طوفان المعلومات المزيفة

نطالع كل يوم عشرات المعلومات المغلوطة والمزيفة، ومنها ما يتم اختلاقها عن قصد ومنها ما يتم خلقها وتداولها بغير قصد (عفوية)، وما يُسهل سرعة انتشارها هو استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، والوسائل الرقمية الأخرى مثل يوتيوب وغيرها من الوسائط والوسائل الأكثر شعبية بين الناس اليوم.

وبقدر ما أن نشر وإشاعة المعلومات المزيفة قد أصبح سهلا من خلال استخدام الوسائل الرقمية، إلا أنه -ولذات السبب- أصبح اليوم كشف زيف هذه المعلومات سهلا أكثر من أي وقت. عشر دقائق كافية لكشف زيف أي معلومة من خلال القيام ببحث سريع في شبكة الإنترنت باستخدام طرق مختلفة للتحقق من أي محتوى، ولكن ما يمكن تسميته بكسل السامع يسهل انتشار الإشاعة، ويطول عمرها، لأن لا أحد مستعد لبذل القليل من الجهد للتحقق وكشف الحقيقة.

وضعت شركة فيسبوك تصنيف لأي محتوى يتكون من 9 تصنيفات هي: زائف، زائف جزئياً، صحيح، عنوان مضلل، غير مؤهل، ساخر، رأي، خادع، بلا تقييم (وهذا التصنيف الأخير يقصد به الحالة الافتراضية قبل أن تجري جهات تدقيق الحقائق عملية تدقيق حقائق للمحتوى).

وفي الأشهر القليلة الماضية، انتشرت الكثير من المعلومات غير الدقيقة في ظل وجود أزمة كورونا، حيث تنتعش سوق الشائعات والإشاعات في الأزمات لاسيما الأزمات العالمية سواء كانت أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو حروب…الخ نظراً لكون الناس تعيش في حالة من التوتر والقلق، فيميلون لتصديق الأخبار الأكثر سلبية، كون طريقة تفكيرهم تقولبت على الرؤية السلبية للأحداث.

ومن هذه الإشاعات ما هو محلي ينحصر في إطار جغرافي محدد، ومنها ما هو ذات طابع عالمي، ينتشر في كل دول العالم، بعد أن يبدأ نشرها من خلال صحيفة صفراء مثلا، أو بواسطة أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتنوع هذه المعلومات المزيفة بين طبية، وصحية، وسياسية، واقتصادية، ودينية وغيرها، ومنها ما يأتي في شكل وسائط مرئية (فيديو)، ومنها ما يأتي في شكل مواد نصية مزيفة، ومنها ما يأتي مدعم بأرقام وإحصائيات وبيانات مزيفة، أو ترجمة أو دبلجة مزيفة.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن أحد أهم أسباب انتشار الإشاعة هو تناغم الإشاعة مع قناعات واعتقادات المجتمعات، فالإنسان بطبيعته يهتم بالخبر الذي يوافق فكره، ويتجاهل الخبر الذي يتعارض مع اعتقاده، وبما يعني أنه من السهل نشر الإشاعات المؤدلجة والمسيسة بين المتعصبين  للإيديولوجيا أو التيار السياسي الذي بُنيت على أفكاره الإشاعة، وهو ما يسمى بالتحيز الفكري.

ومن أمثلة المعلومات المضللة التي شاعت في العديد من الدول العربية في الأشهر القليلة الماضية، إشاعة مدعمة ببعض الوسائل المسموعة والمرئية تتضمن إدعاء بسماع صوت الحوت الأزرق. الحقيقة هي أن مصدر الأصوات التي تم تركيبها في مقاطع الفيديو هي مقاطع صوتية معدلة، علماً بأن أصوات الحيتان عبارة عن موجات صوتية يتعذر على البشر سماعها.

ومثال آخر ذي بعد سياسي/ديني هو انتشار أغنية صينية تظهر فيها فتاة صينية تقوم بالغناء والدموع تسيل على خديها، ويظهر في الخلفية مشاهد متنوعة للتعبير عن أزمة كورونا. انتشرت الأغنية مع تعليق بالعربية عليها يقول بأن عنوان الأغنية هو “لم نكن نعلم” وأن كلمات الأغنية هي اعتذار للمسلمين على ما بدر من الحكومة الصينية تجاه المسلمين من عرقية الايغور. والحقيقة أن الأغنية لم تذكر المسلمين على الإطلاق، وإنما تهدف لرفع معنويات أهالي مدينة ووهان المنكوبة “بؤرة الفيروس”، وتشد على أيديهم لرفع عزيمتهم لمواجهة الجائحة.

وأختم الأمثلة بمثال ثالث، نُشرت صورة للرئيس الصيني على أنه في مستشفى ووهان، ولا يرتدي كمامات في الصورة تأكيداً على الانتصار على الفيروس. والحقيقة هي أن هذه الصورة التقطت للرئيس الصيني أثناء زيارته لمجمع غوانغدونغ للطب والتكنولوجيا في عام 2018.

وفي هذه العجالة أجدها فرصة للإشارة إلى منصة عربية رائدة تستحق الإشادة في مجال التحقق من المعلومات، وهي “فتبينوا“، وتهدف إلى تنقية المحتوى العربي على  الإنترنت من الإشاعة والأخبار المزيفة والخرافات، وهي بذلك تقوم بدور مميز في صناعة عقليّة نقدية لدى القارئ العربي تتحرى كل شيء قبل نشره، وتؤكد على ضرورة السعي لمعرفة الحقيقة في كل المجالات العلمية، الاجتماعية، السياسية وغيرها من المجالات. تحية لصائدي الأخطاء في “فتبينوا”؛ زوروا موقعهم على الإنترنت.

والخلاصة من هذا كله هي أن المعلومات المزيفة تنتشر بسرعة كما تنتشر النار في الهشيم، وتضلل الكثير من الناس، بل وتتحكم في إحكامهم، وبالتالي فمن المهم التحقق من المعلومات والتحقق من مصادرها الأصلية لمحاربة ومكافحة المعلومات المضللة.

 

نماذج للمعلومات المضللة 👇:

هل تتساءل عن ماهية شبكات الجيل الخامس.. إليك كل ما تريد أن تعرفه

إعداد: سارة الجهني – زياد الدغاري @ZiadAldaghary 

أثار قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض قيود على شركة هواوي الصينية ثم إعلانه في الثاني عشر من أبريل 2019 عن بدأ سباق الجيل الخامس، ضجة كبيرة، ليس لدى أوساط المتخصصين والمهتمين بمتابعة عالم الأعمال فحسب، بل وصلت الضجة إلى شريحة كبيرة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين طرحوا الكثير من التساؤلات عن ماهية تقنيات الجيل الخامس 5G، وكيف ستغير حياتنا وكيف ستضعنا في عمق الثورة الصناعية الرابعة المستندة كلياً على التطور الرقمي.

فما هي شبكات وتقنيات الجيل الخامس، وما هي الابتكارات الجديدة التي ستظهر قريباً نتيجة لهذه الثورة الرقمية، وما هو إنترنت الأشياء IoT، وكيف سنكون متصلين بكل شيء في عصر الجيل الخامس.. هواتف ذات سرعة هائلة، وتحميل سريع للأفلام والموسيقى.. هذا ما تتوقعه أليس كذلك! نعم هذا صحيح، ولكن هذا مجرد جزء من القصة، فهي أكثر من مجرد سرعة عالية. إنها مفتاحا لاقتصاد الغد.. استعد لسماع أهم الحقائق التي لا تُصدق حول الجيل الخامس وكل ما تريد أن تعرفه!

ما هي تقنيات الجيل الخامس؟

هي تكنولوجيا شبكات خلوية جديدة، يمكنها نقل البيانات بسرعة أكبر بكثير من الجيل الرابع التي نستخدمها أنا وأنت الآن للاتصال بشبكة الإنترنت.

