موثق اطلعت عليه شخصياً في تاريخ الصحافة بمسماها الحديث في فترة ما قبل الاستعمار، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن أول صحيفة في تاريخ ماليزيا كانت بعد دخول الاستعمار الإنجليزي، وكانت تصدر باللغة الإنجليزية، وهي صحيفة The Prince of Wales Island Gazette ، وكانت تهتم بشئون الاستعمارالإنجليزي في الإقليم، وكانت تطبع في مدينة بينانج عام 1806. وبعد نضال وجهود جبارة من قبل بعض الملايويين الغيورين على لغتهم الملايوية، استطاعوا إصدار أول صحيفة بلغتهم الأم، وهي صحيفة Jawi Peranakan الأسبوعية، وذلك عام 1876، وكانت تُكتب بالحرف الجاوي، وتصدر من سنغافورة قبل انفصالها عن ماليزيا. ونظراً للبون الشاسع بين فترة إصدار أول صحيفة باللغة الملايوية وإصدار أول صحيفة باللغة الإنجليزية، فقد ثار الماليزيون عبر هذه الصحيفة بانتقاداتهم للسياسة الإنجليزية في البلاد، خصوصا فيما يتعلق بترسيم الأعياد الدينية فيها، حتى أقفلت الصحيفة عام1895. كما أصدر الملايويين بالحرف الملايو العديد من الصحف، ومنها نجوم الفجرعام 1877، والشمس والقمر عام 1877، وغيرها من الصحف، وكانت معظمها تطبع في سنغافورة. وحسب ما اطلعت عليه من مصادر فقد كانت جميع تلك الصحف متأثرة بالصحف المصرية في تلك الحقبة من الزمان، وكان مالكوها ماليزيين من أصول عربية أو هندية. وتعتبر صحيفة (أوتوسان ملايو) الصادرة عام 1939 حتى يومنا هذا، أول صحيفة ملايوية أسست من قبل مجموعة من القوميين الملايويين من بينهم يوسف إسحاق الذي عُين فيما بعد أول رئيس لسنغافورة، وكان أول رئيس لتحرير هذه الصحيفة عبدالرحيم كاجاي الذي يعد الأب الروحي للصحافة الملايوية الحديثة. وبعد استقرار الصينيين في بلاد الملايو أصدروا أول صحيفة لهم، وهي صحيفة Lat Pau، وذلك عام 1881، وكانت تهتم بأخبار الاضطرابات السياسية في الصين آنذاك. أما أول صحيفة هندية، فقد كانت باللغة التاميلية، وهي صحيفةSingai Warthamani، أصدرت عام 1875، وكانت تهتم بشؤون الهنود في بلادالملايو. بشكل عام، كانت جميع الصحف في ماليزيا قبل الاستقلال متعاونة مع الاستعمار الإنجليزي بشكل أو بآخر، مع وجود بعض الصحف المعارضة للاستعمار الانجليزي، لكنها لم تؤثر كثيراً في شل حركة الاستعمار الإنجليزي وسياساتهم في الترويج والتأثير على الرأي العام عبر صحفهم ووسائل إعلامهم.
