نمط تفكير نظرية المؤامرة!

ينتشر بين الشباب العربي أفكار غريبة من قبيل سيطرة الماسونية العالمية على العالم والتحكم فيه، ووجود حكومة خفية أشبه بالأشباح تحكم العالم بسرية تامة، وهناك في العالم العربي من يعتقد أن العديد من الأحداث العلمية والسياسية والاجتماعية مجرد خدع وتضليل إعلامي من قبل المتحكم الخفي في العالم مثل الاعتقاد بأن هبوط الإنسان على سطح القمر مجرد تلفيق وادعاء كاذب، أو أن الأرض ليست كروية وإنما مسطحة او أن الشمس هي التي تدور على الأرض وبقية الكواكب وليس العكس، أو أن  ظاهرة الاحتباس الحراري مجرد خدعة، أو ان اللقاحات تؤدي إلى مرض التوحد، أو ان العديد من الفيروسات مثل فيروس نقص المناعة قد أٌنتج من قبل مؤسسات طبية كسلاح بيولوجي من أجل محو أقليات سكانية معينة، أو ان موت بعض الشخصيات مجرد دعاية إعلامية بينما هم لا يزالون أحياء يرزقون، وغيرها.

كما يصدقون في المقابل العديد من الإشاعات والخرافات، ويعتقدون أن الحكومات والحكومة الخفية يحجبونها عن البشرية، مثل وجود مخلوقات فضائية، ومنظمات سرية تتحكم في العالم وفق أجندة يهودية، ويزداد في العالم مثل هذه المزاعم والاعتقادات في كل مجال وفي تفاصيل مختلفة من حياتنا مثل أن فنان الراب مايكل جاكسون قد أسلم فقامت الماسونية بقتلة ونفس الأمر قد حدث مع العديد من المشاهير، او ظهور صورة صدام حسين على سطح القمر بعد إعدامه.

ويعتقد البعض أن شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاتصال الحديثة وقبل ذلك محطات الإذاعة والمحطات التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية لم تبتكر لتطوير الاتصالات وإنما تم ابتكارها من اجل استخدامها في الغزو الثقافي والفكري للمسلمين وسلبهم عقيدتهم، أو أن اليهود ومنظماتهم السرية تدخل في أسواق المسلمين العديد من المنتجات التي صنعت خصيصاً لغرض نشر الأمراض الخبيثة بين المسلمين والتأثير على الخصوبة بينهم وأصابتهم بالعقم حتى لا يتكاثر المسلمين من خلال الإنجاب.

وهناك من يعتقد أن تطوير أن المناهج الدراسية وتعلم اللغات الأجنبية ما هو إلا مخطط لهذه المنظمات السرية والماسونية وحكومة العالم الخفية لتدمير قيم المسلمين وإخراجهم من دينهم، كما يعتقدون ان الدافع الرئيسي للحروب ليس التنافس من اجل الهيمنة السياسية والسيطرة على مصادر الطاقة والموارد الاقتصادية الإستراتيجية وإنما هي حروب صليبية-إسلامية جاءت على أساس الصراع الحضاري.

مثل هذه التصورات ربما كانت موجودة في كل مكان في العالم بغض النظر عن مستوى انتشار العلم والثقافة، ولكن مثل هذه التصورات تزداد أينما تعددت الدوافع والعوامل المؤثرة ووفق المنظور الإيديولوجي أو الفكري لكل شخص أو كل مجتمع، ففي الصين أو اليابان او الهند او منغوليا أو تشيلي على العكس من العالم العربي، قلما سنجد من يعتقد أن محطات التلفزيون الفضائية أو النت والفيسبوك والواتساب وغيرها من التطبيقات قد ابتكرت لتدمير دينه البوذي أو الهندوسي وغيرها من الأديان والمعتقدات، أو أن الحرب إذا ما قامت مع الغرب لا بد أن تأخذ طابع عقائدي وتكون حرب صليبية، أو أن الرئيس الصيني أو الياباني أو الهندي ماسوني وصهيوني يعمل لصالح أجندة حكومة سرية تحرك العالم خفية وبسرية تامة!