الجيل الخامس تجعلنا على موعد مع سرعة كبيرة ووقت استجابة أقل لنقل البيانات، مما يعني أن التطبيقات والخدمات التي تستخدمها، مثل الفيديو والفيديو شات، وألعاب الفيديو، ستصبح أسرع بكثير مما هي عليه اليوم.

يظهر في الصورة أجهز إرسال وضعت على بعض المباني في لندن لانطلاق تجربة تقنية الجيل الخامس

اتصال الإنترنت بسرعة كبيرة

لا تتسرع وتقول “نعرف ذلك مسبقاَ؟ فمن الواضح إن الجيل الخامس ستوفر سرعة مذهلة، لكن من المهم أن تعرف إلى أي حد تصل سرعتها مقارنة بالجيل السابق.. المثير للاهتمام أنها لا تقارن بالجيل الرابع.

سرعة الجيل الرابع المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت 19.42 ميغابت في الثانية تقريباً، بينما تكنولوجيا الجيل الخامس على الجانب الآخر يفترض أن تزودنا بسرعة تتجاوز هذا المقدار كثيراً حيث تصل إلى 5 غيغابت في الثانية. وهذا فقط ينطبق على أول مودم من الجيل الخامس الذي لا يزال في بداياته وسيشهد تطور في سرعته أكثر وأكثر.

وفق معايير أنظمة الاتصالات المتنقلة الدولية (IMT-2020) ، فإن معدلات نقل البيانات القصوى ستصل إلى 20 غيغا بايت في الثانية الواحدة.

ستكون شبكات الجيل الخامس حوالي أسرع من شبكات الجيل الرابع بحوالي عشرين مرة في المتوسط، مما يعني أنك ستصبح قادر على تنزل الفلم الأمريكي أفنجرز: اندجيم  (The Avengers:Endgame) خلال الوقت الذي يحتاج إليه البطل الخارق ثانوس (Thanos) ليقوم بفرقعة أصابعه. ووقت الاستجابة يمكن أن يصبح أقل من ميلي ثانية واحدة، مقارنة بحوالي 50 ميلي ثانية  بالنسبة للجيل الرابع.

أكثر قدرة بأضعاف

كما هو معروف الجيل الخامس لا يتعلق بالسرعة فقط، ولكنه يوفر قدرة إنترنت أكثر مما تتخيل، حيث سيكون بمقدور شبكات الجيل الخامس أن تدعم اتصال البيانات المتعددة بعد أن كانت غير ممكنة. عندما يتم اتصال شبكة الجيل الرابع إلى كمبيوترك المحمول وهاتفك، تجد أن السرعة تتباطأ، وهذا يعود إلى عدم دعم الجيل الرابع للأجهزة المتعددة في نفس الوقت. لكن شبكات الجيل الخامس ستضع حداً لهذه المشكلة، وسيكون بإمكانك مشاركة الشبكة من خلال جهازك المحمول وجهاز ابن عمك، وصديق ابن عمك وهكذا.. وبحسب معايير اتحاد الاتصالات الدولي، فإن شبكات الجيل الخامس بإمكانها دعم ما يصل إلى مليون جهاز في كل كيلو متر مربع واحد.

وأيضاً، ستسمح شبكات الجيل الخامس بنقل أي قدر من البيانات في طرفة عين. وهذا لأن شبكات الجيل الخامس تتمتع بوقت استجابة منخفض جداً. فإذا كنت بحاجة أن تشارك مهامك العملية مع مجموعتك وفريقك؟ لا داعي لأن تقلق بشان بطء الشبكة إطلاقاً.. صحيح أننا لم نقم بتجربتها بعد لكننا شعرنا بالسرعة المذهلة من الأرقام التي يطرحها الخبراء.

لن يكون ثمنها زهيداً

نعم، من المتوقع أن تكون تكاليف شبكات الجيل الخامس باهظة للعديد من السنوات القادمة نظراً لهذه السرعة العالية والمميزات الساحرة.

 وسبق أن التزمت شركة سبرنت بإطلاق خدمات جوال الجيل الخامس في النصف الأول من العام 2019 بأسعار عالية نوعاً ما، ويتوقع أن ترتفع باقات البيانات للجيل الخامس إلى 20-30 دولار أمريكي.

ولك هواتف الجيل الخامس في المقابل ستكون قادرة على تنزيل فيلم ثلاث الأبعاد في غضون 6 ثواني أي قبل أن تزل قبعتك من على رأسك، بينما نفس الفيلم سيستغرق تنزيله 6 دقائق في هواتف الجيل الرابع وبالتالي فالسرعة العالية قد تعني تكلفة عالية بكل تأكيد.

ومن المتوقع أيضاً أن تشهد أسعار الإنترنت للجيل الخامس انخفاض عندما تنطلق خدماتها في البداية، ثم تصبح شبه ثابتة مع الوقت من وجهة نظر اقتصادية أخرى.

لست فقط للهواتف

لا ينبغي أن تحصر اهتمامك بشأن الأجهزة الذكية فقط، لأن الجيل الخامس سيقودنا إلى ابتكارات أخرى كثيرة ومنها السيارات الذكية ذات المميزات الرائعة، وستظهر السيارات ذاتية القيادة والتي يمكنها التواصل مع العالم بطريقتها الخاصة خصوصاً إن قدرة الإنترنت ستصيح عالية ووقت استجابته ستنخفض بشكل كبير. ولذلك، فمن المكن جداً أن تصبح السيارات قادرة على التواصل مع محيطها بسرعة عالية.

وليس فقط السيارات ستتطور بفضل الجيل الخامس، ولكن هناك الكثير من التحولات التي ستحدثها شبكات الجيل الخامس على كل جهاز اتصال على وجه الأرض تقريباً. والمنتجات الأخرى مثل سماعات الواقع الافتراضي، والأجهزة المنزلية الذكية، وأجهزة الحاسوب وغيرها ستتطور بوتيرة متسارعة بتأثير الجيل الخامس. ومثال على ذلك، فإن عدّاد الخطوات التي تخطوها أثناء المشي سيصبح منتج قديم، وستتيح شبكات الجيل الخامس لأجهزة “الفيت بيت” والساعات الذكية أن تتبع نظام تحديد المواقع الخاصة بك بطريقة فورية في الوقت الفعلي.

ونفس الشيء، فإن تقنيات الواقع الافتراضي VR والواقع المعززAR  ستتطور نتيجة لظهور الجيل الخامس. يتعامل الناس اليوم مع الواقع الافتراضي والواقع المعزز من خلال ألعاب الفيديو مثل بوكيمون لكن الاعتماد عليها لا يزال محدود النطاق. والجيل الخامس هو الخيار الوحيد لفتح الأبواب على مصراعيها لخلق تحول كبير في هذه التقنيات.

إننا بصدد الانتقال إلى “عصر ما بعد الهاتف”، والآلات ستصبح قادرة على التواصل مع بعضها البعض، ولن يكون من الضروري التواصل عبر شبكة تزدحم فيها المعلومات التي ترسلها الآلات بل سيكون تواصل سلس وسريع.

وحسب التقديرات، فإن 29 بليون جهاز ستكون متصلة مع بعضها فبحلول عام 2021، ومن ضمن هذه الأجهزة أجهز الاستشعار المستخدمة في الروبوتات ومصدات العربات والنوافذ والملابس والأجهزة المنزلية وبصفة عامة كل شيء تقريباً، وهو ما يمكن أن نسميهMachine-to-Machine Communication بدون واي فاي آو بلوتوث.

