الحرف الجاوي.. نظام كتابة اشتق من العربية واستعملته شعوب جزر الملايو لقرون طويلة

إعداد: زياد أحمد الدغاري @ZiadAldaghary

استعارت العديد من اللغات أحرف الأبجدية العربية لبناء نظامها الكتابي، وتطويره حسب كل لغة وخصوصية نظامها الصوتي، ومنها اللغات الأردية والتركية العثمانية القديمة والكردية والفارسية والملايوية والبشتوية والبلوشية والبوسنية والألبانية والكشميرية والأمازيغية والنوبية والآذرية والسواحلية والهوسوية والحبشية وغيرها. ولا يزال الحرف العربي معتمداً في بعض هذه اللغات حتى اليوم، بينما استبدل بنظام كتابة آخر في غالبيتها العظمى.

اهتم الباحثون العرب بأنظمة الكتابة المشتقة من العربية في العديد من اللغات، لكن دراسات لغة الملايو لم تكن ضمن دائرة اهتمامهم على الرغعم من تأثر هذه اللغة باللغة العربية بصورة ملفتة من حيث استخدام نظام الكتابة المشتق من العربية، فضلاً عن الألفاظ والكلمات المستعارة من العربية، والتي قد يصل عددها إلى ما لا يقل عن ثلاثة آلاف كلمة بحسب دراسة لغوية حديثة. ولأسباب متعددة منها الدوافع الاستعمارية والديدينة ومنها الدوافع المعرفية والثقافية، قام عدد كبير من الباحثين الأوروبيين بدراسات واسعة لهذه الشعوب ودراسة لغاتها وتاريخها.

من خلال لمحة عامة على نظام الكتابة الجاوي في لغة الملايو ولغات أخرى لشعوب جنوب شرق آسيا، نستعرض تاريخ تطور هذا النظام، وتأثير العربية والاسلام، ثم تدهوره ليحل محله رسمياً النظام اللاتيني في مالزيا وإندونيسيا وسنغافورة وأجزاء من تايلند والفلبين، واقتصاره حالياً على المدارس الدينية، وأخيراً المحاولات اليائسة لإحياء هذا النظام. 

الحرف الجاوي

الكتابة الجاوية ( توليسن جاوي في لغة الملايو) هو نظام كتابة مشتق من الأبجدية العربية، وتكتب به لغة الملايو في ماليزيا وإندونيسيا وبروناي وسنغافورة واقليم فطاني (في أقصى جنوب تايلاند على الحدود الماليزية) وكذلك اللغة التوسوكية ( نسبة إلى شعب أرخبيل سولو في الفلبين).

ويؤكد العديد من المؤرخين أن الكلمة “جاوي” قد جاءت من التسمية التي أطلقها العرب على شعوب الملايو منذ القرون الأولى لدخول الإسلام إلى أرض الملايو، حيث إن كلمة “جاوي” اسماً منسوباً جاء للدلالة على النسبة لكل ما ينتمي إلى “جاوة” وهي منطقة جغرافية، وكان العرب استعملوا كلمة “جاوة” للدلالة على كامل منطقة جزر الملايو وربما عمموها على كل منطقة جنوب شرق آسيا في بعض الأوقات، وتقتصر تسمية جاوة “Java ” على إحدى الجزر الرئيسية التي تتكون منها جمهورية إندونيسيا.

يؤكد المفكر والفيلسوف الماليزي البروفسور محمد نقيب العطاس، وهو باحث في تاريخ دخول الإسلام إلى جزر الملايو ورئيس قسم الأدب في كلية دراسات الملايو في جامعة مالايا، بأن مصدر كلمة “جاوي” هو التسمية العربية لشعوب الملايو في الماضي، ويضيف أن هناك من يعتقد أن هذه الكلمة ربما اشتقت من الاسم السومطري “لاما الجاواة” “JavaDwipa” وهي مقاطعة جنوب شرق آسيوية في القرون المبكرة، ويدعم الرأي الأول العديد من الملاحظات المكتوبة من قبل مؤرخين عدة بينهم مؤرخين عرب في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي.