وبعد أن أعلن عن استقلال البلاد عام 1957، نشطت حركة الصحافة في ماليزيا، وانتقلت العديد من الصحف إلى العاصمة كوالالمبور، وخاصة بعد أن استقلت سنغافورة عن ماليزيا. وأصبح عدد الصحف الصادرة باللغة الماليزية سبع عشر صحيفة، وخمس صحف باللغة الانجليزية، وخمس صحف باللغة الصينية، وثلاث صحف باللغة التاميلية، وصحيفة واحدة باللغة البنجابية. فتطورت بعدها حركة الصحافة في ماليزيا، وتوسعت اهتماماتها ووجهاتها وأساليبها. لكن المُلاحِظ في تاريخ الصحافة الماليزية هو إنه لايجد فيها اهتماما كبيرا بالصحف العربية، عدا بعض الكتب أو المجلات الدورية المنسوبة لبعض المؤسسات التعليمية كالجامعات أو المدارس، بالرغم من سابقية دخول العرب إلى بلاد الملايو وفضلهم في نشر الإسلام في أرخبيلها. ولا أعلم حسب مراجعي أن هناك صحيفة عربية متكاملة أصدرت من ماليزيا سوى صحيفة (أهلا) والتي أنشأت في اليوم الأول، من شهر يوليو، عام 2005، وكانت في بادئ أمرها صحيفة تهتم بالشؤون السياحية في البلاد، ثم ما لبثت أن تطورت وأصبحت صحيفة عامة تغطي جميع جوانب الحياة، الاجتماعية منها والاقتصادية والإسلامية والسياسية والرياضية والفنية. وتعاقب على رئاسة تحرير هذه الصحيفة منذ تأسيسها الأستاذ إبراهيم الفارسي مصري الجنسية وهو محاضر في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، والزميل شفيق بن نور الدين وهو ماليزي يعمل حاليا في المدارس السعودية بكوالالمبور، والزميل خالد الشطيبي أبوهبة من المغرب ويعمل حاليا مع وكالة الأنباء الماليزية، ثم الزميلة امتنان محمد سلطان وهي اندونيسية من أصول حضرمية. وقد عملت مع جميع الزملاء السابقين في الصحيفة منذ تأسيسها إلى أن عينت رئيسا للتحرير في 2007 و2008 قبل أن أنضم إلى وكالة الأنباء الكويتية، وبعدها استمرت الصحيفة وترأسها العديد من الزملاء أمثال محمد النجار من مصر، ومحمد نائل من فلسطين، وغيرهم لا تحضرني أسماؤهم. . والملاحظ في سياسة هذه الصحيفة أن رؤساء تحريرها لايستمرون لأكثر من سنة واحدة كما أسلفت سابقا بسبب الأمور المادية، والتخبطات الإدارية، إضافة إلى أنها كانت تعتمد على الطلبة العرب للعمل في قسم التحرير والتسويق والتصميم، وكانوا يعملون فيها بدوام جزئي، وسمعت بأنها أقفلت منذ سنتين ولا أعرف سبب إقفالها. وفي الأربع سنوات الماضية ظهرت العديد من الصحف والمجلات الماليزية، ومنها مجلة أسواق، ومجلة الاستثمارية، إضافة إلى الصحف العربية ومنها صحيفة الأثير وأعمل مستشار لقسم التحرير فيها، وصحيفة أراد، وصحيفة الشروق الإلكترونية، وغيرها. كما ظهرت مجلات أخرى ثم اختفت مثل مجلة أماكن، ومجلة رحّال.

مع كونك باحث في قضايا الإعلام، لكنني أود أن أسألك عن تجربتك الإعلامية مع وكالة الأنباء الكويتية “كونا” التي تعد المصدر الأول الأول لأخبار ماليزيا لدى كثير من القراء العرب.
بدأت العمل كمراسل لكونا منذ عام 2008، وهي وكالة حكومية غير ربحية تتبع لوزارة الإعلام في دولة الكويت، وتعد من أقدم وكالات الأنباء العربية، أسست في تاريخ 6 أكتوبر عام 1976، وحددت أهداف الوكالة بالعمل على تجميع الأخبار وتوزيعها على المؤسسات الإعلامية والأفراد لتزويدهم بالخدمة الإخبارية الموضوعية غير المتحيزة والأمينة، وإبراز قضايا الكويت العادلة في المحيط الإقليمي والدولي.
وافتتح مكتب كونا مجددا في كوالالمبور كمكتب إقليمي في عام 2004، وكان للوكالة وجود في ماليزيا قبل احتلال النظام العراقي السابق للكويت.. وهذه الوكالة مسجلة رسميا في وزارة الإعلام الماليزية، وتنسب أعمالها الإدارية لوكالة الأنباء الماليزية (برناما) مثلها مثل بقية وكالات الأنباء العالمية.