معدات قامت شركة الاتصالات اليابانية إن تي تي توكومو بتركيبها لتجربة شبكات الجيل الخامس في المناطق الحضرية في اليابان

تكنولوجيا ساحرة

في فيديو لشركة “تي موبايل” عن الواقع المعزز   ARفي عام 2020، راكب دراجة هوائية  يتحاشى حادث اصطدام بعد أن تلقى إشعار من شاشة التنبيه الافتراضية بأن شاحنة دفع رباعي تقترب منه بسرعة من الخلف، ورجل آخر يحاول تجربة ملابس في متجر ليس بلبسها فعلياَ ولكن برؤية كيف يمكن أن يبدو هو من خلال فيديو يعرض على شاشة.

هل أحتاج إلى هاتف جديد؟

نعم.. ويتوفر اليوم أول مجموعة من أجهزة الجيل الخامس والتي يمكنك شراءها، وسبق ان قامت بعض شركات صناعة الهواتف الذكية مثل “سامسونغ” و”موتورلا”بطرح هواتف ذكية بتكنولوجيا الجيل الخامس، ويتوقع أن تحذو “آبل” حذوهما قريباً ولكنها قررت أن تأجل تصنيع هواتف الجيل الخامس حتى يحين الوقت المناسب. ولذلك، يمكنك أنت أيضاَ أن تستخدم هاتفك الذكي بتكنولوجيا الجيل الرابع حتى يحين الوقت المناسب.

متى ستدخل حياتنا

الأخبار السيئة هي أن شركات تصنيع القطع لم تبدأ فعلياً بعد في صناعة ما يتلاءم مع الجيل الخامس. وتتطلب التقنية الجديدة نصب عدد كبير جداً من محطات الشبكات اللاسلكية الأساسية، وأجهزة إرسال قصيرة المدى، لتوفير نفس التغطية الجغرافية التي توفرها شبكات الجيل الرابع.

من ناحية فنية، تكنولوجيا الجيل الخامس أصبحت موجود في الواقع، ولكنها بحاجة للخضوع لمزيد من الاختبارات والتطوير وتطوير بنية الاتصالات قبل تطبيقها. وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي أن نتوقع أن تبدأ شبكات الجيل الخامس في الاستخدام الفعلي إلا بعد عام أو عامين من الآن.

سبق أن أطلقت شركة فريزون الجيل الخامس في خمس مدن مثل هيوستن، لوس أنجلس، سكرامنتو، انديانابوليس. لكن هذه الشبكات ليس هي نفس شبكات الجيل الخامس التي يتحدث عنها الجميع. ولذلك فمن المتوقع أن لا تصبح خدمات الهواتف المحمولة من الجيل الخامس في متناول اليد حتى العام القادم أو الذي يليه على أقل تقدير.

كما قامت شركة AT&T بتجربتها الأولى على شبكات الجيل الخامس في شهر سبتمبر من هذا العام في محاولتها لإطلاق خدمات الجيل الخامس الخلوية في 12 مدينة كمرحلة أولى لكون إنشاء هذه الشبكات يستغرق وقتاً كبيراً. والمدن المختارة ستكون محظوظة لتجربة هذه الخدمات قبل غيرها من المدن التي ينبغي عليها الانتظار عدة سنوات أخرى لاستخدام هذه الشبكات الرائعة.ويتوقع أن تمتلك شركة AT&T على سبيل المثالشبكات الجيل الخامس في حوالي 20 مدينة أمريكية بمرور عام.

 بينما قالتا شركة “تي موبايل” وشركة “فريزون” في وقت سابق بأنهما سيبدأن العمليات التشغيلية هذا العام أيضاً. وهناك أربع من شركات الشبكات اللاسلكية على الأقل ستقدم تغطية للجيل الخامس في العديد من مدن العالم في 2020، ومن ضمنها مدينة اتلانتا، ودنفر، وواشنطن. وبلا شك ستكون التغطية داخل المدن محدودة في البداية، ولا تتمكن من الوصول إلى الشبكة إلا أحياء معينة.

 وفي المملكة المتحدة، العديد من الشبكات تقدم خدمات الجيل الخامس في عدد من المدن المختارة ومن ضمنها لندن وكارديف.

وتخطط كرويا الجنوبية لامتلاك شبكات الجيل الخامس بحلول العام القادم، ولذلك فمن المحتمل أن يشهد العام المقبل قدوم شبكات الجيل الخامس في الولايات المتحدة واليابان والصين وكوريا الجنوبية. وحتى تحين هذه اللحظة،  دعونا نكون سعداء باستخدام الشبكات الجيل الرابع.

فني من شركة هواوي يقوم بفحص الكابلات أثناء تجربة معدات الجيل الخامس في لندن في مارس 2019

تكنولوجيا واعدة

ستحدث هذه التكنولوجيا ثورة جذرية في الأعمال التجارية من الزراعة إلى التصنيع. ومالكي المصانع سيتمكنون من استخدامها للتحكم في الروبوتات، والمزارعين سيتمكنون من استخدامها في متابعة الجرارات الذكية وذاتية التحكم، وصانعي السيارات يرونها أنها واعدة في تطوير السيارات ذاتية القيادة، حيث ستتواصل العربات مع بضعها البعض وتتبادل المعلومات عن أحوال الطرق والمخاطر وغيرها. ومثل غيرها من التقنيات الرائدة، تعدنا شبكات الجيل الخامس بإطلاق موجة من الشركات الناشئة والخدمات الجديدة المبتكرة غير المتوقعة.

خطر على الخصوصية

لا يزال دعاة وأنصار الخصوصية قلقين من أن تسهل شبكات الجيل الخامس لدوائر تطبيق القانون وغيرهم متابعة ومراقبة أماكن تواجد الشخص وتحديدها بدقة بحكم اتصال الهادف بخلايا متعددة. كما إنهم قلقون بشان إمكانية تطوير برامج التعرف على الوجوه. ومع ذلك، فإن نظريات المؤامرة المنتشرة والتي تدعي أن هناك رابط بين إشارات شبكات الجيل الخامس والسرطان لا تستند على أي أساس علمي إلى حد الآن.

إمكانيات مرعبة

يعتقد أن مستقبل التكنولوجيا اللاسلكية يحمل لنا وعد بالاتصال الشامل، لكنه قد يجعلنا أيضاً معرضين للهجمات الإلكترونية والمراقبة.

ويعتبر عملاق الاتصالات الصيني، هواوي، هو القائد العالمي لتكنولوجيا الجيل الخامس، مما يجعل إدارة ترمب تعلن بدء السباق في هذا المجال من خلال وضع العراقيل لهواوي وتحد من نشاطاتها في تطوير صناعة الجيل الخامس، ويتوقع بعض الخبراء أنه في حالة تمت عرقلة هواوي فإن ظهور شبكات الجيل الخامس بصورة فعلية سيتأخر عدة سنوات أخرى لكونها الأكثر تقدماً في هذا المجال.

وقد وضعت الولايات المتحدة شركة “هواوي” على قائمة سوداء للتصدير مستندة على ما قالت إنه تهديد متعلق بالأمن القومي، ووفق هذا القرار منعت الحكومة الأمريكية الموردين الأميركيين من البيع لأكبر شركة في العالم لصناعة أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية وصانع الهواتف الذكية رقم 2 دون حصول المورد الأميركي على موافقة مسبقة.

يهدف الحظر الأمريكي على هواوي إلى عدم استخدام تجهيزات هواوي في الشبكات ذات الحساسية الأمنية، ولكن بعض المراقبين يعتقدون أن واشنطن قد تكتفي في وقت لاحق بمنع شركات الاتصال الأميركية من استخدام تجهيزات هواوي للجيل الخامس، وبذلك يمكن أن ترفع الحظر الكامل وتعود الأمور إلى مجاريها بالنسبة لاستثمارات هواوي في مجال الهواتف الذكية.

