قصة صناعة السيارات في ماليزيا

رئيس الوزراء الماليزي الحالي محمد نجسيب عبدالرزاق (يسار) ورئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد وعدد من مسؤولي مصنع السيارات الماليزية (يمين) أمام أحد السيارات الوطنية الماليزية.

رئيس الوزراء الماليزي الحالي محمد نجيب عبدالرزاق (يسار) ورئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد وعدد من المسؤولين في شركة السيارات الماليزية (يمين) أمام أحد السيارات الوطنية الماليزية.

عندما طرح رئيس الحكومة الماليزية الأسبق فكرة تصنيع سيارات وطنية ماليزية حتى يتحول الماليزي من مجرد سائق لسيارة صنعها غيره إلى صانع للسيارة، كانت ردة الفعل سلبية، حيث قوبلت فكرته -كما يحكي لنا هو- بالرفض والشك في إمكانيتها من قبل فئات عريضة من الشعب وحتى من قبل نخب سياسية بينهم وزراء في حكومته. لم تلقى الفكرة دعماً كبيراً، ووصفت بالفاشلة سلفاً، كما لق عليها كثير من المواطنين والساسة والموظفين الحكوميين بسخرية، وهاجمت الصحافة الفكرة بصور مختلفة، حتى أن اشهر رسامي الكاريكاتير في ماليزيا الفنان لات نشر رسم كاريكاتوري ساخر لسيارة ماليزية جعل سقفها على كل عربة ثيران ماليزية.

في المقابل، ازداد رئيس الحكومة إصراراً على الفكرة التي حلم بها، واصر على موقفه من ان هذه الصناعات ليست حكراُ على الدول المتقدمة، وشرع في طرح فكرة مشروعه على العديد من شركات تصنيع السيارات اليابانية مثل دايهاتسو ومتسوبيشي، إلا إن ديهاتسو وافقت على أن تنتج ماليزيا سياراتها فحسب، فلم يوافق رئيس الحكومة الماليزية مصراً على صناعة سيارات وطنية ماليزية بموديلات ماليزية خاصة.

ثم وافقت على المشروع ميتسوبيشي، كمشروع مشترك مع شركة السيارات الوطنية في ماليزيا ” بيروساهان اوتوموبيل ناسيونال بيرهاد” المعروفة بشركة بروتون، والتي تأسست في عام 1983م. وفي البداية استعانت الحكومة بخبرات يابانية لإدارة المصنع حتى يتعمل الماليزيون منهم تكنولوجيا صناعة السيارات والغدارة واخلاقيات العمل ايضاً. بينما ظل طموح رئيس الحكومة الماليزية حينها هو إن تمتلك بلاده القدرة على تصميم وصناعة سياراتها الخاصة.

في البداية اعتمدت السيارات الماليزي على تصاميم ميتسوبيشي وعلى القطع التي تصنعها، وكانت ارباح ميتسوبيشي كبيرة، إذ تربح من من بيع القطع لماليزيا أكثر ما تربح من بيع سيارات جاهزة، في السوق الماليزية، استحوذت مبيعات السيارات الوطنية الجديدة على 80% من سوق السيارات الماليزية. مما دفع بشركة دايهاتسو التي رفضت العرض الماليزي سابقاُ إن أبدت استعدادها للتعاون مع ماليزيا بعد ان رأت الارباح التي جنتها ميستوبيشي من مشروع السيارات الماليزية الوطنية.

كانت سيارة ساقا (Saga) هي أول نموذج من سيارات بروتون، وكانت قد أطلقت في عام 1985م، وجاءت التسمية من بذور الساقا التي تتميز بالانتظام والكمال، والتي استخدمت في الماضي لوزن الذهب نظراً لانتظامها وتماثل كل وحداة منها في الوزن. لم تكن معايير السيارة الماليزية جيدة في البداية ولم تخلو من العيوب الميكانيكية الصغيرة، وواجهت الشركة صعوبة في تسويق سياراتها مما جعلها تتعرض لخسائر كبيرة. وظلت شكرة السيارات الماليزية منذ تأسيسها وحتى اليوم تواجه صعوبات إقليمية ودولية في ظل قواعد تجارية دولية جائرة.

وظلت معايير السيارات الماليزية تتحسن بصورة مستمرة، كما استطاع الماليزيون الحصول على التكنولوجيا اللازمة لصناعة السيارات التي جذبت عقول الشباب الماليزي إلى الصناعة بشكل عام، وساهمت هذه الصناعة في إحداث تغييرات ثقافية كبيرة في العقلية الماليزية، كما اصبح الماليزيين يشعرون بالفخر والاعتزاز وهم يركبون سيارات من صنع ايديهم، حتى أصبحت السيارة الماليزية رمز من الرموز الثقافية والاقتصادية للبلاد، فنجدها على العملة الورقية للدولة.

رئيس الوزراء الماليزي الاسبق يقف أمام أحد نماذج السيارات الماليزية.

رئيس الوزراء الماليزي الاسبق محاضير محمد يقف أمام أحد نماذج السيارات الماليزية.

Advertisements

من وحي كلمة لرئيس الوزراء الماليزي السابق ألقاها في 2007

Badawi 1عندما قام رئيس الوزراء الماليزي السابق عبدالله أحمد بادوي في عام 2007 بزيارة دار المصطفى للدراسات الإسلامية ومكتبة الأحقاف والرباط في مدينة تريم، القى كلمة ركز فيها على ضرورة التسلح بالمعرفة والعلم، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتطرق لنقاط عديدة تستحق الاهتمام. والهدف من هذا المقال الذي يتضمن مقتطفات من كلمته بعد حوالي ثمان سنوات من الزيارة هو لفت الاهتمام إلى أفكار جديدة وفريدة لاسيما وإنها قد جاءت من رجل دولة يمتلك الكثير من الأفكار البناءة لتنمية المجتمعات المسلمة إنطلاقاً من تجربة بلاده.

