مهاتير محمد وسياسة التوجه شرقاً

hhhh

اهتم الدكتور محاضير بن محمد كثيراً بنوعية اقيم العمل وأخلاقياته وتطويرها في بلاده منذ تسلم الحكومة، وذلك إنطلاقا من إدراكه بأهمية اعتناق قيم إيجابية لتحقيق التقدم المنشود. وعلى مدى 22 عاما تبنى سياسة تطوير أخلاقيات وثقافة العمل على مستويين، الأول هو تعزيز القيم الإسلامية، والثاني مااسماه بسياسة التوجه شرقا (  Look East Policy).

 والمقصود بسياسة ” التوجه شرقا” هو تبني قيم وأخلاقيات العمل السائدة في اليابان بشكل خاص وكذلك كوريا الجنوبية التي تقوم أساسا على الأنضباط الشديد والإخلاص التام لجهة العمل، والحرص على أختيار المدراء ليكونوا قدوة لموظفيهم.

ويصف الدكتور محاضير سياسة التوجه شرقاً في حوار صحفي قائلا: ” “سياسة النظر شرقًا” لا تعني بتبسيط مخل النظر إلى نجاح القدرات التصنيعية لليابان وكوريا الجنوبية, والقدرة الفائقة على تجاوز الدمار الكبير الذي خلفته الحرب, المسألة أبعد من ذلك هي سبر أغوار ما وراء هذا النجاح والتعلم منه. ما المكونات الاجتماعية والثقافية التي شكلت مصدرًا للقوة الجديدة, وتنامي قدرتها التنافسية حتى أسست لهذا النهوض السريع من تحت الركام. عامل واحد لا ريب فيه هو تجذر “المنظومة الأخلاقية لثقافة العمل”, التي تقوم على العمل الدؤوب بكل جدية والحرص على الافتخار بمنتوج العمل. وذلك كله دافعه روح وطنية وثابة أيقظتها الهزيمة والإحساس بالمهانة, والإصرار على إعادة البناءة واستعداد لدفع ثمن ذلك تضحية يدفعها كل فرد في المجتمع. ما دعوت لتبنيه في “سياسة النظر شرقًا” هو التعلم من طريقة التفكير, المنظومة الأخلاقية للعمل, الجدية في تحمل المسؤولية, وإيقاظ الروح الوطنية, وليس مجرد محاكاة اليابانيين”.

 ويؤكد رئيس الوزراء الماليزي الأسبق أيضاً بإن من أسباب تميز الثقافة والمنظومة الأخلاقية كجزء أساسي من المكون الثقافي للمجتمع الياباني، هو ذلك الإحساس الذاتي العميق بالعار. عندما يشعر الياباني بالتقصير في أداء واجبه، أو بارتكابه شيئًا خاطئًا، فإن الإحساس المرير قد يقوده إلى أن يقتل نفسه للتخلص من العار الذي يحس به. ولذلك يحرص الياباني على فعل الأمر الصحيح، وأن يقدم أفضل ما عنده، ولذلك فإن مجموع نتيجة عمل المجتمع الشديد الحساسية من عار التقصير هو أنه يصب في النهاية في صالح ازدهار البلد، والخشية من أن يؤدي التقصير إلى تصنيع منتجات متدنية الكفاءة إلى جلب العار إلى البلد بكاملها تقود إلى التفاني في العمل من أجل أن يقدم العامل أفضل ما عنده. ويخشى الجندي أو العامل الياباني من مواجهة المجتمع، وحتى زوجته أو أسرته الصغيرة إذا قصر في أداء عمله. وتلك ذروة في القيم الأخلاقية عملت على إلهام الماليزيين للتعلم منها.

كما يقول الدكتور محاضير: ” بدأنا التعاون الحثيث مع الشركات اليابانية لنقل التقنية إلى ماليزيا، ولحثهم على الاستثمار لدينا، كما بعثنا طلابنا إلى اليابان في بعثات تعليمية، لأن اليابانيين ليس لديهم المعرفة فحسب وإنما يتمتعون بتقاليد عمل راقية ساهمت في نجاحنا بعد أن اقتبسناها منهم، فهم جادون في عملهم، منضبطون، دقيقون، ويتقنون ما يعملونه، كما أنهم أوفياء للشركة التي يعملون لحسابها، أردنا أن يتعلم موظفونا هذا النوع من التصرف لأن هذا النوع من الانضباط وأخلاقيات العمل ستساهم في نجاحنا”.

والجدير بالذكر ان سياسة التوجه شرقاً لاقت معارضة داخل الحكومة في بادئ الامر، ويؤكد الكتور مهاتير محمد بأن اتباعها لم يكن بالامر السهل، ولكن تلك هي مهمة القائد ودوره : “لم يكن الأمر سهلًا، وهناك من عارض هذه السياسة حتى داخل حكومتي بمن فيهم نائبي موسي هيتام، وكان علي أن أبذل الكثير من الجهد لإقناع الوزراء في حكومتي ورجال الخدمة المدنية بهذه السياسة، كان البعض يتساءل لماذا نأخذ نموذج اليابان، لماذا لا ننظر إلى أوروبا التي تعلمت منها اليابان ونأخذ من المصدر مباشرة النموذج الغربي في النهوض؟ لقد نسي هؤلاء أن النمو الأوروبي ظل متباطئًا على مدى القرنين الماضيين، لقد أصبحت اليابان لتوها دولة صناعية، والمشاكل التي واجهتها لا تزال حية في الذاكرة، ويمكن التعلم منها. ويضيف: أنا لا أقلل من الخبرات الغربية والإسهامات العديدة التي لا يزالون يقدمونها، وما زال لديهم الكثير الذي نتعلمه منهم، ولكن من الأفضل دائمًا التعلم من الناس ذوي الخبرة الأحدث. وفي الواقع أن ما تعلمته ماليزيا من اليابان ليس فقط أهمية منظومة قيم العمل الأخلاقية، بل كذلك كيفية إدارة الأمور في شأن علاقات العمل، ففي الغرب يحظى العمال بسبب قوة اتحاداتهم بأجور عالية مقابل عمل أقل، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تدني الإنتاجية وتقليل القدرة التنافسية، في حين أن العامل الياباني يعمل بإخلاص لمؤسسته وبطاقته القصوى، وللمفارقة حتى عندما يكون هناك إضراب احتجاجي فإنهم ينفذونه خارج أوقات الدوام الرسمي، قد يبدو الأمر مثيرًا للسخرية ولكنه يتسق مع أخلاق العمل لديهم، لأن تعطيل العمل سيؤدي إلى حصولهم على مكاسب على حساب الإنتاج الذي يصب في النهاية في الصالح العام”.

رأى الدكتور محاضير أن ثقافة العمل في اليابان بشكل خاص هي الانسب لقيم وتقاليد بلاده، وليس القيم السائدة في الغرب والولايات المتحدة، خاصة إنه من أبرز المدافعين عن الخصوصية الآسيوية والوعي الآسيوي، وعمل على إذكاء روح الدفاع عن الثقافة الآسيوية والرؤى الآسيوية في ميدان التنمية. كما ساهم الدكتور مهاتير في إذكاء الجدل الفكري حول القيم الآسيوية من خلال دفاعه الشديد عنها، رافضا فكرة عالمية الثقافة الغربية، بدعوى أنها الثقافة الوحيدة التي تؤكد قيم المدنية والحرية مقابل ارتباط الثقافة اللآسيوية بقيم السلطوية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s