ويهتم مكتب كوالالمبور بتوطيد العلاقات الثنائية بين الكويت وماليزيا، ونجح إلى حد ما الإسهام في تعزيز هذه العلاقات لاسيما الاقتصادية والاستثمارية منها، كما يقوم المكتب بتغطية جميع الأحداث والفعاليات في الدول المنضوية تحت رابطة (آسيان) وهي عشر دول إضافة إلى دولتي استراليا ونيوزيلاند.
حقيقة التجربة في الصحافة الحكومية مفيدة في الدرجة الأولى، وهي منطلق مهم لأي صحفي لكي يتفهم نوعية لايستهان بها من أنواع الصحافة بشكل خاص والإعلام بشكل عام، وكما تعرف أن هناك نظريات إعلامية جديدة خرجت منذ التسعينيات، وأدخلت بشكل أو بآخر مع العلوم الإدارية والتقنية المعلوماتية، فشكلت بذلك أنواعا واتجاهات عديدة في عالم الصحافة والإعلام، والصحافة التابعة للحكومات تعد واحدة من تلك الاتجاهات، وكما تعرف أن حركة الصحافة في دولة الكويت تعد رائدة في العالم العربي من حيث حرية التعبير وممارسة بعض النظريات الإعلامية المطبقة في الدول الديمقراطية.
وبطبيعة الحال، يجب أن يستفيد أي شخص من المقومات المتوفرة لديه للوصول إلى ماهو أفضل وأوسع وأرحب أفقا وتفكيرا، والوكالة قدمت لي هذه المقومات، حيث نتمتع أنا والزملاء بقدر من الحرية في التعبير وإنشاء الخبر، وأنا ضمنيا أعارض على كلمة “حرية” الصحافة والتعبير، لأنه لاتوجد حرية مطلقة للصحافة، بل تقاس تلك الحرية بعدد القيود أو البنود الاستثنائية في قانون حرية الصحافة والتعبير في دستور أي دولة ينص على هذا القانون.
وتوصلت إلى هذه القناعة بحكم دراستي في مراحل الدارسات العليا في تخصص الإعلام والاتصالات، لاسيما النظرية المثيرة للجدل Framing theory أو نظرية التأطير، إضاف إلى عملي وتأسيسي لعدد من وسائل الإعلام العربية في ماليزيا، مثل صحيفة أهلا، ومجلة أسواق، ومجلة أماكن، وصحيفة الأثير، وهناك عدد من الصحف والقنوات العربية أقوم بتحرير بعض موادها، والمساعدة في إنتاج الأخبار.

ما هو تقييمكم لواقع الصحافة والإعلام في ماليزيا اليوم؟
الإعلام والصحافة الماليزية تتخذ من المسئولية الاجتماعية مبدأً رئيسيا لها، وهي نظرية قامت على نقد النظرية الليبرالية الإعلامية أو الحرية المطلقة في الإعلام، لذلك هي تدعو إلى النقد الهادئ والبناء وقبول الآخر، لما فيه مصلحة المجتمع واحترام حقوق الفرد.
ويحاول الإعلام هنا في ماليزيا تطبيق هذه النظرية، وهي نظرية رائعة في معانيها ومضمونها، إلا أنه يجب علينا أيضا مراعاة وتفهم قوانين الدولة لاسيما المتعلقة بشكل مباشر أو غير مباشر بالصحافة والإعلام، مثل قوانين التشهير، والترخيص، والطباعة، وامتلاك وثائق سرية، والقذف والافتراء وغيرها.