عند تجوله في مكتبة الأحقاف في مدينة تريم، عبر عن إعجابه بتلك المكتبة وبما تحويه من مخطوطات تمثل كنوز ثقافية وفكرية في مجالات مختلفة كالطب والرياضيات والتاريخ  والدين والفلك وغيرها، لكنه ابدى تعليقه بصورة خاصة على  مخطوطة كتاب “القانون في الطب” للعالم المشهور ابن سيناء. حيث قال لوسائل الإعلام: ((سعيد بزيارة هذا البلد اليمن وزيارة حضرموت خاصة وأثار اعجابي ما شاهدته في المكتبة القديمة بتريم التي تحتوي على أمهات الكتب في مجال الطب والفلك والرياضيات وغيرها وقد استوقفني كثيراً كتاب القانون في الطب لابن سينا((.

وفي كلمته التي القاها في دار المصطفى، قال رئيس الوزراء الماليزي حينها: ((ان المعرفة لها أهمية كبيرة في تنفيذ أغلب استراتيجاتنا ولقد تحدثت في هذا الموضوع في كثير من الدول وكانت الاستجابات جيدة وإن شاء الله ستصبح الدول الاسلامية قوية بالإيمان القوي لدى المسلمين)).

كانت الزيارة تهدف إلى تقدير الدور البارز الذي قام به أهل حضرموت في الدعوة إلى الله ونشر الدين الإسلامي في دولة ماليزيا وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا، وأبدى سعادته برؤية  الطلاب الماليزيين وهم يتلقون العلوم النافعة، وأساليب دعوة الناس وإرشادهم.

كما اشار إلى جانب من مشروع الإسلام الحضاري الذي تبناه حينها، وهو عبارة عن مجموعة من الأفكار التي تنطلق من الدين الإسلامي على اساس حضاري. وحاول في كلمته التطرق لبعض هذه الأفكار من خلال النقاط التالية:

  • الإيمان بالله وتحقيق التقوى:وذلك لأن الإيمان بالخالق هو العامل الأساسي في الاستخلاف وعمارة الحياة، بينما تقوى الله تفضي إلى جليل الأعمال وأحسن الأخلاق. وبالتالي لا يقتصر دور هذا المبدأ الإيماني على تزكية الروح وتنقية المعتقد وتصحيح العبادة، وإنما يتعداه إلى العناية بالسلوك وأعمال الجوارح.
  • الحكومة العادلة والأمينة :التي جاءت عن طريق الشورى دون قهر أو إكراه، وتعمل على بسط العدل ونصرة المظلومين، وترد الحقوق إلى أهلها، وترعى مصالح الأفراد على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم.
  • حرية واستقلال الشعب: إن الحرية هي القيمة الكبرى في الحياة الإنسانية، وهي الحافز للعمل والإبداع، وبها يكون الإنسان مستقلا وحرًّا في قراراته؛ وقد خلع عن رقبته طوق العبودية والتبعية.
  • التمكن من العلوم والمعارف: فالعلم هو المرتكز الأساسي لنهضة الأمة، والوسيلة التي يستعان بها على عمارة الأرض، وتسخير ما فيها، وترقية الحياة، والانتفاع بالطيبات من الرزق.
  • التنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة: التي تعني التنمية بكامل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية والمادية والثقافية والحضارية، وتجعل صلاح الإنسان غاية وهدفا لها.
  • تحسين نوعية الحياة: وتعني سلامة الحياة واستقرارها وجودتها وتوفير متطلباتها الضرورية.
  • حفظ حقوق الأقليات والمرأة: رعاية حقوق الأقليات العرقية والدينية، وكذلك احترام المرأة وتقدير مكانتها وتعزيز دورها الإيجابي في المجتمع.
  • الأخلاق الحميدة والقيم الثقافية الفاضلة: العناية بالأخلاق الفاضلة والقيم المعنوية السامية في كل المجالات والجوانب، وأن تكون هي الأساس لتربية الأجيال.
  • حفظ وحماية البيئة:العمل على حماية البيئة والحفاظ عليها ومنع ما يهددها من عوامل التلوث والآفات
  • تقوية القدرات الدفاعية للأمة:وذلك للحفاظ على سلامة ووحدة أراضي الدولة وحماية المصالح العليا لشعوبها والمحافظة على استقلالها وسيادتها.

لن أعلق على أفكار الدكتور عبدالله أحمد باضاوي السالفة الذكر، بل يكفي إن أدعو إلى تأملها والاهتمام بها عملياً وخاصة الاهتمام بالعلم والمعرفة والإيمان القوي بالله والتقوى والقيم الثقافية الفاضلة والاخلاق الحميدة وتحسين نوعية الحياة.Badawi 3

عرب الأرخبيل الهندي والاستعمار الأوروبي

أغلفة العديد من الكتب التي تتناول ظاهرة الهجرات العربية، لباحثين غربيين وشرقيين.

أغلفة العديد من الكتب التي تتناول ظاهرة الهجرات العربية، لباحثين غربيين وشرقيين.

أهتم الكثير من الباحثين وخصوصاً المستشرقين والجامعات ومراكز الدراسات الاوربية ببحث ظاهرة الهجرات العربية ومجتمعات الشتات لا سيما في الأرخبيل الهندي، وعندما نقوم بقراءة أحوال وتاريخ العرب في الأرخبيل الهندي وهجراتهم المتلاحقة جماعات وافراد إلى تلك البلاد في اقاصي المعمورة، يتبادر إلى الإذهان اسئلة وجيهه تتمحور علاقة هؤلاء المهاجرون بالسلطات الاستعمارية سواء كانت هولندية او برتغالية او بريطانية. ومع ما يحاول بعض المستشرقين ترويجه من معلومات مغلوطة والوقوف في النهاية إلى جانب المصالح الاوروبية الاستعمارية.