ومن وجهة نظري، فإن السبب الرئيسي وراء هذا التهويل وتصديق هذه المزاعم أو بعضها على الأقل أو اختلاق بعضها الآخر أو تضخيم أحداث صغيرة قد تكون حقيقية وتحويلها إلى أحداث كبيرة جداً يعود إلى نظرية المؤامرة كدافع نفسي، ونظرية المؤامرة من ناحية نفسية تُعرف بأنها محاولة لشرح الأسباب النهائية لحدث مهم على إنه جزء من مؤامرة شريرة يقوم بها تحالف سري يضم أفراد ومنظمات فائقة القوة.

وأنا أعتقد أن من قام بالترويج لفكرة حكومة العالم الخفية وتحكم اليهود الماسونية العالمية في خيوط اللعبة وسيطرتها على العالم ومقدراته مما جعل هذه الأفكار تستحوذ على عقول الكثير من الناس في العالم يريدون لنا أن نفكر هكذا، وهذه واحدة من الأساليب الإعلامية لتهويل الأمور وخلق مشاعر الشك والارتياب والخوف والاستسلام.

وحسب علماء النفس، فإن الاعتقاد بنظريات المؤامرة يظهر غالباً عند الأشخاص الذين يفقدون القوة ويشعرون بالارتياب ونقص عام في السيطرة، إذ تساعدهم تلك النظريات على إدراك العالم من حولهم عن طريق تزويدهم بتفسيرات بسيطة لأي أحداث معقدة، وبهذا يعود الإحساس بالسيطرة والمقدرة على توقع الأحداث.

ومن الواضح جداً إن التفسيرات والنظريات التي يستند فيها الناس على نظرية المؤامرة تميل إلى مزجِ الحقائق مع التخمينات دون التمييز بينهما، وإلى إعطاء المتآمرين –المفترض وجودهم- قوة غير اعتيادية وتفوق غيرهم من البشر، وغالباً يكون برهان المؤامرة قد نشأ افتراضياً من خلال الربط بين أحداث لا تحتاج إلى أن تكون مرتبطة سببيًّاً.

ونجد أولئك الذين يميلون لنظرية المؤامرة هم من أولئك الذين يرتابون غالباً من كل المنظمات الحكومية والخاصة لاسيما أجهزة المخابرات، كما نجدهم يرفضون رفضاً قاطعاً الأخذ بأي تفسيرات بديلة للأحداث، كما يرفضون أي دليل لا يؤيد حكمهم المسبق.

يقول الفيلسوف الكبير كارل بوبر أن مغالطة نظرية المؤامرة تكمن في ميلها إلى وصف كلِّ حدثٍ على أنه “مُتعمَّد” أو “مُخطَّطٌ له”، وبذلك التقليل من الطبيعة العشوائية على نحو خطير للنتائج غير المقصودة للعديد من الإجراءات السياسية والاجتماعية.

وأخطر ما تخلفه نظرية المؤامرة فهو ارتباطها برفض العلم، فعلى الرغم من أن كلاً من نظريات المؤامرة ومنهج البحث والنظريات العلمية تحاول تفسير العالم من حولنا وظواهره وأحداثه عن طريق تحويل العشوائية إلى سببية، ولكن كلاً منهما يختلف عن الآخر. فالنظريات العلمية يجب أن تكون قابلة لإثبات صحتها من عدمه وفق منهج علمي وأسس بحث منطقية.

إن كل ما سبق يجعلنا ندرك أن نمط تفكير نظرية المؤامرة يقودنا إلى الكثير من المفاهيم والاستنتاجات الزائفة،  ومع ذلك فإن نظريات المؤامرة تستهوي الكثير من الناس، لأنها يمكن أن تقودهم إلى حالة من الطمأنينة والراحة النفسية، بعكس الحقيقة والتي ولسوء الحظ ليست مريحة دائماً!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ظرية المؤامرة.. هل حقًّا هناك من يُحرِّك العالم خفية؟

* مقال بعنوان “سيطرة اليهود على العالم وهم أم حقيقة” وينفي فكرة سيطرة اليهود على العالم من خلال الاعتماد على الإحصائيات المتوفرة وبطريقة بسيطة بعيداً عن التعقيد.

* نبذة عن محتوى كتاب “حكومة العالم الخفية“:

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s