ومع ذلك، فإن الإعلام والصحافة في ماليزيا لاسيما المناهضة للحكومة تتمتع بجزء لابأس به من حرية الصحافة، وذلك مع وجود الإعلام البديل الذي لم يقنن بعد في ماليزيا، وهنا يجب أن ننوه أن الإعلام المعارض يجب أن يكون عقلانيا ومنطقيا أيضا في طرحه للقضايا الشائكة، لاسيما تلك التي تتسبب في زعزعة أمن البلاد، كما يجب عليها عدم الاهتمام بشكل كبير بالتقاط الهفوات والعيوب الصغيرة للحكومة للتشهير بها وفضحها بحيث تكون شغلهم الشاغل، لكن عليها تقويم المجتمع والحكومة ومساعدتها على استمرارية نهضة البلاد من خلال النقد البناء. ولانعني بذلك أن جميع المنخرطين في الإعلام البديل بماليزيا يمارسون هذا النوع من الصحافة، بل لدي على المستوى الشخصي زملاء لديهم أقلام رائعة ومقومة للمجتمع.

كيف تنظرون إلى مستقبل الإعلام الماليزي كإعلاميين ماليزيين، وماهي تطلعاتكم؟
الإعلام بشكل عام يجب أن يسخّر لخدمة وتقويم المجتمع من جهة والحكومة بكل مفاصلها من جهة أخرى، على اعتبار أن الإعلام سلطة رابعة، والإعلام الماليزي يتجه نحو هذا الاتجاه، لذلك نطمح بأن يبرز الإعلام في ماليزيا جميع الإيجابيات، ويظهر أهم إنجازات المجتمع والدولة، إضافة إلى محاولة احتواء أية معضلة تهم الشعب مع المسئولين، قبل إبرازها وكشفها من منطلق “السبق الصحفي”، وهذا يمكن تنفيذه إذا ما أعطت الحكومة صلاحيات واسعة لوسائل الإعلام في المشاركة لاحتواء أية معضلة تهُم الشعب، وذلك لإخراجها وتحريرها في سياق إيجابي.

كيف يمكن أن نضمن في رأيك أن لاتتحول حرية التعبير إلى فوضى؟ وكيف يمكن تنظيم وضبط أداء الإعلام على المستوى المهني والأخلاقي؟
كما أخبرتك آنفا، أنا أعترض على كلمة “حرية التعبير”، ومن الأفضل أن تسمى بـ “قيود التعبير”، لأني كما قلت أن المعيار في حرية التعبير هو عدد القيود المفروضة على قوانين الإعلام في الدولة، فكلما كثرت القيود ضاقت حرية التعبير، وكلما قلّت انفرج هذا الضيق، وليس هناك حرية مطلقة، وإلا تحول الأمر كما تفضلت إلى فوضى.. لذلك وضعت الدول والمنظمات الإعلامية مايعرف بأخلاقيات العمل الصحفي، أو ميثاق الشرف الصحفي، أو الحماية السلوكية للصحفيين، ولكل دولة أو منظمة قوانين وأخلاقيات ومواثيق مختلفة حسب تركيبتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

ظهرت في ماليزيا صحافة ووسائل إعلامية ناطقة بالعربية خلال العقد الأخير. ماتقييمك لأداء هذه الوسائل، وماتقديرك لحجم القراء بالعربية؟
لاشك أن الأقبال العربي الكبير على ماليزيا في السنوات الأخيرة، واستقطاب العديد من الاستثمارات العربية المباشرة مثل المطاعم والمحلات التجارية وغيرها، إضافة إلى مكاتب السياحة والخدمات العامة، جميع ذلك شجع على ضرورة وجود صحيفة أو إعلام ناطق بالعربية في دولة غير ناطقة بهذه اللغة.
وتجربة الاستثمار بماليزيا في المجال الصحفي لم يزل في بداياته، ونتطلع إلى الكثير من التطوير في الأداء سواء كانت الفئة المستهدفة من هذا الاستثمار هم العرب المقيمين أو السياح أو الماليزيين، فيجب أخذ تلك الفئات في الاعتبار من خلال انتقاء نوعية الأخبار المنشورة، والاختيار الدقيق للمصطلحات الإعلامية البسيطة غير المعقدة حتى يستفيد منها المتعلم الماليزي إذا كنا نتحدث عن هذه الفئة.