وفي محاولة لمعرفة نوع هذه العلاقة ونظرة السلطات الاستعمارية في الأرخبيل الهندي للعرب الحضارم، نستعرض بعضاً مما جاء في كتاب لمستشرق أوروبي ظل على اتصال وثيق بالسلطات الاستعمارية هو الهولندي فان دين بيرج الذي لم يخفي نزعته الاستعمارية التي ظهرت من خلال تناقض بعض المعلومات التي أوردها.

في الفصل الخامس من الكتاب الذي جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي في القرن الثامن عشر”، يقول المؤلف:

((لقد ترسخ بين أوساط الأوربيين في الأرخبيل الهندي اعتقاد عام بأن المستوطنات العربية تضم العناصر الأكثر عداء لنفوذهم إلا أن هذا الأعتقاد خاطئ تماماً، على الأقل في ما يتعلق بالعرب الحضارم، فمن الغريب أن يترسخ هذا الأعتقاد بهذه القوة في الوقت الذي يستطيع أن يرى فيه الجميع بأم أعينهم أن المصالح المادية للحضارم تتطلب قبل كل شيء استتاب الأمن. وسبق أن ذكرنا أن العرب يستثمرون كل ثرواتهم في التجارة والعقارات والسفن، وهي وسائل لن تمكنهم من وضع تلك الثروات داخل مكان مغلق ومأمون في حالة حدوث اضطرابات. ولاحظنا كذلك أنه لا يوجد  بينهم أحد يرغب في العودة إلى حضرموت بعد أن ينجح في تكوين ثروة لابأس بها. كما أنهم لا ينقلون تلك تلك الثروة إلى هناك. وبالإضافة إلى ذلك، ماعدا بعض الاستثناءات النادرة جدا، يستقر أولادهم نهائياً في الأرخبيل الهندي، وتنقطع علاقاتهم تدريجياً بحضرموت. وبالتالي كيف يعقل أن يكون هؤلاء الناس هم صانعوا أعمال التمرد التي يقوم بها السكان المحليون من حين لآخر، والتي يمكن أن تربك الحكومات الأوروبية، ولكنها ليست بالحجم الذي سيمكنها من إقامة دولة إسلامية قوية وقادرة على الاستمرار. وأي إنسان عاقل يدرك أن تلك الأعمال لا تؤدي إلا إلى موت بعض التعساء وسلب بعض الممتلكات. أما فكرة ظهور حاكم مسلم ذي نفوذ يخضع لسطانه العالم بأكمله أو على الاقل جميع المسلمين فستظل دائماًفكرة طوباوية”

ويواصل المؤلف في الفصل الخامس حديثه عن العرب مؤكداً اعتقاده ان قلق السلطات الاوروبية غير منطقين فيقول: ((ومن ناحية أخرىن تبين الصحف العربية التي تصل الأرخبيل الهندي، رغم تدني مستواها مقارنة بالصحف الغربية لقرائها أن الخطر الذي يهدد الإسلام ومصالحه لا يقع في الشرق الأدني، ومن الواضح كذلك أنه لا يوجد اليوم أمير مسلم قادر على طرد الأوروبيين من هذا الجزء من العالم. وربما يرد عليّ بعض المعارضين ويقول إن هناك عدداً كبيراً من العرب الذي غادروا الصحراء منذ وقت قصير ولا يقرؤون الصحف وليس لديهم الوعي السياسي الكافي لإدراك هذه الحقائق. ويمكن أن يقال ايضاً إن هؤلاء الناس الذين ليس لديهم ثروة ولا أقارب في الأرخبيل الهندي لن يهتموا ابداً باستتاب الأمن في الأرخبيل الهندي. وعلى هذه الاعتراضات ارد قائلاً إن القادمين الجدد من العرب فقراء ويرتبط مصدر رزقهم بعلاقتهم المالية والاجتماعية بالاغنياء من مواطنيهم. وهؤلاء سيكونون أول من سيرفض اي إخلال بالنظام يمكن أن يتسبب فيه أحد المهاجرين الجدد. وينبغي ألا ننسى كذلك أن اثر صلة القرابة بين العرب أقوى من اثرها بيننا نحن الأوروبيين. فمثلاً إذا كان من مصلحة شخص من عائلة آل الحبشي أن يسود النظام فلن يقدم شخص آخر من العائلة نفسها على إثارة الشغب حتى إن كان هو نفسه لن يخسر شيئاً. وفضلاً عن ذلك يعد ” السادة” والبرجوازيون في الغالب من الناس المسالمين في حضرموت. وبالنسبة للقبائل، صحيح أنهم ذو طبيعة صاخبة، لكن من المؤكد أنه ينقصهم الحماس الديني اللازم للدعوة إلى إزاحة النفوذ الأوروبي)).

وعن التباين بين مصالح السلطات ومصالح العربن يقول: ((ومن الطبيعي أن تبرز بين الحين والآخر بعض الخلافات بين العرب في الأرخبيل الهندي وبين السلطات المحلية بل وحتى مع الحكومة الهولندية. وهم صعبوا المراس لا سيما حين يتعلق الأمر بدفع الضرائب الشخصية، ولا يقبلون بالسداد إلا بعد أن يتدخل رجل دين من السكان المحليين ويبين لهم الحقوق والواجبات التي يتضمنها نظا المواريث. ولكن هذا التباين في المصالح ذو طبيعة تختلف عن طبيعة الخلافات التي يمكن أن تؤدي إلى انتفاضة دينية وسياسية، كما أن العرب المتنورين يدركون تماماً أن الأوربيين أعلى منهم مستوى في مجالات الصناعة والتجارة والعلوم، ولا ينظرون لنا بعين الشفقة إلا في مجال الدين)).