الشركات الغربية بحاجة لهواوي

حذر رئيس شركة “فودافون” من أن منع هواوي سيؤدي إلى تأخير تبني تقنية الجيل الخامس لمدة عام على الأقل، وبتكلفة أعلى بكثير. الفكرة هي أن هواوي تُنافس الشركات الغربية من حيث القدرة والإمكانيات بمجال تجهيزات الجيل الخامس، ويمكنها تنفيذ المشاريع الضخمة بمهارة وتكلفة أقل.

ببساطة عدد الشركات القادرة على تركيب شبكات الجيل الخامس قليل نسبيا، أي أن الطلب أكثر من العرض أساسًا حتى مع وجود هواوي. وشركات الاتصال العالمية تُريد تركيب وتشغيل شبكات الجيل الخامس قبل مُنافسيها كي تكون رائدة في هذا السوق، وهي لا تحتمل أية تأخير.

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الإيكونومستEconomist  فإن أوروبا تحقق أرباحا كبيرة من تجارتها في السوق الصينية، وإن ازدهار شركات الاتصال الأوروبية لن يُعوّض ما قد تخسره أوروبا لو قررت الصين الرد بحرب تجارية معها.

ناهيك عن أن استبعاد هواوي سيؤخر طرح الجيل الخامس في أوروبا المُتخلفة أصلًا بما يُقدّر بحوالي 3 إلى 4 سنوات عن الولايات المتحدة. كما قالت صحيفة الإيكونومست بأن المنع الكامل لهواوي في أوروبا سيكون كارثيا لأن حوالي 200 مُشغّل للجيل الرابع في القارة يعتمدون تجهيزات هواوي، ومنع الشركة يعني إيقاف صيانة وتحديث هذه التجهيزات.

هل هي آمنة صحياَ؟

الأشهر الماضية، سجلت أول إصابة يعتقد أنها حدثت بتأثير الجيل الخامس، حيث قامت المجلة السويسرية الناطقة باللغة الفرنسية “المصور” بنشر تقرير صحفي بعد مقابلة العديد من الناس من سكان جنيف بعد إطلاق شبكة للجيل الخامس في مواقع معينة، وحذرت فيه من المخاطر والإصابات، وقالت بأن الساكنين أبلغوا عن ظهور بعض الأعراض الصحية المتشابهة في نفس المواقع.

قانونية لكنها غير آمنة

وتابعت المجلة السويسرية طرح الأسئلة حول القضية وقالت: حالما تم تركيب الهوائيات، العديد من الساكنين والعائلات في قلب مدينة جنيف قم بالإبلاغ عن أعراض متشابهة وغير مألوفة مثل الطنين العالي في الأذن، والصداع الحاد، وآلام حادة في الأذن، والأرق، وآلام في الصدر، والإرهاق والشعور بالتعب في المنزل.. جون بيروتشود 29 سنة، أحد القاطنين في جنيف، أتصل على شركة الاتصالات سويس كوم، وتأكد بأن الشركة قد قامت بتفعيل أبراج الجيل الخامس في نفس اليوم الذي بدا فيه يشعر بهذه الأعراض، لكن الشركة أكدت بأن كل الإجراءات قانونية وحسب اللوائح المتبعة.

دعوات إلى إيقافها

د. بيرتاند بوتشز دعا في التقرير الصحفي المذكور إلى تعليق نشاط شبكات الجيل الخامس، وصرح بأنه قابل العديد من المرضى يعانون من أعراض متشابهة، وفي هذه الحالة فإن السلطات تجازف بالتعرض لكارثة في بضع سنوات.. وأضاف: لا يوجد دراسة جادة بعد وهذا ليس بمستغرب طالما نعرف أن هذه التكنولوجيا قد طورت في الصين، ثم بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سويسرا، يمكن أن نبدأ في استقبال الأشخاص الذين يشتكون من هذه الأعراض، وإخضاعهم للفحص، ويبدو إن تطرح هذه القضية للمناظرة وخاصة أن القصة ليست على وشك الانتهاء.

وأدلت شركة الاتصالات السويسرية “سويس كوم” بتصريح قالت فيه أن الجيل الخامس يخلق فرص جديدة للعملاء والأعمال التجارية على امتداد سويسرا، وستوفر شبكات الجيل الخامس اتصال سريع لملايين الواجهة والأشياء والناس.

أعراض التسمم الإشعاعي اللاسلكي

هذه القصص تماثل قصة آن ميلز، مؤلفة كتاب “All EMF’d Up” المتخصص في المجال الإلكترومغانطسي، والتي عانت من التسمم الإشعاعي اللاسلكي في ألمانيا عندما كان زوجها هناك بغرض العمل، وكتبت في مذكراتها أعراض متطابقة لتلك التي ذكرها بعض سكان جنيف. وكما جاء في مجلة المصور السويسرية، فمخاوفها مثل الآخرين في جنيف قوبلت بالرفض. وقامت آن ميلز بمراجعة الطبيب الألماني، د.هورست ايجر، لتأكيد أصابتها بهذه الأعراضالمتعلقة بإصابات الموجات الميكروية microwave والتي سبق مشاهدتها في طاقم عمل الرادار في الجيش وأولئك الذين يعملون في أبراج الموجات المكروية.

مستقبل واعد وآفاق رحبة

ستقودنا تكنولوجيا الجيل الخامس إلى ما يعرف بإنترنت الأشياء IoT حيث كل شيء يعمل عن بعد اليوم سيكون أمراً روتينياً، والجيوش ستطور أسلحة أسرع من الصوت، والسيارات ذاتية التحكم ستبحر بأمان على طول الطرق السريعة الذكية.

وتؤكد إحدى الدراسات بأن تكنولوجيا الجيل الخامس ستضخ 12 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2035، وستضيف 22 مليون وظيفة جديدة غلى السوق الأمريكية. 

ــــــــــــــــــــــــــ

*نقلاً عن مجلة “اليمامة”، العدد 2581، الخميس 31 أكتوبر 2019، ص10-15

 

كيف سيبدو العالم بعد جائحة كورونا؟ يجيب عن هذا السؤال 12 مفكراً عالمياً

 

ترجمة وإعداد: زياد أحمد الدغاري @ZiadAldaghary

على غرار أحداث كبيرة مثل سقوط جدار برلين أو انهيار “بنك ليمان براذرز”، فإن وباء كورونا يعد حدثاً مفصلياً لا يمكن أن  عواقبه على المدى البعيد. ومن المؤكد بأن هذا الوباء ومثلما أدى إلى القضاء على حياة الناس، وتعطيل الأسواق، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وكشْف كفاءة حكومات وفشل أخرى، فإنه سيؤدي إلى إحداث تحولات دائمة في القوى السياسية والاقتصادية بطرق ستكون واضحة للعيان في وقت لاحق.

ومن أجل فهم طبيعة التحول الذي نشهده مع ظهور هذه الأزمة، قامت مجلة فورين بوليسي Foreign Policy الأمريكية بطرح السؤال على عدد من أبرز المفكرين الرائدين وأساتذة الجامعات من جميع أنحاء العالم عن توقعاتهم المستقبلية لملامح النظام العالمي ما بعد جائحة كورونا، وهذا ما جاء في إجاباتهم:

 

عالم أقل انفتاحًا وازدهارًا وحرية

ستيفن م. والت   Stephen M. Walt

أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد الأميركية

 

 

 

 

سيؤدي وباء كوفيد-19 إلى تقوية نفوذ الدولة الوطنية، وتعزيز الاتجاهات القومية، وستقوم الحكومات بمختلف أنواعها بتبني إجراءات طوارئ تمكنها من إدارة الأزمة ما يمنحها سلطات واسعة ترفض التخلي عنها بعد انتهاء الأزمة.

