عزلتي

بقلم/ نادر الشملاني*

يستوحش الكثير من الناس الجلوس بمعزل عن الآخرين، بل وقد يظنون بأن مُنيتهم قد دنت، أو قد يشعرون بأن الجميع أكثر سعادة وأُنسة منهم. وتراهم يقومون ويقعدون ولا يطيلون المكوث في نفس المكان.. يُتعبهم التفكير وكأنهم لم يُفكروا قط، أو وكأن العقل لم يتحرك وظل ساكناً ساكتاً لمدة عقود، وتراهم أيضاً يتنقلون من غرفة إلى غرفة بحثاً عما قد يساعدهم في تغيير نمط التفكير الذي أرهقهم وأتعبهم.

في قراءاتي المتواضعة عن العقل وقواعده، وجدت أن من أصعب المعارك التي قد يواجهها الأشخاص هي معركة العقل. لا يستطيع الشخص أحياناً أن يتحكم بطريقة التفكير نفسها، ولا يستطيع ايضاً أن فعل أي شيء يغير مسار التفكير.

العزلة يا عزيزي القارئ هي فن البقاء وحيداً. مهما طالت الساعات والأيام والسنين، لابد أن تأتي بك الحياة لتجلس وحيداً بمنأى عن المجتمع سواءً الصغير أو الكبير، القريب إلى قلبك أو البعيد. ويجب عزيزي القارئ أن تُتقن بعض المهارات التي قلّ من يتميّز بها ويعرفها جيداً. فالعزلة هي غذاء للروح والجسد والعقل. من خلالها تعرف صغائر الأمور من كبائرها. العزلة داء لكل وباء، وهي أيضاً حياة.

أباطرة الحياة (دعني أسمّيهم) ومن لهم صولات وجولات في هذه الحياة. كان لهم الدور الكبير في تغيير نمط الحياة التي نعيشها الأن. مهما كنت راغب بها أو لم ترغب. فأنت أُجبرت أن تستسلم لهم وتسلمهم حياتك.

ما يميّز هؤلاء الناجحين هو إتقانهم لفن العزلة. يعرف الناجح متى يعزل نفسه ليفكر ويخطط ويستثمر نفسه، وهذا أجدى الاستثمارات على الإطلاق. من خلال عزلته يستطيع أن يفكر بطريقة التفكير وايضاً ماهي نقاط القوة التي سيعززها، ونقاط الضعف في المقابل، والتي سيعمل على تحويلها إلى نقاط قوة.

أكثر من يستحق أن نشفق عليه هو ذاك الذي يتظاهر بالإلهاء بجلوسه مع الأصدقاء في (الاستراحة) لساعات.. لأن تجف عيونه وتنسدل جفونه ليذهب عائداً إلى منزله ليغط في نوم عميق دون الاكتراث لما حدث أو سيحدث غداً.

النجاح جميل يا عزيزي القارئ، وله مذاق لذيذ. يجعلك بلا قدرة في ترجمة مشاعرك. الإنجازات الشخصية سواء كانت صغيرة أم كبيرة لا تستطيع أن تصفها أو حتى تكتب عنها. فهي فوق الشعور وفوق الأحاسيس وفوق الفرحة أيضاً. فهي فرحة من نوع خاص.

في تاريخ 15  مارس من سنة 2018، كان يوم التخرج لمرحلة الماجستير في الإعلام الدولي من جامعة University of Bridgeport. لا أعرف ماذا حصل عندما نادى المنادي بأسمي ليناولني الشهادة يداً بيداً أمام جميع طلاب الجامعة. ولا أعرف ماذا حصل ايضاً عندما وطأت قدمي على (الستيج)، كانت خطواتي ثقيلة وسريعة بنفس الوقت. شعور مُتداخل يُصعب وصفه بكلمات وحروف وجُمل. إبتسامة وحزن في آنٍ واحد. يختلجني جميع الانفعالات في وقتٍ واحد. وما إن وصلت إلى رئيس الجامعة بينما عيني لم تغادره منذ أن سمعت أسمي، وهو يبادلني ابتسامة طفيفة على وجهه المتجعد وسحنته التي رسم (شغف العلم) نقوشه عليها.

ما إن وصلت أمامه، وأنا مبتسم ابتسامة خفيفة، ومددت له يدي اليمنى لأًصافحه، بادرني بالمصافحة وقال لي بصوت خافت (ألف مبروك)، استلمت الشهادة وكأني حاملاً طموحي وتعبي وشغفي بين كفوفي. سهر السنين العجاف، العزلة الطويلة التي توجّت بهذه الشهادة العظيمة، بُعدي لمسافات عن والدتي ووالدي وأخوتي وأخواتي، ها أنا أقف في أشرف المنصات في الولايات المتحدة الأمريكية وبيدي شهادتي. أنهيت مرحلة من حياتي بكل فخر، عانيت الأمرّين بسبب حلمي الذي كان لابد أن يتحقق بعد قدرة الله عز وجل. ثم وقفت أمام الملأ شامخاً رافع الرأس.

شكراً يا أيتها العُزلة الجميلة فقد غرفتُ من إيجابياتك الكثير. إنها تجعلك كيف تبقى وحيداً فتمنحك الفرصة لتبدع، وتُزهر.

عموماً نحن في فترة العزلة المنزلية. استفدت منها يا صديقي قدر المستطاع فأنا وأنت والجميع نعيش وقت ذهبي بل ماسي.. تستطيع أن تفعل كل شيء في هذه الدنيا.. وتحقق كل شيء حلمت به وكان مُبتغاك. رتّب أفكارك، تأهب لحياتك، ولا تنسى أولوياتك، فأنت من تسعد أولاً وأخيراً. وفي الختام، أتمنى لكم عزلة عميقة.

*متخصص في الإعلام الجديد