حروف النظام الجاوي

يكتب الخط الجاوي من اليمين إلى اليسار، ويتكون من الأبجدية العربية إلى جانب إلى 6 رموز إضافية بما يتلاءم مع النظام الصوتي للغة الملايو وهي (ڤ،  ۏ ، گ ، ڽ،  ڠ ، چ) التي تقابلها الرموز اللاتينية التالية ( c, ng, nya, g, v, p ):

  • الـفاء المثلثية أو فاء مع ثلاث نقاط (ڤ): حل محلها الرمز المالايوي اللاتيني (P)، وكما هو معلوم لا يوجد في العربية مقابل لهذا الصوت، غير أن بعض دور النشر تستعمل الفاء المثلثية لكتابة الأصوات الأجنبية أحياناً.
  • حرف الواو وفي أعلاه نقطة (ۏ) ويقابله في النظام اللاتيني (V).
  • حرف الكاف العربي وفوقه نقطة أو شرطة أحيانا (ڬ / گ)، ويقابله في نظام الكتابة المالايوي اللاتيني الرمز (G)، وهي أشبه بالقاف المعقودة في اللغة العربية (قاف ممتزجة بالكاف).
  • حرف النون مع إضافة نقطتين إلى النقطة لتصبح ثلاث نقاط (ڽ)، ويقابله الرمز اللاتيني (nya).
  • الغين العربية مضافه إليها نقطتين إلى النقطة الأصلية لتصبح ثلاث نقاط (ڠ ) ويقابله الرمز المالايوي-اللاتيني (ng).
  • جيم مضافا إلى نقطة نقطتين (چ )، ويرمز له بالرمز اللاتيني (c)، وتنطق (تشا).

وواجه علماء الملايو تحديات كبيرة في محاولات تعديل الكتابة العربية لتصبح ملائمة للغة الملايو الكلاسيكية حتى انتشر الحرف الجاوي، وأصبح مألوفاً للمجتمع، وأستخدم في تلقي التعاليم الدينية وقراءة آيات القرآن الكريم بيسر. ومن هنا، أخذ الحرف الجاوي يتطور بتدرج.

يقول البروفسور محمد نقيب العطاس، وهو صاحب فكرة أسلمة المعرفة: “جاء الحرف الجاوي نتيجة لتطوير حروف الكتابة العربية والإضافة إليها بما يتلاءم مع لغة الملايو وبهدف تسهيل عملية التعليم والتعلم، فعلى سبيل المثل، الرمز Ga (ڬ) يتكون من حرفين عربيين هما (ك) و (ج)”.

تاريخ الحرف الجاوي في جزر الملايو

وفق العديد من الباحثين، فقد بدأت نشأة الخط الجاوي بعد انتشار الإسلام في هذه المنطقة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي، وتطور هذا النظام مع تزايد الاهتمام بالتعاليم الإسلامية، وانتقال المسلمين في هذه المنطقة من مرحلة التوحيد والاهتمام بالعقيدة إلى مرحلة الاهتمام بمختلف العلوم الإسلامية المتنوعة ومن بينها الحديث والفقه.

وبلا شك، فقد عرف شعب الملايو اللغة العربية قبل أن يتعلموا الحرف الجاوي، وذلك بسبب بدخول وانتشار الإسلام إلى أرخبيل الملايو من خلال قدوم التجار والعلماء العرب والمسلمين الذين جلبوا معهم القرآن المكتوب بالعربية. ولأن العربية هي الوسيلة الأساسية لتعلم القرآن وعلومه، فقد تزايد الاهتمام بها ابتداء من تعلم كلمات القرآن وانتهاء بتعلم قواعد التجويد. وأصبحت العربية أكثر جاذبية لاستخدامها في الترنم والإلقاء بأصوات شجية بما يؤثر على الحالة الروحية والبدنية للشخص.

وفي مرحلة لاحقة، أصبح التعليم الإسلامي للأطفال خصوصا “تلاوة القرآن” مكوناً مهماً في ثقافة مجتمعات الملايو وغيرهم من المجتمعات الإسلامية في المنطقة، بينما اصبح القرآن الكريم هو المصدر والمرجع الرئيسي للمسائل التي تتعلق بالدين والحياة الإسلامية.

