مدينة لاتشبه سواها*

Sira_harbour_in_aden_as_seen_by_art_portugal كتب/ مازن أحمد صالح عبدالحبيب

إنها المدينة التي قال الأديب الفرنسي بول نيزان بأنها بركان قمري كبير انفجر أحد جوانبه كبرميل بارود قبل أن يوجد رجال ينسجون الأساطير عن الانفجار ولو أنهم فيما بعد نسجوا أسطورة تقول إن عودة بركانها للحياة سيكون إيذانا بنهاية العالم وستكون بوابة الجحيم، كما قال عنها أيضاً:(( لقد علمتني أن علي أن أفهم كل شيء في بلدي الأصل))، وقال عنها كذلك: ((وهذا هو المكان ذو الجمال الأخاذ الذي تموت وأنت تنظر إليه))، وقال عنها أيضاً: ((إنها ميناء مليء بالرموز القاتلة وهي شقيقة جبل طارق)).

إنها المدينة التي قال عنها لويس سيمونان: ((ذكرتني ببعض أحياء القاهرة والإسكندرية والسويس. في كل مكان تجد الأسواق ومحطات القوافل والمسافرين والمقاهي والرواة. في كل مكان توجد المساجد والمنارات والمؤذنون والبيوت ذات البلكونات والاحواش الضيقة. وفي الشوارع يتزاحم الناس طوال اليوم، وتسير النساء محجبات مثلما هو الحال في البلاد العربية كلها)).

إنها المدينة التي قال عنها الفرنسي سامون: ((أجمل وأبهج مدينة في جزيرة العرب))، وقال عنها المؤرخ والرحالة العربي ياقوت الحموي: ((إنها أقدم أسواق العرب)).

وأنا أمر تحت أحد قلاعها الشهيرة، شعرت بمنعة المدينة وقوتها أمام تقلبات الزمن، وحين اعتليت تلك القلعة، شعرت بأنني أعتلي برج بابل الأسطوري، وتراءى لي ودار في خيالي سفن الغزاة  وقد قررت الانسحاب والفرار عائدة إلى مواطنها مهزومة أمام قلعة ستحترق ولن ترفع الرايات البيضاء.

إنها مدينة تعرضت عبر التاريخ لنكسات، وازدهرت وتدهورت، لكن البحر ظل هو ومنارتها ظلت واقفة وحيدة كجزيرة وسط بحر دون حتى أن تحكي لنا ماذا حدث!

إنها مدينة أرتبط أسمها بالجنة وفي نفس الوقت بالنار وبالبركان الذي يتفجر ليعلن نهاية العالم، وربطتها الأخبار بأول الخلق وبهابيل وأخوه قابيل، وأكاد أصدق هذا وأنا أسمع الغراب ينعق فيها كأنه الغراب الذي علم قابيل كيف يوارى جثة أخيه هابيل.

وأنا أمر في بابها، تلفت يسره ويمنه لعلي أرى جنية العقبة المرأة الجميلة الفاتنة ذات الأرجل الشبيهه بأرجل الحمير، لكني وجدتها مدينة تخلو من الجن والأبالسة وأبو ذيل والجبرتيين سواءً في العقبة أو في كهوف البوميس أو في بئر الهرامسة، وحل محلهم أبالسة البشر. وبعد أن كدت أصدق أن هناك مدينة غارقة في بحر هذه المدينة الحقيقية، أيقظني جمال المدينة وأغناني عن أساطير وخرافات المدينة الغارقة.

وأنا كذلك أمر بمساجدها وكنائسها ومعابدها، تنفست رائحة التاريخ العريق لهذه المدينة وعبق التعايش الديني الذي عاشته في عصور غابره، فيها لا تشعر إلا انك تنتمي لهذه المدينة بشكل أو بآخر، إنها مدينة التعايش والسلام بامتياز.

وأنا أتمشى بين صهاريجها، أدركت مدى اقتصادية هذه المدينة وكيف فكر أهلها في تخزين مياه الأمطار بحيث  لا يزيد على 18 صهريجا فقط تستوعب نحو 20 مليون جالون، ولعل ما يلفت النظر وجود لوحة مثبتة على جدار بالقرب من صهريج كوجلان مكتوب عليها “هذه الخزانات في وادي الطويلة مجهول تاريخها”، ويحيط بها جبل شمسان بشكل دائري وكأنه يحرسها من أي مكروه. إنها عدن. . إنها مدينة لا تشبه سواها.

*نُشر هذا المقال على صفحات جريدة الأيام العدنية 

صورة ضوئية للمقال منشوراً في جريدة الأيام

صورة ضوئية للمقال منشوراً في جريدة الأيام

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s