ولأن المؤلف يسعى إلى نفي الصورة النمطية لدى الاستعمار الهولندي حول الحضارم في الأرخبيل الهندي، وعن كونهم يشكولن خطر على الاستعمار في ذلك الجزء من العالم، فقد تطرق بإختصار إلى نظرة الحضارم إلى بريطانيا، فيقول: (( وليس لبريطانيا اية هيبة أو نفوذ بين الحضارم. وإذا كان بعضهم يعرف أن بريطانيا دولة قوية وغنية فهم يستغربون أن تجلس على عرشها ملكة وليس رجل. ويعتقدون أن الدستور هو الذي ينص على أن تكون الحكومة بيد النساء اللاتي تبادلن الأدوار في تلك البلاد مع الرجال الذين اصبحوا ربات بيوت وجعلوا النساء ربات للعائلات)).

ثم يحاول المؤلف أن يشرح موقف الحضارم في الأرخبيل الهندي من السياسة والقضايا السياسية بشكل عام، فيستخلص إنهم لا يهتمون بالسياسة، وربما كانت هذا التوصيف موضوعي كون الإنسان الحضرمي يميل بطبيعته للتجارة مع إنهم في مراحل كثيرة، مع إنهم يبرعون في السياسة عندما تُتاح لهم الفرصة. وقد تقلدوا مناصب سياسية وقيادية مهمة في إندونيسيا وماليزيا والبروناي ويتمور الشرقية في مراحل مختلفة. يقول فان دين بيرج: (( أما في الأرخبيل الهندي نفسه فينبغي التأكيد أولاً على أن العرب الحضارم لا يهتمون مطلقاً بالقضايا السياسية ما دامت تلك القضايا لا تهدد مصالحهم المادية والروحية. كما انهم يطيعون عن طيب خاطر الأوامر والأعراف السارية في وطنهم الجديد)).

وفي نهاية الفصل الخامس، يشير المؤلف إلى عدم ارتياح الحكومات الاستعمارية للحضارم في الأرخبيل الهندي، ويعلل هذا إلى تجنب الحضارم للأوروبيين على عكس بقية المجموعات، كما يشير في فصل آخر إلى امتناعهم عن إرسال اولادهم إلى مدارس أحنبية على عكس الصينيين، ويقول بالنص: ((وقبل أن أختتم هذا الفصل أريد أن أضيف الملاحظة الآتية حول سبب السمعة السياسية السيئة التي يلصقها معظم الأوروبيين بالعرب في الأرخبيل الهندي. لقد ذكرنا في فصل سابق أن العرب هم المجموعة التي ظلت بعيدة من السكان الأوروبيين. ونتيجة لذلك فالأوروبيين لا يعرفون حقاً العرب)).

وفي الفصل السابع من نفس الكتاب، يدعو المؤلف الحكومات الاوروبية الاستعمارية في الأرخبيل الهندي إلى تغيير موقفها من الحضارم وعدم لصق الميول العودانية للنفوذ الاوروبية بهم نظراً لأهميتها التي لا يستهان بها في تاريخ تلك المنطقة ومستقبلها. فيقول: ((سبق أن بينت في الفصول السابقة إنه من الخطأ الجسيم أن نلصق بالعرب بشكل عام ميولاً عدائية تجاه النفوذ الاوروبي في الأرخبيل الهندي. وهذا لا يعني بالطبع انه لم يكن للعرب أثر كبير في حياة السكان المحليين ومستقبلهم. فتاريخ جاوه يعلمنا أن العرب أو أحفادهم قد أنشئوا في القرن الخامس عشر عدداً من الإمارات الصغيرة على امتداد الساحل الجنوبي لهذه الجزيرة، واستطاعوا في نهاية الأمر ان يسقطوا إمبراطورية موجوباهيت الهندية. ويبين لنا سقوط تلك الإمبراطورية القوية ان ظهور العرب وسط شعب وثني كان كافياً ليستطيع هؤلاء العرب قيادته والزواج من بنات ملكوه ونبلائه. وكثيراً ما يُردد أن هذا التأثير القوي للعرب في الأمراء المحليين في الأرخبيل الهندي يعود إلى إنهم إما من سلالة الرسول او من ابناء جنسه. ولكني أعتقد ان هذا التفسير لا يمكن اعتماده إذا ما نحن أخذنا في الاعتبار مختلف المعطيات. فإذا افترضنا أن هذا التفسير الديني لتأثيرهم مقبول اليوم فهل يعقل أن يكون له أثر في إمبراطورية وثنية وترتكز على التراتب الطبقي كما كان الحال في إمبراطورية موجوباهيت؟)).

ويؤكد فان دين بيرج الأدوار التي قام بها العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي والتي لا يمكن تكذيبها على حد وصفه لا سيما دورهم وتأثيرهم السياسي، كما يحاول معرفة الاسباب وراء هذا الدور والتأثير، ويشير إلى إن هذا التأثير لا يمكن إرجاعه إلى اسباب دينية بحتة كما يعتقد الكثيرين، بل يرجع إلى امتلاكهم لمهارات إجتماعية مكنتهم من التأثير، ويقول: ((فحينما نرى اليوم مثل هذه النجاحات السياسية للعرب لن يصبح بإمكاننا تكذيب الأدوار التي قام بها العرب لدى الامراء الهنود والتي تحكيها الحوليات الجاوية. وفي كل الأحوال ينبغي علينا التسليم بأن تأثير السياسي للعرب لا يمكن إرجاعه لأسباب مرتبطة بالدين فقط. وبالنسبة لي أعتقد أنه ينبغي إرجاعه إلى رقتهم ولباقتهم في توظيف نقاط الضعف في طباع السكان المحليين، وكذلك إلى قدرتهم على التعبير والخطابة. وإذا لم اكن مخطئاً فإن طباع الأمراء المحليين تكون العامل الرئيس للنجاح الذي حققه العرب بينهم اليوم والأمس)).