كما أن كوفيد-19 سيُسرع تحول السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق، خصوصاً بعدما استجابت كوريا الجنوبية ونسغافورة بصورة جيدة مع الأزمة، بينما  كانت إستجابة أوروبا وأمريكا مع الأزمة بطيئة وعشوائية، مما أضر أدى إلى تشويه سمعة الغرب، وتشويه الهالة التي بنيت حول “العلامة التجارية” الغربية.

 الشيء الذي لن يتغير هو الطبيعة المتصارعة للسياسات الدولية، إذ أن الأوبئة السابقة –مثل الإنفلونزا الإسبانية عامي 1918 و1919 – لم تنهِ الصراع بين القوى العظمى، ولم تبشر بعصر جديد من التعاون العالمي، وكذلك كوفيد-19 لن يغير الكثير على هذا الصعيد. ولكن العولمة المفرطة ستشهد تراجعاً، لأن المواطنون سينتظرون الحماية من حكوماتهم الوطنية، في الوقت الذي تسعى فيه الدول والشركات إلى الحد من حصول انتكاسات مستقبلية.

وباختصار، سيخلق كوفيد-19 عالماً أقل انفتاحاً، وأقل ازدهاراً، وحرية. وعلى الرغم من الأمر لم يكن بهذا السوء، لكن ظهور فيروس قاتل، وتخطيط غير كافئ، وقيادة غير كفوءة، كله هذا قد وضع الإنسانية على مسار جديد ومثير للقلق.

نهاية العولمة التي نعرفها

روبين نيبليت Robin Niblett

الرئيس والمدير التنفيذي للمعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس)

 

 

 

سيكون وباء فيروس كورونا بمثابة القشة التي ستقصم ظهر العولمة الاقتصادية. لقد أثارت القوة الاقتصادية والعسكرية المتنامية للصين إجماعي سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية على منع الصين من الحصول على التكنولوجيا العالية ذات المصدر الأمريكي، وحقوق الملكية الفكرية، والضغط على الدول الحليفة لها للحذو حذوها في هذا الاتجاه. كما أن الضغط الشعبي والسياسي المتزايد المتعلق بتحقيق أهداف خفض أنبعاثات الكربون قد أثار التساؤلات حول اعتماد الكثير من الشركات على سلاسل الإمداد الطويلة، خصوصا أن أزمة كورونا اليوم قد أجبرت الحكومات والشركات والمجتمعات على تعزيز قدراتها على التعامل مع فترات طويلة من العزلة الاقتصادية الذاتية.

وفي هذا السياق، يبدو أنه من غير المرجح أن يعود العالم إلى فكرة “العولمة” التي عُرفت في مطلع القرن الحادي والعشرين. وبدون وجود ما يحفز على حماية المكتسبات المشتركة التي تتعلق بالتكامل الاقتصادي العالمي، فإن بنية الإدارة الاقتصادية العالمية التي نشأت في القرن العشرين معرضة للتدهور بصورة سريعة. مما سيتطلب الأمر من القادة السياسيين بذل جهود عظيمة للحفاظ على التعاون الدولي، وعدم الانزلاق في المنافسة الجيوسياسية المفتوحة.

ويستطيع القادة السياسيون أن يكسبوا رأسمالاً سياسياً من خلال إثباتهم لمواطنيهم بأنهم قادرون على إدارة أزمة كوفيد-19، لكن أولئك الذين سيخفقون في إدارة الأزمة سيواجهون صعوبة في إلقاء اللوم على الآخرين.

عولمة محورها الصين

كيشور ماحبوباني  Kishore Mahbubani

باحث في معهد آسيا للبحوث بجامعة سنغافورة الوطنية ومؤلف كتاب “هل فازت الصين؟

 

 

 

ليس من المتوقع أن يغير وباء كورونا من الاتجاهات الاقتصادية بصورة جذرية، ولكنه سيسرع التغيير الذي بدأ بالفعل والمتمثل في: الانتقال من عولمة محورها الولايات المتحدة الأمريكية إلى عولمة تتمحور أكثر حول الصين.

لقد فقد الشعب الأمريكي ثقته في فكرة العولمة والتجارة الدولية، وفي ال  مقابل فإن الصين لم تفقد ثقتها في فكرة العولمة. ولهذا مبرراته التاريخية العميقة، فالقادة الصينيون يدركون جيداً اليوم أن قرن الذل (1842-1949م) الذي عاشته الصين لم يكن سوى نتيجة تهاون قادتها وجهودهم غير المجدية لعزل البلد عن العالم.

ومن جهة أخرى، فالانتعاش الاقتصادي الذي عاشته الصين في العقود القليلة الماضية كان نتيجة للمشاركة والتعايش مع العالم. وقد مر الشعب الصيني بتجربة انفجار الثقة الثقافية التي جعلتهم يؤمنون بقدرتهم على المنافسة في أي مكان من العالم.

 ولذلك، وكما وثقت في كتابي الجديد “هل فازت الصين؟”، لدى الولايات المتحدة خياران: إذا كان هدفها الأساسي هو الحفاظ على تفوقها الدولي، يتعين عليها الانخراط في منافسة جيوسياسية صفرية مع الصين على المستويين السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، إذا كانت الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على رفاهية مواطنيها-الذين تدهورت حالتهم الاجتماعية- فلا بد لها من التعاون مع الصين. فالرأي الأكثر حكمة هو أن التعاون يعتبر الخيار الأفضل، وعلى الرغم من ذلك، فقد لا يسود مثل الرأي المعتدل في البيئة السياسية الأمريكية المعادية للصين.

خروج الديمقراطيات من قوقعتها

ج. جون إيكنبري   G. John Ikenberry

 أستاذ العلوم السياسية والدولية في جامعة “برينستون” الأميركية

 

 

 

 

على المدى القريب، فالأزمة تأجج الآراء والتيارات الساسية المتضاربة حول صواب استرتيجياتها في الغرب. سيرى القوميون ومناهضو العولمة، وجناح الصقور في الصين، وحتى الليبراليون الأمميون، أن الأحداث الجديدة تؤكد وجهات نظرهم. وبالنظر إلى الضرر الاقتصادي والانهيار الاجتماعي الذي يتكشف مع الأيام، لن يكون هناك خيار آخر سوى تصاعد الاتجاهات القومية، وتنافس القوى العظمى، وما إلى ذلك.

ولكن وكما هو الحال في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، قد يظهر تيار معاكس من المناصرين بشدة لسياسة التعاون الدولي أشبه بتلك التي بدأها فرانكلين روزفلت وعدد آخر من رجال الدولة قبل وأثناء الحرب العالمية، عندما أظهر كساد الثلاثينيات من القرن الماضي مدى ترابط المجتمعات الحديثة، ومدى ضعفها بالنسبة لما أسماه فرانكلين روزفلت بـسياسة “العدوى”.

ويعتبر المهددات الخرايجة من قوى عظمى على الولايات المتحدة الأمريكية أقل وطأة من القوى العميقة والحداثة، وهو أشبه بصراع شخصية دكتور جيكل ومستر هايد (رواية نُشرت للمرة الأولى عام 1886). ما قام به روزفلت ورجال الدولة في عهده هو بناء نظام ما بعد الحرب والذي يهدف إلى إعادة بناء نظام مفتوح مع أشكال جديدة من الحماية والقدرات اللازمة لإدارة الاستقلال. إذ لم يكن بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن تختبئ داخل حدودها، وكان لا بد لها من أن تعمل في نظام مفتوح لمرحلة ما بعد الحرب والتي تتطلب بناء بنية تحتية عالمية للتعاون بين أطراف متعددة.

ولذلك، فإنه من المحتمل أن تكرر الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الديمقراطيات الغربية نفس المسار الذي سلكه روزفلت، ولكن بحذر تحركه المخاوف من التعرض لمخاطر كبيرة، والتعامل مع هذا الأمر ربما كان قومي التوجه في البداية، ولكن وعلى المدى البعيد، ستخرج هذه الديمقراطيات من شرانقها لتجد نوعاً جديداً من النفعية البراغماتية.

