الإحتـــبــــاء

الحبية 0000

عندما قدم الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ إلى أرخبيل الملايو العام الماضي 2013، أحيا مهرجان ديني كبير في أكبر ساحات جاكارتا، وعندما جلس على أرض المنصة، جلس بالطريقة الشعبية “الإحتباء” أمام حشد مكون من عشرات الآلاف، أي جلس مرتدياً الحبوة أو الحبية كما تسمى في بعض اللهجات، وهي ما يُحتبي به من قماش. ولأن العلامة يحظى بمكانة خاصة في قلوب مسلمي أرخبيل الملايو، طلب مني أحد الماليزيين -من شدة احترامه ومحبته للعلامة – أن أجلب له ولأصدقائه عددا من الحبي (الجمع) أو الحبوات (الجمع في اللغة العربية القياسية). ولاحقاً أهديته حوالي درزن منها.

الإحتباء هو طريقة شعبية في الجلوس تنتشر في العديد من مناطق جنوب الجزيرة العربية (في ظفار وفي أجزاء من اليمن خصوصاً المشرق وجنوب السعودية حسب علمي)، حيث بجلس الرجل فوق الأرض ويلف قطعة من القماش كانت تُصنع من الصوف على ظهره وركبتيه، وفي حالة عدم توفرها، يمكن أن يستخدم العمامة أو وزار. أما وضع الإحتباء بإستخدام اليدين فيسمى في العربية القُرْفُصاءُ، وهو أَن يجلسَ الشخص على أَليتيه ويلصقَ فخذيه ببطنه ويضع يديه على ساقيه.

ويفضل الناس في هذه المناطق التي يعد فيه الإحتباء جزء من تراثها الإحتباء عن طرق الجلوس الأخرى، ويعتبرونها الجلسة الأكثر أحتراماً خصوصاً في المجالس العامة واللقاءات الإجتماعية، بينما تعتبر بقية طرق الجلوس أقل أحتراماً مثل الإتكاء.

وفي القواميس والمعاجم اللغوية كالقاموس، أحتبى بالثوب يعني اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها. قال الجزري في النهاية ” الاحتباء هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوضاً عن الثوب يقال احتبى يحتبي احتباء، والاسم الحبوة بالضم والكسر والجمع حبا وحبا”.

الاحتباء في الجلوس  طريقة معروفة عند العرب سواء في العصر الجاهلي أو الإسلامي، وتعتبر طريقة سمو لأنه الجسم من خلالها يعتدل، وتذكر في كتب الفقه الإسلامي على إنها طريقة جلوس مكروهة أثناء خطبة الجمعة مع إن أصحاب هذا التراث في بعض المناطق يجلسون بهذه الطريقة أثناء خطبة الجمعة. عندما بحصت عن أن تفسير لإعتبارها جلسة مكورهة أثناء خطبة الجمعة، وجدت تفسيراين، الأول لأنها جلسة كبرياء في مقام خشوع وخضوع، والتفسير الثاني، لأنها تسبب النعاس والنوم. وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: (( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة محتبياً بيده هكذا)). وأيضا عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب بشملة وقد وقع هدبها على قدميه)).

وأختم المقال مع بعض الابيات من الشعر العربي، حيث نجد العديد من الشعراء قد أشاروا إلى الإحتباء، ومن ذلك يقول أحدهم:

زيد ابن بدرٍ محتبي بفنائه

وعلى كثيب مالك ابن حمار

ويقول الفرزدق:

اسألتي عن حُبوتي ما بالها

فاللومُ يمنعُ مِنكُمُ إن تحتبُو

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s