أكتفي بهذا القدر من الاقتباسات من كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، والصادر عام 1886م، ومن خلالها نستطيع إن نستنتج إن السلطات الاستعمارية ظلت تنظر إلى العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي بشكل وريبة وقلق من إثارتهم للمشاكل ضدها، والتحريض الدعوة لرفض الاستعمار الاوروبي، لكن فان دين بيرج ينصح هذه السلطات ويوصيها في كتابه الذي يوجه بدرجة أولى إلى السلطات الهولندية بعدم محاولة استعداء العرب الحضارم نظراً لحجم دورهم وتأثيرهم في التاريخ وفي المستقبل.

صور تجمع العديد من العرب اثناء إقامتهم حفل تكريم.

صور تجمع العديد من العرب في الأرخبيل الهندي اثناء إقامتهم حفل تكريم.

السلطان القادري سلطان سلطنة بونتياناك

على اليمين: سلطان سلطنة بونتانياك السلطان محمد القادري، وعلى اليسار: ابنه السلطان حميد الثاني.

سلطان سلطنة بونتياناك السلطان محمد القادريالذي حكم من عام 1895 حتى 1944 (يمين)، وابنه السلطان حميد الثاني الذي حكم من عام 1945 حتى عام 1950 (يسار).

سلطنة بونتياناك (بلغة الملايو Kesultanan Pontianak )  هي سلطنة تأسست عام 1771م في الغرب من جزيرة كالمنتان (بورنيو) في إندونيسيا حالياً على يد علماء وتجار حضارم.

عندما دخل الاستعمار الهولندي إلى جزيرة كالمنتان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، استطاع عبدالرحمن القادري الذي سبق ان قدم من حضرموت بعد ان كان تاجر وزوج لابنة سلطان بونتياناك وابنة سلطان بنجر.

وفي القرن التاسع عشر، اضطربت المنطقة وتحولت إلى ساحة صراع بين الهولنديين والانجليز، فأقام الهولنديين معاهدات صداقة مع السلاطين بما فيها سلطنة بونتياناك، ودعموهم للسيطرة على ممكلة “كونغسي” الصينية التي كانت تسيطر على مناجم الذهب.

وفي عام 1942م، قام اليابانيون باحتلال اندونيسيان ولان السيد محمد القادري وابنه عبدالحميد رفضو التعاون مع اليابانيين، قامت القوات اليابانية باعتقالهما، وأدخلا معسكراً للسجن وقتل ايضاً ثمانية وعشرين من اقاربهما كما توفي السلطان محمد القادري في السجن، وكان هذا الثمن نتيجة معارضته للوجود الياباني. وعندما خرج اليابانيين من اندونيسيا في 15 اغسطس 1945م، خلف السلطان محمد القادري ابنه عبدالحميد الذي عُرف بالسلطان حميد الثاني والذي نادي بقوة بأن تكون اندونيسيا دولة فيدرالية وليست مركزية خاضعة للمركز في جاوا خوفاً من سيطرة الغالبية الجاوية.

وعندما اضطر الهولنديين إلى الاعتراف بإندونيسيا لتصبح جمهورية الولايات المتحدة الإندونيسية دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، كما أعترفت بأحمد سوكارنو كأول رئيس وحاكم عسكري للبلاد في 27 ديسمبر 1949م، وطرد حميد القادري من حكومة الجمهورية الإندونيسية نتيجة لتعاطفه مع الهولنديين بعد الاحتلال الياباني، وتوفي في جاكرتا في عام 1978م.

السلطان عبدالحميد الثاني (يمين) يتحدث غلى ايد اناك اقونق-ثالث رئيس وزراء لإندونيسيا الشرقية (يسار).

السلطان عبدالحميد الثاني (يمين) يتحدث إلى ايد اناك اقونق-ثالث رئيس وزراء لإندونيسيا الشرقية (يسار).

صورة أخرى للسلطان عبدالحميد الثاني، وعلم السلطنة,

صورة أخرى للسلطان عبدالحميد الثاني، وعلم سلطنة بونتياناك.

الحضارم في الأرخبيل الهندي*

الصفحة الأولى من كتاب "حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

الصفحة الأولى من كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، وعلى اليسار غلاف ترجمة الكتاب إلى العربية التي قام بها الدكتور مسعود عمشوش.

في كتابه “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي”** الصادر عام 1886م والمترجم في عام 2006 من قبل الدكتور الفاضل مسعود عمشوش،  يتناول المستشرق الهولندي فان دن بيرخ موضوع الهجرات الحضرمية إلى الأرخبيل الهندي وخصائص حضارم المهجر. ومع إن المؤلف لم يحرص على الدقة والموضوعية في جوانب عديدة من الكتاب، إلا الكتاب يحتوي على الكثير من الصفحات التي تستحق الإطلاع.

ينقسم الكتاب إلى ثمانية فصول، الأول منها جاء بعنوان “نشأة المستوطنات العربية وواقعها اليوم”، والفصل الثاني بعنوان “طباع المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي”، بينما الفصل الثالث جاء بعنوان ” مصادر دخل العرب في الأرخبيل الهندي”، ويناقش الفصل الرابع “الدين والتعليم” أما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان “المواقف والتطلعات السياسية للعرب الحضارم في الأرخبيل الهندي”، ويتناول الفصل السادس الفروق بين العرب في الأرخبيل الهندي والعرب في حضرموت، وجاء الفصل قبل الاخير بعنوان “تأثير الحضارم في السكان المحليين”، أما الفصل الثامن والأخير فعنوانه “اندماج المولدين الحضارم في الأرخبيل الهندي”***.