والتقييم حتى أكون صريحا وأنا جزء من هذه المنظمومة الإعلامية هو “دون المستوى”، ويطمح إلى كثير من العمل والتطوير لاسيما في قسم التحرير، بدءاً من الكوادر الصحفية ووجود رأس مال ضخم لتمويل المشروع، وانتهاءً بأبسط الحقوق والامتيازات التي تعطى للصحفي، ناهيك عن الأمور الأخرى من تسويق وتصميم وإدارة وغيرها من الأقسام المكملة لقسم التحرير.

يرى الكثير من القراء أن الإعلام المكتوب بالعربية في ماليزيا لا يتناسب مع حجم العلاقات العربية الماليزية؟ ما رأيك؟
اتفق معك أن الإعلام المكتوب لايتناسب مع حجم العلاقات، لاسيما وأن للعرب علاقة تاريخية غرست جذورها في أرض الملايو، وكما تعرف فقد انصهر العديد من العرب أو الحضارمة في البوتقة الماليزية وهذا شي إيجابي جدا، لكن السلبي في ذلك هو نسيانهم للغة العربية، وهي لغة القرآن ولغة المسلمين. . وفي المقابل تجد الأعراق الماليزية الأخرى لم تزل محافظة على تراثها القديم ولغتها الأصيلة، مع حبهم وانتمائهم للوطن. وعلى الرغم من أن دخول العرب إلى ماليزيا جاء متأخرا مقارنة مع دخول الهنود والصينيين في مرحلة ماقبل الاستعمار، لكن سرعان ما نسي العرب الماليزيون لغتهم الأصلية.
لذلك أناشد العرب في ماليزيا بشكل عام، وجميع وسائل الإعلام والصحافة العربية المستثمرة في ماليزيا بالتركيز على تعليم اللغة العربية ونشرها بين الأوساط الماليزية، حيث سخرت الحكومة هنا جميع المقومات لنشر لغة القرآن الكريم، وتعد من أوائل الدول الإسلامية التي اهتمت بتعليم اللغة العربية ورعايتها، فقامت بتدريسها في المدراس والجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى، وأرسلت طلابها للدراسة في الدول العربية، إلا أن هذه العوامل لاتكفي من دون إسهام العرب أنفسهم في نشر اللغة العربية الفصحى بين الماليزيين، وخلق بيئة عربية خارج الفصول الدراسية لنشر هذه اللغة.
يرى البعض أن معظم المطبوعات الصادرة بالعربية في ماليزيا مجرد مطبوعات ذات محتوى تسويقي وتوجه تجاري وترويج سياحي؟
لايمكن تجاهل هذا النوع من الصحافة المهمة، وهي صحافة الترويج والتسويق، وقد كان أول ما استخدم في تاريخ الصحافة العالمية هي صحافة الترويج والتسويق، والإشاعة، واستمرت إلى الصحافة الصفراء وما إلى ذلك من أنواع واتجاهات.
لذلك لانستغرب في ظل الإمكانيات المالية المحدودة، والمقومات المهنية المتواضعة أن تعتمد الصحافة العربية في ماليزيا بشكل كبير على هذا النوع من الصحافة، لأن الإعلام كما يقول أحد المنظرين الإعلاميين والتر بويل Media is big business””، فلا أجد أي ضرر من انتشار صحافة الترويج والتسويق في ماليزيا، مع ضرورة وجود أنواع وتصنيفات أخرى من الصحافة سواء الموجهة أو المحايدة أو الترفيهية أو غيرها، وهذه حقيقة يفيدنا كباحثين في إثراء الدراسات الإعلامية واكتشاف نظريات جديدة، لاسيما مع توغلنا في عالم التكنولوجيا المعلوماتية، والتدفق الهائل من الإعلانات والإشاعات والأخبار والصور والفيديو.