وتعلم شعب الملايو الكتابة بالحرف الجاوي بصورة سريعة نظراً لعدم وجود أي أنظمة كتابة أخرى، وكان الحرف الجاوي هو وسيلة الكتابة الوحيدة في ذلك الحين، إضافة إلى أن كتابة المعاملات التجارية مع التجار الأجانب، كالاتفاقيات، والوثائق، والموافقات التجارية، والمراسلات مع الحكومات الرسمية، قد أضحت تستخدم الحرف الجاوي، ولذلك كان من الضروري إجادة الكتابة بالحرف الجاوي. وكان التجار الأوروبيون والصينيون والهنود الذين يأتون إلى جزر الملايو يستعملون لغة الملايو كوسيلة للتواصل والتجارة، وبالتالي كان لا بد لهم أيضاً من التعرف على الحرف الجاوي.

وبدأ اهتمام الباحثين الغربيين بالكتابة الجاوية في جزر الملايو منذ القرن السادس عشر ميلادي، عندما قام العديد من المتخصصين الهولنديين بالبحث، ثم لحقهم عدد من الباحثين البريطانيون وغيرهم من الباحثين الأوروبيين المرتبطين بالقوى الاستعمارية في أرخبيل الملايو، وكان هدفهم الرئيسي هو محاولة فهم طريقة تفكير هذه الشعوب وأنماط حياتهم بما يسهل لهذه القوى الاستعمارية إدارة وحكم هذه المقاطعات. وأهتم مثل أولئك الباحثين بالمخطوطات الجاوية المتعلقة بالدراسات الإسلامية لكونها هي الأساس للدراسات الملايوية والأدب في أرخبيل الملايو.

وبدأت لغة الملايو مع دخول الإسلام وبصورة مستمرة باستعارة الكثير من المفردات العربية، وتحويرها بما يتناسب مع النظام الصوتي للغة المايو. وكان العرب عرفوا الورق المستورد من الصين في القرن السابع الميلادي، وبعد ذلك بدأ نقل تقنيات صناعة الورق من الصين إلى العالم الإسلامي في العام 794م عبر سمرقند وتأسيس مصانع الورق في بغداد التي انتشرت لاحقاً في مدن إسلامية أخرى.  وهذا بدوره أدى إلى تزايد أنشطة الكتابة والترجمة بين المسلمين بصورة عامة. وفي فترة الخلافة الإسلامية (813-833م)، تطورت حركة الكتابة والترجمة إلى درجة كبيرة مع تأسيس بيت الحكمة في بغداد في العهد العباسي. أما صناعة الحبر وهو مادة أساسية إلى جانب الورق فقد، عرفها العرب منذ نزول القرآن من خلال التجار المصريين.

وعندما قدم التجار والدعاة العرب والفرس إلى جنوب شرق آسيا، كانو يحضرون معهم الورق والحبر إلى هذه المنطقة لأغراض تجارية بدرجة رئيسية. وإلى جانب العرب والفرس، قام الهولنديون والبرتغال والإسبان باستيراد الورق إلى المنطقة في القرن السادس عشر. ثم بدأ استيراد الورق من أوروبا. وكان الورق قبل ذلك سلعة نادرة من الصعوبة الحصول عليها في جنوب شرق آسيا نظراً لعدم وجود مصانع للورق بحسب المؤرخ الملايوي الشهير نور الدين بن علي الريناري في كتابه “بستان السلاطين”.

أقدم النصوص المكتوبة بالحرف الجاوي

عثر على نقش يحتوي على نص بلغة الملايو الكلاسيكية بالحرف الجاوي في منطقة كوالا بيرانغ في ولاية ترينغانو شرق ماليزيا يعرف بـ “نقش باتو برسورات”، ويعود إلى 4 رجب 702هـ الموافق 22 فبراير 13030م وفق المعلومات المدونة على النقش في “متحف كوالالمبور الوطني” حيث يتم عرضه للزوار. ويعتبر نقش تيرنغانو أحد أقدم الأدلة على تاريخ دخول الإسلام وتحوله إلى دين رسمي في المنطقة. والنقش عبارة عن إعلان أصدره حاكم المنطقة في ذلك الحين سري بادوكا توان Seri Paduka Tuan وفيه يحث رعاياه على نشر وخدمة الإسلام، ويحتوي على عشرة بنود من قوانين الشريعة الإسلامية.

نقش “باتو برسورات ترينغانو” الذي يعتبر أحد أقدم النقوش المكتوبة بالحرف الجاوي، وهو عبارة عن إعلان أصدره حاكم المنطقة في ذلك الحين سري بادوكا توان، ويحتوي على عشرة بنود من قوانين الشريعة الإسلامية.