يستهل المؤلف مقدمة الكتاب بالقول: ((ينحدر جميع العرب المستقرين اليوم في الأرخبيل الهندي تقريباً من اصل حضرمي. ومن النادر جداً أن تجد أن تقابل بينهم أفراد قدموا من مسقط في سواحل الخليج العربي أو من الحجاز أو من مصر أو من سواحل شرق أفريقيا أو من المناطق الأخرى في اليمن. ومن النادر كذلك أن نجد بين العدد المحدود من هؤلاء الأفراد من يختار الإقامة الدائمة في جزر الأرخبيل الهندي، ومن يفعل ذلك سنصهر بسرعة وسط الكم الهائل من العرب القادمين من حضرموت)).

وفي الفصل الثاني، يتناول المؤلف كيفية يتمكن المهاجر الجديد من ترتيب سكن وعمل له في البلاد الجديدة وكيف يبدأ تسيير شؤون حياته، ويقول: ((وعادة ينزل المهاجر الجديد عند وصوله إلى الأرخبيل الهندي ضيفاً على الشخص الذس استدعاه. وإذا لم يستدعه احد طلب من أحد أفراد عائلته أو قبيلته أن يستضيفهز ومن النادر أن يصل أحد العرب لاسيما من فئة السادة إلى الأرخبيل الهندي من غير أن يعرفه أحد يمكن أن يقوم باستقباله. وفي سنغافورة حيث ينبغي أن يمر غالبية المهاجرين القاديمن من حضرموت، احترف اثنان من العرب مهنة استقبال المهاجرين الجدد فيتوليان تسكينهم وعند الضرورة يقرضانهم المال اللازم لمواصلة السفر بشرط ان يدفع المهاجر في  وقت لاحق أجرة السكن والقرؤض مع الفائدة)).

ويشرح المؤلف طريقة السفر من حضرموت إلى جزر الأرخبيل الهندي، ويقول: ((وكان السفر من حضرموت إلى الأرخبيل الهندي يستغرق في السابق شهور عدة. وكان على المسافر أن يركب  البحر في المكلا أو في الشحر باتجاه مومباي ومنها يذهب إلى جزيرة سيلان ثم إلى آتشيه أو سنغافورة، وكل ذلك بواسطة المراكب الشراعية التي لا يزال بعض المسافرين يستخدمونها اليوم، أما الأشخاص الذين يتوفر لديهم المال فيفضلون ركوب السفن الاوروبية التي تنقلهم من عدن إلى سنغافورة مباشرة)).

كما يصف المؤلف طريقة تعامل العرب الحضارم مع المال والأعمال الخيرية بالقول: ((ومن النادر أن تقابل رجلاً عربياً، سواء كان غنياً أو فقيراً، يصرف إجمالي دخله. فالتوفير جزء من طبيعتهم، وهو الذي يؤمن للجميع تقريباً نوعاً من الرخاء. ومن خصالهم المشرفة التي ينبغي ذكرها هن: عدم نسيانهم لأفراد عائلاتهم في حضرموت حينما تبدأ الثروة تطل عليهم. وحين لا يحتاج أقاربهم للمساعدة، يقدم المهاجرون الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى. ويبعث بعضهم للمساعدة إلى أحد العلماء أو أحد أصدقائه المسنين. ولا يفعل العربي أبداً ما يفعله الأغنياء الأوروبيون الذي ينتابهم الخجل عند رؤية اقاربهم الفقراء ويحاولون أن يتخلصوا من بسرعة. أما بين العرب فضرورة استفادة كل العائلة من ثروة أحد افرادها تعد عادة راسخة تتوارثها الاجيال, وكل من يحاول أن يتهرب من أداء هذا الواجب الأخلاقي يستحقره مواطنوه الآخرون. وتصبح هذه العادة واجباً أكثر إلزاماً حينما يتعلق الأمر بمساعدة الوالدين، فاحترام العرب لمن كان السبب في مجيئهم إلى هذه الدنيا ادهشني كثيراً في الأرخبيل الهندي حتى بين المولدين، وقد سبق أن لاحظه قبلي كثير من الرحالة)).

ويتطرق المؤلف لبعض المعاملات المالية وكيفية تعامل العرب الحضارم معها كالحوالات المالية: ((ومن الصعب أن نعرف على وجه الدقة إجمالي الحوالات السنوية التي يبعثها المهاجرون العرب إلى  حضرموت. مع ذلك، اعتقد إنه بالإمكان تقديرها بحوالي 150000 فلوران. ومعظم هذه الحوالات لا تتم بواسطة المؤسسات المالية أو البنوك الاوروبية التي لن تستطيع توصيل الحوالة إلى أبعد من سنغافورة أو مومباي أو عدن، أي أنها لن تسلمها مباشرة إلى صاحبها في حضرموت. لذا يتم في الغالب إرسال الحوالات مع أحد الأصدقاء او الأقارب أو أحد أفراد العائلة الذي يود القيام بزيارة للبلاد. ولم اسمع ابداً أن احدهم قد قصر يوماً في أداء الامانة. وفي باتافيا هناك تاجر يبعث بحوالات الناس مباشرة إلى سيئون بعد أن وضع عند وكيله هناك مبلغ 50000 فلوران يضيف إليه مبالغ أخرى بشكل دوري عن طريق عن. وفي سيئون تسلم الحوالة نقداُ إلى يد صاحبها)).

