القراءة تحت ضوء الفانوس

لا زلت اتذكر بسرور وإعجاب تلك الايام التي قرأت فيها العديد من الكتب وانا طفلا ومراهقا وشابا تحت ضوء الفانوس عندما ينقطع التيار الكهربائي.  . تذكرت هذا وانا اقرأ كتابا تحت ضوء إنارة خافتة في حديقة عامة، كما اثيرت كل الذكريات المرتبطة بالكتاب عندما تلقيت دعوة من الصديق والزميل المتنور محمد علي المطري للانضمام إلى نادي للكتاب في جامعة UCSI بعد ان قام بتأسيسة حديثا للإحتفاء بالكتاب وتشجيع القراءة، والدعوة مفتوحة لمن يود الانضمام. وحضرت أول لقاء لنادي الكتاب وعادت روح القراءة إلى نفسي بعد أن قصرت كثيرا في القراءة خلال سنوات الدراسة الجامعية الاربع الماضية.

وقد اثارت القراءة تحت ضوء خافت ذاكرتي وانعشتها وجعلتني استعيد الكثير من الذكريات التي عشتها مع الكتاب وعادات القراءة التي تكونت لدي وتلك الروابط الجميلة التي تربطني بعالم الكتب منذ بدأت المطالعة والقراءة الحرة. . وهو ما احب ان اتحدث عنه هذه المرة واشارككم اياه في هذه التدوينة.

بدأت علاقتي بالكتاب منذ الطفولة، ويبدو لي الآن بوضوح ان هنالك عاملين دفعا بي إلى عالم الكتاب، فالاول هو وجود مكتبة عامرة لوالدي في البيت كنت اتطفل واقلب كتبها وارصها كما لو كانت العاب البناء، اما السبب الثاني فهو هدية والدي بمناسبة التفوق في السنوات الابتدائية الاولى، والتي كانت عبارة عن مجموعة كبيرة من الكتب والقصص والحكايات ذات الالوان الزاهية والمحتوى الجميل بما يتناسب والمرحلة العمرية والتي لا زلت اتذكر عناوين معظمها واغلفتها واجزاء من محتواها حتى اليوم بالاضافة إلى مجموعة كبيرة ومتنوعة من الالوان الخشبية والمائية.

وفي السنوات الاولى من المرحلة الابتدائية، طالعت الكثير من القصص والحكايات مثل كنز الامراء وعلي بابا والاربعين حرامي وغيرها، ومنذ ذلك الحين تكون لدي حب المطالعة والولع بالقراءة، وما ان تمكنت من القراءة حتى اصبحت لا اقاوم رغبة قراءة كل مايقع تحت يدي وناظري: الكتب والجرائد والمجلات والرسائل والإعلانات وحتى التذاكر والكاتالوجات واللوحات الدعائية وتلك الملصقة على واجهة المحال التجارية وكل ماهو مكتوب. .

ولقد اعطتني القراءة  مبررا مقبول لاعتزل الآخرين في مكان هادئ من البيت واستلقي على بطني وامسك كتابي المفضل، فلم يكن اللعب والحديث مع اقراني من الاطفال الآخرين اكثر إثارة مثل كتبي التي اعيش معها احاديث ومغامرات من نوع آخر. . وكنت اشعر بحرية كبيرة مع عالم الكتب وقل ما يجد الملل طريقه الي طالما هناك كتب جديدة.

وكم كنت استمتع وانا اقوم بتغليف الكتب بطريقتي الخاصة وترميم ماتعرض منها للتلف وتنظيفها من الغبار واعادة ترتيبها طوال اليوم . . حتى انني كنت الاحظ ما يطرأ على الكتاب من تمزق او ما يعلق به من قطرات الشاي والقهوة او الحبر، كما احب ان حاول احيانا تمييز نوعية الورق بعد ان نشأت علاقة وجدانية وحميمية مع الكتاب الورقي لتتكون بذلك عادات غريبة مثل التقاط اي ورقة تبدو مقطوعة عن كتاب وكذلك قصاصات الورق والجرائد المرمية على قارعة الطريق او تحت جذوع الاشجار في الحدائق او التي علقت بصخرة او سور ما بدافع الفضول وهو الامر الذي يزعج اصدقائي والآخرين من حولي احيانا، لكنني نجحت اخيرا من التخلص من هذه العادة. . كما يدفعني الفضول احيانا إلى محاولة استراق النظر إلى ما يقرأة الركاب بجانبي في وسائل النقل العامة او في غيرها من الاماكن.