 

أقدم الكتب المخطوطة بالحرف الجاوي

يقول البروفسور محيي الدين الحاج يحيى، أستاذ اللغة العربية والحضارة الإسلامية في جامعة السلطان شريف علي في سلطنة بروناي، في ورقة علمية بعنوان “المخطوطات الجاوية: تاريخها، ودورها في أرخبيل الملايو”: “بدأ تأثير العربية في هذه الجزر مع قدوم الكثير من الدعاة والتجار العرب وانتشار الإسلام وخاصة في القرن السابع الميلادي، وبحكم أن العربية هي لغة القرآن، وبغرض التعليم وفهم القرآن والكتب الإسلامية، بدأ المتخصصون في علوم الدين كتابة وترجمة القرآن والكتب الدينية من العربية إلى لغة الملايو، وهنا ولدت المخطوطات الجاوية التي تعتمد نظام كتابة مشتقاً من العربية سمي بالخط الجاوي أو توليسن جاوي في لغة الملايو (Tulisan Jawi)”.

ويعد كتاب “عقائد النسفي” لمؤلفه المؤرخ الشيخ نورالدين الريناري من أهم المخطوطات المكتوبة بالحرف الجاوي، والريناري مولود في إقليم كجراتي في الهند لعائلة من أصول عربية حضرمية (توفي سنة 1658م)، أما الكتاب فهو ترجمة لكتاب “العقائد” لأبو حفص عمر بن محمد النسفي (1068-1142م). وكان لهذا الكتاب دور محوري في إيصال المعرفة الإسلامية للناس في أرخبيل الملايو في ذلك الزمان وفق تعاليم وعقيدة أهل السنة والجماعة وفرقة الماتريدية.

نسخة من كتاب (Undang-Undang Melaka) أو “قوانين ملاكا”، ويعتبر الكتاب جزءاً من نظام العدل في سلطنة ملاكا، كما يعتبر مصدراً تشريعياً  لسلطنات أخرى مثل جوهور وبيراك

 

حكايات الملايو

تعتبر مخطوطات حكايات الملايو أحد أهم مكونات أدب الملايو، كما إنها مرجع مهم يوضح تطور الكتابة بالحرف الجاوي، ومنها مخطوطة “حكايات ملوك ساباي” والتي تعتبر أقدم الكتب في أدب الملايو وتتضمن العديد من الأحداث التي حصلت بين عامي 1250 و 1350م وهي فترة الملك ميراه سيلو Merah silu والذي تحول إلى الإسلام وغير اسمه إلى مالك الصالح Malik Al-Salih . وكانت النسخة الأصلية من حكايات ملوك ساباي قد ظهرت في القرن السادس عشر، وهي أقدم المخطوطات في تاريخ الإسلام في نوسانتارا Nusantara (كلمة من اللغة الجاوية القديمة تطلق على أرخبيل إندونيسيا حالياً).

وهناك مخطوطة “حكايات الأمير حمزة” التي يقال أن بعض التجار قد قاموا بنقلها من الهند إلى سلطنة ملاكا، وتم نسخها بيد كاتب قصر سلطان ملاكا، وعندما ترجمت إلى العربية تغير عنوانها إلى “سيرة حمزة”.

وتتحدث حكايات الأمير حمزة عن سيدنا حمزة بن عبد المطلب ومقتله في معركة أحد، وتتضمن وصفا لحمزة، كما وصفت في المخطوطة الملحمة بصورة رائعة من جوانب مختلفة، ويبدأ احد فصول المخطوطة بالفقرة التالية: “بحكم قوة الأمير حمزة، كان بالإمكان سماع صرخاته على مسافة 18 ريح (من مقاييس المسافة قديمًا)، فإذا سمع النمر هذه الصرخات ركض هارباً، وإذا سمعها الجمل هاج، وإذا سمعها الخيل تخبط، وإذا سمعها خصومه وقعت السهام من أيديهم”.