أرباح أقل.. استقرار أكثر

 شانون أونيل Shannon K. O’Neil

أستاذ دراسات أمريكا اللاتينية في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)

 

 

 

سيؤدي وباء كوفيد-19 إلى تقويض المفاهيم الأساسية للتصنيع في العالم حالياً. وستعيد الشركات التفكير في تقليص سلاسل الإمداد متعددة الخطوات ومتعددة البلدان خصوصاً في تلك البلدان التي تهيمن على عمليات الإنتاج والتوزيع اليوم.

لقد تعرضت سلاسل الإمداد العالمية لانتقادات اقتصادية، بسبب ارتفاع أجور العمالة في الصين، والحرب التجارية التي أشعلها الرئيس دونالد ترامب، والتقدم في مجال الروبوتات، والأتمتة، والطباعة ثلاثية الأبعاد. كما تعرضت لانتقادات سياسية، نظراً لفقدان الوظائف في البلدان المتقدمة، خصوصاً في الاقتصاديات الكبيرة. وبالفعل فقد كسر كوفيد-19 الكثير من هذه الروابط، وأدى إغلاق المصانع في المناطق المنكوبة إلى حرمان شركات ومصانع أخرى ومال البيع بالتجزئة والتموينات والمستشفيات والصيدليات من المنتجات.

وعلى الجانب الآخر من الوباء، ستحاول الكثير من الشركات أن تعرف من أين تأتي إمداداتها، كما ستحاول أن تتبادل الخبرات لرفع كفاءتها. وستتدخل الحكومات أيضاً لإجبار الصناعات والقطاعات الإستراتيجية على وضع احتياطيات وخطط محلية بديلة. ستنخفض الأرباح في مقابل استقرار العرض.

للوباء فوائد

 شيفشانكر مينون   Shivshankar Menon

مستشار سابق للأمن القومي لرئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ

 

 

 

من المبكر الحكم على التغيير الذي سيصنعه هذا الوباء، لكن هناك ثلاثة أشياء تبدو واضحة: الأول هو أن الوباء سيغير السياسات، داخل كل دولة أو سياسات الدول فيما بينها. وتحول المجتمعات، بما في ذلك الليبراليون، يحدث نتيجة لتأثير سلطة الحكومة في بلد ما. والنجاح النسبي الذي ستحققه الحكومة في القضاء على الوباء وآثاره الاقتصادية إما سيؤدي إلى تفاقم أو إلى تقليص القضايا الأمنية داخل المجتمعات. وفي كلتا الحالتين، سيعود دور الحكومة بقوة أكبر، وتظهر التجارب أن القادة السلطويين والشعبويين لم يكونوا جيدين في التعامل مع الوباء. بينما البلدان التي تعاملت مع الوباء بصورة مبكرة وبنجاح، مثل كوريا وتايوان، فقد كانت ديمقراطية، ولا يتحكم فيها قادة سلطويون أو شعبويون.

ثانياً: لم نصل بعد إلى نهاية العالم المتصل والمترابط ببعضه، والوباء نفسه دليل قوي على مدى ترابطنا.

ولكن فيما يتعلق بالسياسة، فنحن بالفعل سائرون إلى الوراء وإلى الداخل للبحث عن الاستقلالية والسيطرة على مصائرنا. ونحن ذاهبون إلى عالم أصغر ولكن أكثر فقراً، وأقل وفرة من اليوم.

وفي الختام، هناك بوادر أمل، فالهند أخذت زمام المبادرة لعقد مؤتمر افتراضي لقادة جنوب آسيا لصياغة سياسة إقليمية مشتركة للتعامل مع التهديد. وإذا نجح الوباء في دفعنا إلى إدراك مصلحتنا الحقيقية في التعاون متعدد الأطراف بخصوص القضايا العالمية الكبرى التي نواجهها، فهو بذلك سيكون قد قدم لنا فائدة كبيرة.

الولايات المتحدة بحاجة إلى إستراتيجية جديدة

 جوزيف ناي  .Joseph S. Nye, Jr

مؤلف كتاب هل تساوي الأخلاق شيئاً؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب

 

 

في عام 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إستراتجية جديدة للأمن القومي تركز على المنافسة بين القوى العظمى. ولكن وباء كوفيد-19 يؤكد أن هذه الإستراتيجية لن تكون كافية للولايات المتحدة، فحتى إن نجحت في البقاء كقوة عظمى، فهي لن تكون قادرة على حماية أمنها بمعزل عن الآخرين.

لخص ريتشارد دانزج (سياسي أمريكي) المشكلة في عام 2018 حيث قال: “تقنيات القرن الحادي والعشرين هي تقنيات عالمية بطبيعتها ليس فيما يتعلق بتوزيعها فحسب، ولكن بالنسبة لآثارها وعواقبها.. فمسببات الأمراض، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وفيروسات الكمبيوتر، والمواد الإشعاعية التي قد تطلق عن طريق الخطأ ستكون مشكلة على الجميع.. ولذلك لا ب أن يكون الاتفاق على أنظمة وضوابط مشتركة، وخطط طوارئ مشتركة، ومعايير مشتركة، ومعاهدات هو وسيلة إدارتنا للمخاطر المشتركة والمتعددة”.

التهديدات العابرة للحدود مثل كوفيد-19 وتغيّر المناخ، ليست كافية للتفكير حول القوة الأمريكية السائدة على الأمم الأخرى، وسر النجاح يكمن في تعلمنا وإدراكنا لأهمية القوة بالتعاون مع الآخرين. كل دولة تضع مصلحتها الوطنية فوق كل اعتبار؛ لكن السؤال المهم هو كيف نعرف هذه المصلحة؟ وكيف نحدد إلى أي حد يتسع أو يضيق نطاقها؟ وكوفيد-19 يؤكد أننا قد فشلنا في بناء استراتيجيتنا للتعامل مع هذا العالم الجديد.

المنتصرون سيكتبون تاريخ كورونا

جون آلن   John Allen

مدير معهد بروكينغز، والقائد السابق للقوات الأميركية وقائد قوات تحالف “الناتو” في أفغانستان

 

 

 

كما يحدث دائماً، لإغن التاريخ سيكتبه المنتصرون في الأزمة. وبينما ستعاني كل دولة، وكل فرد، من الإجهاد المجتمعي لهذا المرض بطرق مختلفة. وبالتالي، ستدّعي بعض البلدان التي واجهت الفيروس باستخدام أنظمتها السياسية والاقتصادية وأنظمة الصحة العامة الفريدة بأنها قد نجحت على تلك البلدان التي تعاني من نتائج أكثر تدميراً. وسيدّعي البعض أن هذا انتصاراً عظيماً للديمقراطية، والتعددية، والرعاية الصحية الشاملة. وسيدّعي أخرون أن الأزمة تؤكد أن هناك فوائد للأنظمة الشمولية.

وفي كلتا الحالتين، فالأزمة ستغير بنية القوى الدولية بطرق لا يمكننا أن نتصورها اليوم،  وسيستمر كوفيد-19 في إضعاف النشاط الاقتصادي، وزيادة الصراعات بين البلدان.  وعلى المدى البعيد، من المرجح أن يقلل الوباء من القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا توقفت الكثير من الأعمال، وانفصل عنها بعض الأفراد من القوى العاملة. وخطر التفكك بهذه الصورة سيكون كبيرا بصورة خاصة للدول النامية وتلك الدول التي تضم اعداد كبيرة من العمالة. كما سيتعرض النظام العالمي لضغوط كبيرة، بما يؤدي إلى عدم الاستقرار واندلاع نزاعات واسعة داخل بعض البلدان او فيما بينها

مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية

لاوري غاريت  Laurie Garrett

كاتبة أمريكية حاصلة على جائزة بوليتزر في الكتابة الصحافية العلمية عن فئة الصحافة التفسيرية

 

 

 

الصدمة الحقيقية التي سيتعرض لها النظام الاقتصادي والمالي العالمي هي عندما يتضح أن سلاسل الإمداد العالمية وشبكات التوزيع معرضة بشدة للخلل. وبالتالي، فالوباء لن يترك آثاراً طويلة المدى فحسب، بل سيؤدي إلى تغييرات جوهرية.