هل هناك مؤسسات إعلامية ماليزية تقدم خدمات اخبارية بالعربية أو برامج تلفزيونية وإذاعية أو فضائيات ماليزية موجهة للناطقين بالعربية؟
نعم هناك العديد من المؤسسات الإعلامية الماليزية تهتم باللغة العربية كلغة دين، مثل إذاعة المعهد الماليزية للفكر الإسلامي (إيكيم) حيث تقدم الزميلة منى جثمان برامج باللغة العربية، وهناك برامج تلفزيونية في القنوات الأرضية الماليزية تقوم ببث بعض الدروس والأناشيد العربية، إضافة إلى شراء بعض البرامج التلفزيونية العربية الهادفة مثل برنامج (خواطر) للشقيري و(مجالس المصطفى) للحبيب الجفري وترجمتها إلى الملايوية.
ومن المثلج للصدر أن يمسك الماليزيون بزمام تعليم اللغة العربية في ماليزيا، سواءً من الذين درسوا في الدول العربية، أو ممن نشأو وتترعرعوا في الدول العربية، وهؤلاء يجب الاستفادة منهم في نشر اللغة العربية الفصيحة في ماليزيا، وأكرر هنا اللغة العربية الفصيحة، وهي لغة المسلمين، بعيدا عن العامية أو اللغات الدارجة في الدول العربية لأنها تدعوا إلى القومية، ولايعني ذلك انتقاص القومية بل لها احترامها وتقديرها.

وهل مازالت هناك صحف ومجلات ماليزية تستخدم الحرف الجاوي؟
هناك جهود حكومية وفردية تسعى إلى استعادة هذا الحرف الذي يعتمد في كتابته على الحروف الهجائية العربية مع إضافة حروف أخرى غير موجودة في مخارج الحروف العربية، إلا أن هذه الجهود يجب أن تُدعم بقرار حكومي صارم في استعادة ترسيم هذا الحرف على مستوى البلاد، والبدء الفعلي في التدريس بهذا الحرف، وكل ذلك يصعُب تطبيقه في ظل انتشار الحرف اللاتيني وكثرة المؤلفات والكتب العلمية والدراسية المكتوبة باللاتينية، لكنها ستأخذ وقتها إلى أن تطبق بشكل عملي.

هل ينقل الإعلام الناطق بالعربية صورة صحيحة ومحايدة عن ماليزيا وثقافتها وعلاقاتها التاريخية، ودورها في المنطقة إقتصادياً وثقافياً وسياسياً؟
هذا يرجع إلى الصحفي كونه حارس البوابة الإعلامية إضافة إلى سياسة الصحيفة أو المؤسسة الإعلامية، ناهيك عن عوامل أخرى يجب أن تؤخذ في الحسبان قبل إصدار أي خبر سواء كان اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا ومنها العامل الحكومي والعامل القانوني والعامل التجاري لاسيما الشركات المعلنة في الصحيفة.
لذلك، اعتقد أن النظرة العامة لمفهوم الحياد يعتبر أمرا نسبيا، لأنه ليس هناك تعريف ثابت للحياد في الإعلام، والأصل فيه أن يُدرج في الخبر جميع جوانب القضية سواء كانت سلبية أم إيجابية، ويفترض أن تكون جميع الجوانب متساوية في مضمونها واستعاراتها ومصادرها وتلميحاتها، وأرى أنه ليس من السهولة بمكان أن يقف الصحفي على الحياد دون أن ينحاز ولو بنسبة 1 بالمائة لطرف ما، أو مايراه من وجهة نظره صحيحا.
واعتقد أن ماليزيا مثلها مثل أي دولة في العالم، تحتاج إلى الإعلام للترويج لنفسها اقتصاديا وثقافيا وسياسيا، وإن وُجدت بعض السلبيات فهي كما قلت مسبقا يجب أن تناقش بين المسئولين والإعلاميين للوصول إلى سياق يحفظ المجتمع من الفوضى، وذلك مشترط بتعاون الجهات الحكومية، وإلا سوف تقوم الصحافة وحدها بدورها في المسئولية الاجتماعية.