أما “حكايات هانغ توا” فهي الأشهر عند عامة الناس في جزر الملايو، وتمثل ملحمة بطولية امتدت في كل مكان وفي كل وقت في فترة صعود وسقوط سلطنة ملاكا. وهانغ توا، وهو أحد أبطال الحرب، كان مقاتل ملايوي يدافع عن ملكه في حكم السلطان منصور شاه سلطان ملاكا في القرن الخامس عشر الميلادي. ويعتقد أن هذه الحكايات كتبت في القرن الثامن عشر، بينما ظهرت النسخة الكاملة في عام 1849م. وتتحدث “حكايات هانغ توا” عن عدد آخر من فرسان الملك مثل هانغ جيبات وهانغ كاستوري وهانغ لكير، وهانغ لكيو، الذين شاركوا هانغ توا في البطولات والملاحم الحربية للدفاع عن ملكهم. وهذه المخطوطة هي الأخرى كُتبت بالحرف الجاوي، وتعد أحد أهم المصادر فيما عرف بـ “مخطوطات الملايو”.

كما تحتوي “حكايات ميرونغ ماها وانغسا” والمكتوبة بالحرف الجاوي على أحداث تاريخية ابتداء من تأسيس سلطنة كدح (شمال غرب ماليزيا) وحتى دخول الإسلام في القرن الثاني عشر من قبل “ميرونغ ماها وانغسا” والذي يزعم أنه من احفاد الإسكندر الأكبر، وتحول اسمه بعد الإسلام في عام 1136م إلى مظفر سلطان شاه. كما تتحدث الحكايات عن غزو “قولا “الهندية لإقليم قدح.

صفحات من مخطوطة “حكايات هانغ توا”

التحول إلى استخدام نظام الكتابة اللاتيني

ظل نظام الكتابة الجاوي هو النظام الرسمي في منطقة الملايو حتى مرحلة الاستعمار الأوروبي عندما بدأ نظام الكتابة اللاتيني أو (نظام الكتابة الرومي Tulisan Rumi كما يسمى في لغة الملايو) يحل محل الحرف الجاوي الذي اقتصر استخدامه على الأغراض الدينية والثقافية. ومع قدوم الاستعمار البريطاني إلى هذه المنطقة، أصبح النظام اللاتيني هو نظام الكتابة المشترك للمنطقة ككل، وذلك بفعل تأثير السياسة الاستعمارية وتأسيس المدارس الأوروبية وإنشاء المطابع الحديثة التي تستخدم الكتابة اللاتينية.

وفي مرحلة ما بعد الاستعمار الأوروبي، تم اعتماد نظام الكتابة اللاتيني من قبل الحكومات الوطنية في ماليزيا وفي إندونيسيا. وسن البرلمان الماليزي في عام 1963 قانون اللغة الوطنية الذي يعتمد الحرف اللاتيني كنظام كتابة رسمي، مما اضطر بعض المتخصصين في العلوم الدينية الإسلامية إلى كتابة منشوراتهم الإسلامية بطريقة ثنائية (جاوي ولاتيني) لتلبية حاجات القراء. بينما قامت سلطنة بروناي بإعتماد الحرف اللاتيني كنظام كتابة رسمي إلى جانب النظام الجاوي.

الصحافة المكتوبة بالحرف الجاوي

وفق صحيفةThe star  الماليزية، فقد ظهرت العديد من الصحف والمجلات في مرحلة الاستعمار البريطاني والتي تستخدم الخط الجاوي، وتعتبر أولى المجلات الملايوية التي ظهرت بالخط الجاوي مجلة بستان العارفين، ومجلة الملايو وهي ثنائية اللغة (بلغة الملايو واللغة الإنجليزية) الصادرة في عام 1821م عن المبشرين المسيحيين في ولاية ملاكا.

ويؤكد الإعلامي الماليزي عبدالله بوقس، مدير مكتب وكالة كونا الكويتية في كوالالمبور، في حوار صحفي سابق أجريناه معه أن أول صحيفة ماليزية صدرت بلغة الملايو وتكتب بالحرف الجاوي هي صحيفة Jawi Peranakan الأسبوعية، وذلك في عام 1876م، وكانت تصدر من سنغافورة قبل انفصالها عن ماليزيا حتى أقفلت عام 1895م لانتقادها المستمر للسياسة الإنجليزية في البلاد خصوصاً فيما يتعلق بترسيم الاعياد الدينية، كما أصدر الملايويون بالحرف الجاوي العديد من الصحف الأخرى في ظل الوجود البريطاني، ومنها صحيفة الفجر عام 1877م، وصحيفة الشمس والقمر عام 1877م، وغيرهما من الصحف التي كانت تطبع في سنغافورة، وكان أغلب مالكوها ماليزيين من أصول عربية أو هندية.