سمحت العولمة للشركات بأن تمارس نشاطاتها في كل أنحاء العالم، وأن تقوم بطرح منتجاتها إلى الأسواق في الوقت المناسب بما يجعلها تتجاوز تكاليف التخزين، حيث يعتبر بقاء المخزونات في المستودعات لبضعة أيام بمثابة إخفاق في التسويق. كما ينبغي أن يكون الحصول على الإمدادات والقيام بشحنها وفق طرق عالية التنسيق. ولذلك، فقد أثبت كوفيد-19 أن مسببات الأمراض لا تصيب الإنسان فقط، بل تسمم كامل نظام الوقت المناسب (JIT) للإنتاج والتسويق.

 وعندما ننظر إلى حجم خسائر الأسواق المالية المرعبة التي شهدها العالم منذ شهر فبراير (شباط) الماضي، فمن المرجح أن تخرج الشركات من هذه الأزمة بقرارات حاسمة مفادها ضرورة إعادة بناء نموذج جديد لنظام الوقت المناسب (JIT). ونتيجة ذلك ستكون الدخول في مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية تكون فيها سلاسل الإمداد أقرب إلى المستهلك النهائي، وأكثر حماية من الاضطرابات المستقبلية. وهذا التغير قد يقلل أرباح الشركات على المدى القريب، لكنه سيجعل النظام بأكمله أكثر مرونة.

المزيد من الدول الفاشلة

ريتشارد هاس  Richard N. Haass

رئيس مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية، ومؤلف كتاب “العالم: مقدمة موجزة”، وكتاب “عالم من الفوضى

أعتقد أن فيروس كورونا سيؤدي –على الأقل لبضعة سنين- إلى توجه الحكومات إلى الداخل، والتركيز على ما يحدث داخل حدودها بدلاً مما يحدث خارج الحدود. ومن المتوقع أن يحدث المزيد من الاكتفاء الذاتي، وضعف سلاسل الإمداد، وتزايد المعارضين للهجرة الواسعة، وتراجع الرغبة أو الالتزام بمعالجة المشاكل الإقليمية والدولية ( بما في ذلك تغيّر المناخ) لتزايد الحاجة لاستخدام الموارد المتوفرة لمعالجة المشاكل المحلية، والتعامل مع الآثار الاقتصادية التي خلفتها الأزمة.

ومن المتوقع أيضاً أن تواجه الكثير من البلدان صعوبة في التعافي من آثار الأزمة، حيث قد تصبح سمة الدول الهشة والدول الفاشلة أكثر انتشاراً في العالم. ومن المرجح أن تساهم الأزمة في المزيد من التدهور في العلاقات الصينية-الأمريكية، وإضعاف التكامل الأوروبي. ومن الجانب الإيجابي، ستؤدي الأزمة إلى تطوير طرق إدارة الصحة العامة. وبشكل عام، ستضعف فكرة العولمة بدلاً من زيادة رغبة العالم في تعزيز قدرته على التعامل معها.

الولايات المتحدة الأمريكية تفشل في اختبار القيادة

كوري شايك  Kori Schake

نائبة المدير العام للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية

 

 

 

لن ينظر العالم إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها قائداً دولياً بعد الآن، بسبب نظرة الحكومة الضيقة لمصالحها، وضعف الكفاءة. حيث كان من الممكن تخفيف الآثار الدولية لهذا الوباء لو كانت المنظمات الدولية قد قدمت المزيد من المعلومات وفي وقت مبكر، والتي كانت ستوفر وقتاً إضافياً للحكومات للاستعداد وتوفير الموارد وتوجيهها في أماكنها المناسبة. وهذا أمر كان بالإمكان النجاج لو أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت أكثر تنظيماً، بدلاً عن الأنانية المفرطة.

لقد فشلت واشنطن في اختبار القيادة، مما جعل العالم أسوأ حالاً.

قوة الروح الإنسانية موجودة في كل بلد

نيكولاس برنس  Nicholas Burns

أستاذ بكلية هارفارد كينيدي للحكومة ، ونائب سابق للشؤون السياسية في وزارة الخارجية الأمريكية

 

 

 

يُعدُّ وباء كوفيد-19 أكبر أزمة عالمية في هذا القرن بالنظر إلى حجم وعمق آثاره. وتهدد أزمة الصحة العالمية 7.8 مليار نسمة على وجه الأرض. وستتجاوز آثار الأزمة الاقتصادية والمالية التي شهدها العالم جراء الأزمة المالية 2008-2009. وكل أزمة تشكل صدمة زلزالية تغير بصورة دائمة النظام الدولي، وتعيد توازن القوى التي نعرفها.

حتى اليوم، فإن التعاون الدولي غير كاف بتاتاً.. ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين، أقوى دولتين في العالم، غير قادرتين على وضع  الحرب الكلامية جانباً حول من يتحمل مسؤولية الأزمة، ومن يقوم بالتعامل معها بصورة أكثر كفاءة. وهذا قد يؤدي إلى تضاؤل مصداقية البلدين بصورة كبيرة.

كما أن الاتحاد الأوروبي لم يكن قادراً على تقديم المساعدات إلى 500 مليون مواطن، وقد تستعيد بعض الحكومات الوطنية في الاتحاد الأوروبي المزيد من السلطات من بروكسل في المستقبل. وفي الولايات المتحدة أيضا، فالحكومة الفيدرالية أمام اختبار صعب في القيام بتدابير فعالة لوقف الأزمة.

ومع ذلك، ففي كل بلد هناك أمثلة لقوة الروح الإنسانية التي تتجسد في الأطباء والممرضين وقيادات المستشفيات، والمواطنين العاديين، ممن أظهروا الفعالية والمرونة والقيادة.

وهذا يمنحنا الأمل بأن هناك رجالاً ونساء حول العالم يمكن أن ينتصروا على هذا التحدي الاستثنائي.

ــــــــــــــــــــــــ

*نقلاً عن مجلة “اليمامة” السعودية، العدد 2606 الصادر يوم الخميس 26 مارس 2020

 

 

فيروس كورونا.. مؤامرة وسلاح بيولوجي

 

عندما ظهر فيروس كورونا المستجد (COVID-19) في الصين نهاية العام الماضي 2019، وقف الكثير من الناس في حيرة من أمرهم أمام هذا الوباء السريع الانتشار، وطرحت الأسئلة نفسها عن أسباب نشوءه، وتفسيرات ظهوره المفاجئ، وكيفية التعامل معه.

وأمام ظاهرة معقدة مثل هذه، بدأ البعض يفسر الظاهرة بطريقة بسيطة وبدائية تتضمن جانب خرافي أو مؤامراتي ناتج عن “نظرية المؤامرة”، نظراً لعدم قدرتهم على التعامل مع أي ظاهرة لا يوجد لها تفسير واضح، وكان لابد أن يجدوا تفسير ما، ثم يتعاملون مع هذا التفسير كما لو كان حقيقة مسلم بها وهو ما يجعلهم في النهاية يشعرون بالارتياح النفسي والشعور بالسيطرة.

