أين تكمن جذور التطرف فينا!

التعدد والتنوع هو سنة الحياة وهو ظاهرة صحية بلا شك، ولكن معظم المدارس الإسلامية بمختلف مشاربها ومنابعها ومختلف تياراتها تعاني من انغلاق شديد وتقوقع على الذات رافضة الانفتاح على بعضها البعض والتبادل الفكري والمعرفي فيما بينها، وكل حزب بما لديهم فرحون، مما أدى إلى خلل خطير ألقى بظلاله وآثاره على حياتنا بصورة مباشرة.

 لا بد إن نأخذ بعين الاعتبار إن عدم الادعاء بالحق المطلق وقبول الآخر والاعتراف به هو عامل أساسي للوصول إلى الحقيقة، لأن أي فرقة تدعي الحق المطلق وتعتقد أن مخالفيها على باطل مطلق فهي مستعدة حين تتمكن وتمتلك القوة لممارسة العنف وفرض أفكارها على الآخر بالقوة والقتل بعد تكفيرها للمخالف، فالمسألة ما هي مسألة تمكين وامتلاك لزمام السيطرة والقوة ليس إلا.

ويجب أن لا ننسى أن التسامح واحترام الآخر لا يتعارض مع جوهر الدين كما يعتقد الكثير من المسلمين، بل هو جزء من لب الدين الذي جاء رحمة للعالمين وإرشادهم إلى الطريق القويم في الاعتقاد والأخلاق والمعاملات والعبادات، وفي جوانب حياتنا من خلال علاقتين: علاقة أفقية وهي التعامل مع العباد، وعلاقة عمودية وهي التعامل مع رب العباد.

ومن هنا أعتقد الكثير من المسلمين بأن لا مجال أمامهم للإثبات بأنهم أكثر إيماناً وتقوى وقرباً من الدين من غيرهم من الجماعات والتيارات إلا من خلال التشدد والتزمت والأخذ بالآراء المتطرفة. وأخذ الاختلاف الفكري والإسلامي سياسي يتخذ مسار جديد يستقيم على السباق على تبني الآراء الأكثر تطرفاً على أساس أن الآراء الأكثر تسامحاً قد تؤدي في نظرهم إلى إضعاف موقفهم أمام مخالفيهم وخصومهم المفترضين.

 وعندما نأتي لمعرفة بعد عن التدين المعتدل والوسطي وظهور التطرف الأصولي في مظاهر وأشكال مختلفة وبدرجات مقلقة إلى جانب نزعة العنف، نجد ان المدارس الإسلامية المتعددة وصراعها الذي تجاوز الحدود المعقولة هو ما أنتج الأساس الفكري والنفسي والاجتماعي لمثل هذه الظاهرة.

ولكن بمزيد من التخصيص والتحديد، نجد أن هناك مفاهيم خاطئة لدى بعض المدارس والتيارات الإسلامية أدت إلى زرع البذرة الفكرية للجنوح إلى التطرف وممارسة العنف، ويجب إعادة بناء هذه المفاهيم للوصول إلى الفهم القويم. ومن هذه المفاهيم: الفرقة الناجية، والولاء والبراء، والخلافة، والحاكمية، وجاهلية المجتمع المسلم، وغيرها.

وأعتقد أن أهم هذه المفاهيم هو مفهوم الفرقة الناجية على الرغم من مخالفة فهمه لمقاصد الشريعة وأحكامها، وعلى الرغم من اختلاف العلماء في فهمه. ومن ناحية منطقية فعندما تعتقد فرقة من الفرق بأنها الفرقة الناجية فهي بالضرورة ستعتقد أن باقي الفرق والتيارات فرق ضالة وهالكة. وهذا من وجهة نظري احد أهم المرتكزات التي يرتكز عليها التطرف ويتغذى منها.

وهناك مفهوم آخر لا يقل تأثيراً عن مفهوم الفرقة الناجية وهو مفهوم الولاء والبراء، والذي ترك تأثير ه في أعماق وأغوار النفس المسلمة، فأصبح أشبه بالإطار الفكري الذي تنطلق منه معاملات المسلم ومواقفه وعواطفه ومشاعره إلى حد مخالفة مقاصد الشرع. فنجد مثلاً من جعل مجرد السلام على غير المسلم إخلالاً بالولاء والبراء ويحكم على صاحبه بالردة في تجاهل صارخ للخلاف بين السلف في هذه المسألة.

ومن المفاهيم المؤثرة في عقلية المسلم مفهوم التمكين وعودة الخلافة، وهي وعود براقة تبهر الشباب المحبط والمحتار على الرغم من طرحها بطريقة تخالف الواقع وبالاستناد على خيالات وأوهام لا تستند إلى أي مقومات، فادت إلى الاعتقاد بضرورة تحقيق هذا الحلم بالقوة والعنف.

ولذلك يجب أن يعاد النظر في مثل هذه المفاهيم بناء على دراسات عميقة يقوم بها أهل العلم والدراية، كما ينبغي إعادة النظر في كيفية تلقي الأجيال الجديدة لمثل هذه المفاهيم في البيت والمسجد والمدرسة والتلفزيون والمقرر الدراسي وغيرها، ووضع أساليب التعليم السليمة، وخلق بيئات متوازنة بعيدة عن التطرف بكافة أشكاله وفق منهج التوسط والاعتدال النبوي الأصيل، وفهم جميع المسائل كما هي وكما يجب أن تفهم لا أكثر ولا أقل.

اترك رد

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.