ولفت انتباه المؤلف التزام العرب الحضارم باداء الواجبات الدينية المالية كالزكاة، ويصف أهتمامهم بها بالدقيق قائلاً: ((كما أن الدقة التي يؤدي بها العرب في الأرخبيل الهندي فريضة الزكاة تعد علامة أخرى على أن حبهم لعمل الخير راسخ فيهم منذ القدم. ولا شك في أن حيهم لعمل الخير مساو لاعتدالهم في المأكل والملبس. فحن لن نجد هنا حضرمياً يتعاطى المشروبات الروحية أو الأفيون)).

ولم يغفل المؤلف الصفات الحميدة والحسنة التي يتسم بها العرب الحضارم: ((ومن الخصال الحميدة التي يتميز بها الحضارم: احترامهم للعلم والفكر، ومن العلوم التي يفضلونها الفقه والقانون وعلوم الدين. ففي الأرخبيل الهندي حتى رجال القبائل الذي لم ينالوا من الحضارة الا شيئاً يسيراً لا يستطيعون أن يظلوا بعيداً عن تأثير الرأي العام السائد تجاه العلم))

ويلفت انتباه المؤلف وإعجابه بتعامل العرب الحضارم مع العلماء ووضعهم في مكانة لائقة بهم بغض النظر عن وضعه المادي، ويؤكد على إن هذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير: ((وقد حضرت بعض اجتماعات العرب ولاحظت أن التجار الاغنياء والرؤساء المعينين من قبل الحكومة الهولندية يخاطبون عالماُ فقيراُ مغموراً بطريقة تبين أنهم يعتبرونهم أرفع منهم منزلة. ويتجاوز هذا التقدير مجرد علامات الاحترام المعنوية. وقد أخبرني أحد أصدقائي من التجار العرب عرفته بالصدفه اثناء إقامته في عدن أن لدى أحد العلماء العرب قضية شائكة مع أحد رجال الدين المحليين، فوضع تحت تصرفه 2500 فلوران ليستطيع أن يستعين بأفضل المحامين إذا ما تطلب الامر ذلك. إلا أن تلك القضية لم تصل لحسن الحظ إلى المحكمة. وهي تبين مدى احترام الحضارم للعلم وحبهم للخير  حتى تجاه الاشخاص الذي لا تربطهم بهم قرابة أو صداقة. وهذه خصال ينبغي أن يقدرها كل إنسان محب للخير)).

أما فيما يتعلق بالجريمة، يقول المؤلف إن الإحصائيات تميل كثيراً إلى صالح العرب، اي أنها تعكس ابتعاد العرب عن الجريمة. وقد أكد لي أحد القضاة الهولنديين أنه خلال مدة 12 سنة لم يمثل أمامه إلا عربي واحد.

ويأخذ المؤلف على العرب الحضارم ابتعادهم من الاوربيين ومحاولتهم لتجنبهم وعدم تدريس اولادهم في المدارس الاجنبية، حيث يقول: ((وعلى الرغم من تلك الخصال الحميدة التي تتسم بها طباع العرب، فالناس الآخرون ينظرون اليهم بصورة سيئة للغاية. كما أن العرب هم الفئة التي تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الاوروبيين، فبينما نجد الصينيين الاغنياء يسعون عادة للاقتراب من الجالية الاوروبية، فلا شيء من هذا القبيل يوجد عند العرب الذين لا يرسلون ابناءهم إلى المدارس الحكومية أو مدارس البعثات التبشيرية)).

لكن يشير إلى ابتعاد شبان العرب الحضارم عن الالعاب المحرمة كالقمار، حيث يقول: ((كما أن الشبان العرب كونوا لانفسهم جمعية خاصة بهم تضم نحو اربعين عضوا وهي عبارة عن نادي ترفيهي يشبه الاندية المنتشرة في المناطق التي تخضع لبريطانيا. وفي هذه الجمعية، إضافة إلى تنظيم بعض حلقات النقاش، يمارس الشباب العابا مثل البلياردو والشطرنج، لكنهم لا يقتربون ابداً من ألعاب القمار المحرمة)).

ويعود المؤلف، فيشير إلى خصلة سلبية في الشخصية العربية، ألا وهي ميولهم إلى الانتقام والثار قائلاً: ((ومن الخصال السلبية التي تبهت الشخصية العربية في الأرخبيل الهندي: طبعهم الانتقامي الذي يميل داءماً إلى الثأر، وحبهم للمقاضاة وجدلهم الدائم مع رجال الدين المحليين حول قضية الشريعة)).

وفي الفصل الثالث، يتطرق إلى طبيعة تجارة العرب في الأرخبيل الهندي: ((من النادر أن لا تقابل في الأرخبيل الهندي عربياً لا يهتم بهذا الشكل أو ذاك بالتجارة. فالعرب يكونون مع الصينيين ما يسمى في لغة التجارة بـالوكلاء، أي أنهم يشترون البضائع بالجملة من الشركات الأوروبية الكبيرة ويقومون بتصريفها أما عن طريق موزعين آخرين أو مباشرة إلى المستهلك)).

كانت هذه بعض الاقتباسات الواردة في كتاب “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ والصادر عام 1886م، محاولين من خلالها التعرف على بعض الجوانب في تاريخ العرب الحضارم في الأرخبيل الهندي، والسمات التي تميزوا بها، وايضاً بعض السلبيات التي اشار اليها الؤلف، بغض النظر عن مصداقيته ودقته. ولا يسعني في النهاية سوى أن أعبر عن عظيم الشكر والتقدير للمترجم الدكتور مسعود عمشوش.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كتاب ” حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” للمستشرق الهولندي فان دن بيرخ، صادر عام 1886م، وترجمة الدكتور مسعود عمشوش.

** العنوان الأصلي للكتاب هو (Le Hadhramout et Les Colonies Arabes L’Archipel  Inden ).

*** للإطلاع على الكتاب الأصلي أضغط هنا.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب ""حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي" والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

الدكتور القدير مسعود عمشوش، مترجم كتاب “”حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” والصادر عام 1886م لمؤلفه الهولندي فان دن بيرخ الذي تظهر صورته على اليسار.