هناك في العالم العربي من قال في بداية الأمر أن هذا الفيروس هو عقاب من الله تجاه الصين نظير ما اقترفته أيديها بحق عرقية الأيغور الصينية “من مسلمي الصين”، ولم يكن بمقدور أصحاب هذه النظرية الغيبية أن يدركوا حينها أن الفيروس سيصل إلى أقصى الجهات الأربع للكرة الارضية وفي غضون أشهر قليلة أن لم تكن أسابيع فقط، أو أن مسلمي الصين أنفسهم ليسوا بمنأى عن هذه الفيروسات التي تعطي الجميع فرصاً متساوية تماماً ولا تفرق بين جنس أو عرق أو لون. ثم سرعان ما تحولت نظرية “العقاب الإلهي” إلى الاعتقاد بأنه “عقاب وسلاح أمريكي” لعرقلة تقدم الصين الاقتصادي، ثم بدأ العرب والإيرانيين يعتقدون بصحة نظرية السلاح البيولوجي وهم يرونه يصل إلى إيران وعدد من الدول العربية.

عرفت البشرية مثل هذا الوباء في العصور الغابرة، وشهدت القرون الوسطى انتشار الطاعون الذي فتك بمئات الآلاف من الناس في أيام، وشهد العهد النبوي وعهود الخلفاء الراشدين انتشار الاوبئة، وكانت الوصية النبوية أن لا يدخل المرء بلداً انتشر فيها الوباء وأن لا يخرج منها من كان فيها مسبقاً.

وفي حالة الكورونا، يرى الصينيون بأن كورونا هو فيروس غير صناعي، ولم يتوصلوا إلى تفسير دقيق إلى هذا اليوم عن ماهية هذا الفيروس وأسباب نشأته، ولم يصنع مصل العلاج بعد. في حين يروج بعض المؤمنين بنظرية المؤامرة فكرة تشير إلى أن كورونا صنع في أحد مختبرات الصين لتحقيق غايات قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.

تداول الكثير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي صور صفحات من رواية أمريكية نشرت قبل أربعة عقود كدليل على ان فيروس كورونا هو سلاح بيولوجي، أي أن مؤلف الرواية أما إنه جزء من المؤامرة أو على علم بها، وهو في الرواية يخبر بتفاصيل دقيقة عن هذا السلاح البيولوجي.. هذا دليل لا يقبل النقاش.. هل بدأت الحرب البيولوجيبة إذن!

ولكن ماذا عن تناقض النظرية مع نفسها، الكاتب أمريكي، وفي نفس الوقت يقول في روايته أن العلماء قاموا بتطوير الفيروس فى مختبرات تابعة للجيش الصينى، كجزء من برنامج هذا البلد للأسلحة البيولوجية فى الحروب، ثم لا يلبث أصحاب نظرية المؤامرة أن يعتقدوا أن الصين هي الضحية وهي الهدف، أما المستهدِف فربما كانت أمريكا.. ربما.. لأنها الأقوى بالطبع والقوي دائماً يمكن أن نجعل منه تفسيراً لكل ما لا يمكننا تفسيره!

بالنسبة للرواية السالفة الذكر، فهي رواية بعنوان  “The Eyes of Darkness”أو “عيون الظلام” المؤلف دين كونتز، الذي كتبها عام 1981، أي منذ 39 عاما. وتدور أحداث الرواية فى مدينة ووهان الصينية، حيث يطور العلماء فى مختبرات تابعة للجيش الصينى، فيروسا كجزء من برنامج هذا البلد للأسلحة البيولوجية فى الحروب، وأطلق دين كونتز على الفيروس “Wuhan-400”  أو “ووهان – 400″، وقال أنه سلاح مثالي لأنه يؤثر فقط على البشر، كما أنه لا يمكنه البقاء خارج جسم الإنسان لأكثر من دقيقة ولا تتطلب عملية إزالة تلوث باهظة الثمن بمجرد انتشارها بين السكان.

وتدور القصة الرئيسية للرواية، حول الأم “كريستينا إيفانز” التى تتوجه إلى الصين لمعرفة إن كان ابنها “دانى” قد توفى فى رحلة تخييم، أم أنه كما تشير رسائل مشبوهة، بأنه ما زال على قيد الحياة، وتنجح الأم فى تعقب ابنها الذى كان محتجزا فى منشأة عسكرية بعدما أصيب عن طريق الخطأ ببكتيريا تم تطويرها داخل مركز الأبحاث فى ووهان.

وانتقل عالم صينى اسمه “لى تشن” إلى الولايات المتحدة، وهو يحمل قرصا مرنا لتخزين البيانات “floppy disk” يحتوى على معلومات عن أهم سلاح بيولوجى صينى جديد وأخطرها خلال العقد الماضى، يطلقون عليه اسم ووهان-400، لأنه طور فى مختبرهم للحمض النووى المعاد التركيب، الواقع خارج مدينة ووهان.

وهنا يشير النص (وهو من نوع الخيال العلمي) إلى أن المختبر يقع خارج مدينة ووهان، وهى مصادفة تجعل من أحداث الرواية وما يجرى اليوم متطابقا، لأن معهد ووهان لأبحاث الفيروسات، الذى يضم المختبر الوحيد من الدرجة الرابعة للسلامة البيولوجية فى الصين، وهذا التصنيف هو الأعلى من نوعه للمختبرات التى تجرى دراسات على أخطر الفيروسات، يقع على خارج مدينة ووهان بعد 32 كيلومترا.

والتشابهات بين فيروس كورونا وماجاء في الرواية ليست كثيرة من ناحية علمية، فعلى سبيل المثال فإن معدل الوفيات جراء الفيروس المشار إليه في الرواية هي 100% بينما معدل فيروس كورونا هو 0.2% فقط، كما أن فترة الحضانة لفيروس الرواية هي 4 ساعات فقط، ومن 2 إلى 14 يوماً هي فترة حضانة كورونا الجديد. كما أن المؤلف نفسه لم يدّعي ان مايقوله في الرواية سيحدث وانه قد تنبأ بما سيحدث!

وباستخدام طبعة قديمة من الرواية (طبعة تعود إلى العام 1981) متوفرة في Google Books، نجد أن المؤلف قد أشار إلى الفيروس باسم آخر وليس باسم “ووهان” وهو “Gorki-400” أو غورغي-400، نسبة إلى اسم مدينة أو بلدة روسية. لكن ليس هناك ما يوضح إ سبب تغيير التسمية لاحقاً في عام 2008 إلى “ووهان-400”.

والحقيقة هي أنه لا يوجد إلى هذه اللحظة أي دليل علمي على صحة هذه التكهنات، كما أن انتشار الفيروس حول العالم يجعل من الصعب الاعتقاد بأنه صنع خصيصا لاستهداف بلد بعينه. ومن الواضح ان كل ما نسمعه هو مجرد هذيان ناتج عن نمط تفكير ما يسمى بنظرية المؤامرة، والذي يجعل الناس يشعرون بضعف الحيلة حين يصعب عليهم تفسير ظاهرة ما.

الرواية المذكورة ليست دليلاً يعتد به، وهي نوع من أنواع الخيال العلمي ولا غرابة أن أصاب المؤلف –أي مؤلف- في تكهناته وتنبؤاته، فليس كل ما يحدث في حياتنا هو جزء من خطة محبكة ومن أحداث ممنهجة، فالمصادفات كثيرة في حياتنا، فضلاً عن مهارات الكاتب الاستشرافية وخياله الواسعة في اختيار مدينة ووهان بعينها. وليس من المنطق أن نتعامل مع التكهنات كما لو كانت حقائق، والحقائق كما لو كانت تكهنات. والنظريات التي لا تستند إلى دلائل وبراهين فهي بلا قيمة، ولا تستحق أن نصدقها ونؤمن بها، فنعيش سنين طويلة مع أوهام ليس لها وجود في واقع الأمر.

يمكنك قراءة “عين الظلام” باللغة الإنجليزية عبر الرابط التالي:

http://bit.ly/2VFuGuT

 

============

Gorki-400