وفي أوائل القرن العشرين، صدرت العديد من المجلات مثل مجلة Pengasuh، ومجلة Al-Imam، ومجلة Saudara، ومجلة Majlis، و Warta Malaya وغيرها من المطبوعات التي تُكتب بالحرف الجاوي وتهتم في الغالب بالمعارف الإسلامية.

ولا تزال صحيفة اوتوسان ملايو Utusan Melayu الصادرة عام 1939م مستمرة حتى يومنا هذا بالحرف الجاوي، وتعتبر أول صحيفة ملايوية يصدرها مجموعة من القوميين الملايويين من بينهم يوسف إسحاق الذي عُين فيما بعد كأول رئيس لسنغافورة.

نماذج لصحف ماليزية تطبع بالحرف الجاوي

الحرف الجاوي في الوقت الحاضر

استعمل الحرف الجاوي في كتابة كل المعارف والآداب المالايوية والكتب المترجمة وبدرجة أولى أستعمل لكتابة وترجمة التعاليم والمعارف الإسلامية مثل العقيدة والفقه والتفسير والحديث، لكن الحرف الجاوي اليوم يقتصر على التعليم الديني في المدارس الإسلامية وبدرجة محدودة جدا في ظل انتشار المؤلفات والكتب العلمية وحتى الدينية منها المكتوبة باللاتينية.

ولا يزال هذا النظام يستخدم في المناطق الماليزية ذات الكثافة الإسلامية مثل ولاية كيلانتان وترينغانو  وبرليس لأغراض دينية وثقافية وفولكورية كم اسلفنا، وكذلك لأغراض إدارية في كل من ولايات كيلانتان وكدح وبرليس وجوهور.

ويدرس فن الخطوط بالحرف الجاوي في المدارس على الرغم من اعتراض المؤسسات الصينية والتاميلية في البلاد على تدريس هذا الفن كمادة دراسية رسمية، كما نجد الكتابة بالخط الجاوي في اللوحات الإرشادية في الشوارع وأسماء الشوارع والمنشآت والمؤسسات إلى الحرف اللاتيني، وفي الإعلانات التجارية أحياناً.

إعلان تجاري يحتوي على الحرف الجاوي

خطاط ماليزي يمارس فن الخط بالحرف الجاوي 

محاولات إحياء الحرف الجاوي

استمر استخدام الحرف الجاوي في أرض الملايو كما سبقت الغشارة إلى ذلك حتى بدأ في الانحسار في مرحلة الاستعمار الأوروبي، وعلى الرغم من أنه قد أصبح عنصراً أساسياً في الهوية والثقافة الملايوية، إلا أن التغيير الجارف جعل الانتصار النهائي من نصيب الحرف اللاتيني، وفقد الحرف الجاوي دوره بالتدرج.

وجرت في العقود الأخيرة محاولات غير رسمية لإحياء الحرف الجاوي، كما تبذل بعض الجهود الأهلية والفردية لاستعادة هذا الحرفلجزء من دوره، إلا لم تكن تُدعم بقرار حكومي صارم في استعادة ترسيم هذا الحرف على مستوى البلاد، والبدء الفعلي في تدريسه، وكل ذلك يصعُب تطبيقه في ظل انتشار الحرف اللاتيني وكثرة المؤلفات والكتب العلمية والدراسية المكتوبة باللاتينية.

وظهرت العديد من المواقع على شبكة الإنترنت التي تقدم خدمة تحويل النص من الحروف اللاتينية إلى الحروف الجاوية والعكس أيضاً، لكنها لا تزال غير دقيقة في بعض الحالات، وأهم هذه المواقع هو ejawi.net.

ويقع اليوم على عاتق البلدان والمؤسسات الثقافية والأكاديمية العربية دور كبير في الاهتمام باللغة العربية بصورة عامة في بلدان جنوب شرق آسياء، ودعم أي جهود لإعادة إحياء الخط العربي في مجال تعليم المعارف الإسلامية. فعلى العكس من اللغتين الإنجليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات الأوروبية والغربية، لا تتوفر المناهج الدراسية المتكاملة لتعليم العربية وكتابتها لغير الناطقين بها.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.