وكثيرا ما كنت ولا زلت اهتم بنظافة الكتاب والحفاظ على مظهره الانيق. . فشكل الكتاب مهماً بالنسبة لي عندما ابحث عن كتاب لقراءته او لاقدمه كهدية لشخص ما ( باعتبار الكتاب هو اغلى واجمل هدية يمكن ان يقدمها احدهم الي او ان اقدمها انا لاحدهم).

وهذا الميل لبقاء الكتاب نظيفا وانيقا وجذابا جعلني اكره ان ادون اي نوع من الملاحظات على صفحات الكتب او حتى ان اضع خطوطا تحت كلمات او جمل وفقرات معينة منه. . واتذكر انني ذات مرة انفجرت غضبا في احد الاعزاء ووبخته عندما اعاد الي كتابي وفيه خطوط بالقلم الحبر تحت بعض الاسطر التي رأى هو انها مهمة وجديرة بالتمعن، لكنني سرعان ما شعرت بالخجل مما اقدمت عليه. . واذا كتبت شيئا على الكتاب فلن يكون سوى زمان ومكان اقتناءه والحصول عليه، او في احايين اخرى وهي قليلة كتابة التاريخ الذي بدأت وانهيت قراءة الكتاب فيه.

ومن طريف ما اتذكر الآن انني كنت ايضا ارفض فكرة كتابة الملاحظات على الكتاب او وضع الخطوط تحت بعض العبارات او الفقرات معتقدا بأن هذا يجعل من السهل لمن يقرأ الكتاب من بعدي ان يقرأ افكاري. . وخلال السفر والترحال، ظل الكتاب هو افضل ما يمكن ان احمله في حقيبتي، وخصوصا ان للقراءة في مكان جديد طعم مختلف بل ومشاعر واحاسيس مختلفة.

كما ان من الطريف ما كان يحدث وانا مازلت قارئا صغيرا، حين كنت ادخل مكتبة والدي وابحث فيها عن بعض الكتب التي تجيب عن تساؤلاتي التي يتهرب من الإجابة عنها الكبار، واذهب بعيدا عن الانظار لاتصفحها ثم اعيدها إلى اماكنها بدون ان يشعر احد.

وهنالك الكثير من الذكريات والطرائف التي ترتبط بالكتاب، ومنها تلك التي حدثت لي وانا حينها مراهقا وهو خطأ قمت به يوما لكني لست ابرره او اشجع عليه هنا وإنما اردت ان اعتراف به فقط. .   ففي مرة من المرات، لم اقاوم الإغراء والرغبة في قراءة احد الكتب لكن امين المكتبة المدرسية -وهو شخص سيء الطباع- رفض إعطائي الكتاب بغير مبرر، فخططت مع زملاء آخرين – وهم من المع وانجب التلاميذ في المدرسة ولا بد انهم يضحكون كثيرا حينما يتذكرون ذلك-  ان يقوم بعضنا بإستغفال امين المكتبة هذا بينما احدنا يقوم بوضع الكتاب في حقيبته لكننا فشلنا بسبب قوة التركيز لديه. . ولم يكن الدافع للتحايل سوى الولع بهذا الكتاب وبدافع قراءته.

في ختام هذا المقال، أوجه كلمة شكر للأخ العزيز محمد علي المطري على مبادرته الجميلة، وهي فكرة بسيطة لكنها رائعة جدا في نفس الوقت وتعكس فكر راقي.

صورة لثاني لقاء لنادي الكتاب في الجامعة

Advertisements

One thought on “القراءة تحت ضوء الفانوس

  1. أعدت بذاكرتي لسنين مضت قمت فيها ببعض المشاغبات اللذيذة في سبيل القراءة وجعلتني أدرك أنني لست المعقدة الوحيدة مع الكتب فأنا مازلت أحافظ على كتبي ناصعة جديدة وأشترط على من يستعيرها مني إعادتها نظيفة دون شخطة😅..استمتعت بقراءة كلماتك سلمت أناملك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s