احتفالات المولد النبوي في ماليزيا

احتفالات بوتراجايا 1تصوير: مازن أحمد صالح عبد الحبيب.

يعتبر يوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام هجري  يوم استثنائي في ماليزيا، حيث تقام سنوياً في هذا اليوم احتفالات شعبية في كل مكان من البلاد بمناسبة المولد النبوي الشريف، كما تقام احتفالات رسمية من أهمها الاحتفالات الرسمية التي تقام في العاصمة الادارية  لماليزيا “مدينة بوتراجايا” ويكون مقرها الرئيسي ساحة مسجد بوترا الذي يعد من أكبر المساجد في ماليزيا.

يتم الاحتفال في كوالالمبور بالمولد النبوي عادة من خلال إقامة كرنفال يتضمن مواكب ضخمة، وتتزين الساحة الرئيسية والشوارع المحيطة وكذلك المنازل والمساجد بالاضواء والزينة لتظهر في أحسن حلة وأبهى صورة.

وفي كثير من الأرياف والمدن، يتم توزيع الصدقات والأطعمة، ويجتمع الناس والأهالي في كل قرية وكل حي لإقامة الندوات الدينية للتذكير بسيرة الرسول الكريم وعظمة البعثة الإسلامية، وتتخللها الاناشيد والاهازيج الدينية وكلمات الثناء على الرسول الكريم. كما يقدم طلاب المدارس وصلات شعرية يتغنون فيها بسيرة الرسول عليه افضل الصلاة والسلام.

وأكثر ما يلفت النظر في هذا اليوم هو الملابس، فالجميع يلبسون احسن مالديهم من الملابس كأي عيد ديني آخر، وتتزين الملابس بكل الألون، بينما تتميز كل فرقة مشاركة في الموكب بلون خاص، وتردد بعض الفرق أهازيج دينية متعددة. كما أن الحضور من غير المشاركين في الفرق المشاركة في الكرنفال يحرصون على أرتداء أجمل الثياب ايضاً، وتنتشر الفرحة والبهجة والإبتسامة بين جميع المشاركين والحاضرين في الكرنفال.

ويحمل بعض المشاركين في الكرنفال خصوصاً الفرق المشاركة في الموكب لافتات مكتوب عليها عبارات دينية. ومن بين تلك اللافتات التي لفتت نظر لافتة مكتوبة عليها بلغة عربية -وإن لم تخلو من القصور اللغوي- العبارة التالية (( صفة نبي: صديق. . امانة. . فطانة. . تبليغ)).

وبعد وصول جميع المواكب إلى ساحة مسجد بوترا، يدخل الناس إلى المسجد، بينما يقف بعض المشاركين في ساحة المسجد، وعلى المنصة المؤقتة والموجودة في الداخل يقوم ملك ماليزيا وقيادة الدولة بتكريم الشخصيات التي لها دور فاعل في المجتمع بجائزة المولد النبوي.احتفالات بوتراجايا 2احتفالات بوتراجايا 3احتفالات بوتراجايا 4احتفالات بوتراجايا 5 احتفالات بوتراجايا 6

الشيخ الفاضل صالح بن فريد

الغدير- بعد التعديل

فوق شاطئ الغدير، قابلت الشيخ الفاضل صالح بن فريد العولقي في باحة منزله الرائع الذي يقع على البحر مباشرة، وكان نسيم البحر المنعش يلفح وجوهنا، وأمامنا مشهد بديع، بينما في الناحية الخلفية من المنزل تنتشر الاشجار الكثيفة والعالية التي غرسها خلال السنين الماضية بشكل مرتب ومتناغم لا سيما الورود مما يجعل المكان يبدو في حلة رائعة.

في البداية وبعد تبادل التحية، وجدتها فرصة لأسال الشيخ صالح عن قلعة الغدير التي نراها أمامنا مباشرة وكأنها تحرس الشاطئ، فشرح لي عن تاريخ القلعة وعمرها، فهو شخص يحب التاريخ ويفهمه بعمق، وهو الأمر الذي انعكس في تصميم جانب من بيته وخصوصاً الأبواب الملفتة والمثيرة للاهتمام لكون تصميمها الحديث مستوحى من الأبواب التراثية.

الشيخ صالح نموذج للشخص الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، وامتلك القدرة على التعامل مع قضايا المجتمع الريفي والقبلي كما امتلك القدرة على التعامل مع قضايا المجتمع المدني في نفس الوقت محاولاُ بذلك أن يهدم أي هوة بين فئات النسيج الاجتماعي وتطوير الوعي الاجتماعي وهذا ما يجعله يحظى باحترام في جميع المحافظات لاسيما في مقر إقامته “عدن” التي من الواضح إنه يحبها كثيراً.

خلال السنوات القليلة الماضية، تابعنا -ولا نزال- أخباره وجهوده في تقريب وجهات النظر بين المكونات السياسية والاجتماعية والمدنية الفاعلة في الساحة، وإرساء قواعد للتفاهم وإيجاد العوامل المشتركة بين الناس وترسيخ ثقافة التسامح.

فهو يمتلك قلب كبير وأخلاق رفيعة وقدر كبير من الوطنية، ويتسم بالتواضع واللطف مع الآخرين، ويحتك بالناس من مختلف الفئات والانتماءات ويتسع صدره الرحب لمختلف الآراء ووجهات النظر مهما تباينت واختلفت. . وهو بهذه الأخلاق وبكل هذه الصفات يقدم نموذج رائع للشخصية الاجتماعية التي تتمسك بالقيم والأخلاق ولا تنفصل عن قضايا الناس الاجتماعية والوطنية.

SAM_3652بعد التعديل2