عزلتي

بقلم/ نادر الشملاني*

يستوحش الكثير من الناس الجلوس بمعزل عن الآخرين، بل وقد يظنون بأن مُنيتهم قد دنت، أو قد يشعرون بأن الجميع أكثر سعادة وأُنسة منهم. وتراهم يقومون ويقعدون ولا يطيلون المكوث في نفس المكان.. يُتعبهم التفكير وكأنهم لم يُفكروا قط، أو وكأن العقل لم يتحرك وظل ساكناً ساكتاً لمدة عقود، وتراهم أيضاً يتنقلون من غرفة إلى غرفة بحثاً عما قد يساعدهم في تغيير نمط التفكير الذي أرهقهم وأتعبهم.

في قراءاتي المتواضعة عن العقل وقواعده، وجدت أن من أصعب المعارك التي قد يواجهها الأشخاص هي معركة العقل. لا يستطيع الشخص أحياناً أن يتحكم بطريقة التفكير نفسها، ولا يستطيع ايضاً أن فعل أي شيء يغير مسار التفكير.

العزلة يا عزيزي القارئ هي فن البقاء وحيداً. مهما طالت الساعات والأيام والسنين، لابد أن تأتي بك الحياة لتجلس وحيداً بمنأى عن المجتمع سواءً الصغير أو الكبير، القريب إلى قلبك أو البعيد. ويجب عزيزي القارئ أن تُتقن بعض المهارات التي قلّ من يتميّز بها ويعرفها جيداً. فالعزلة هي غذاء للروح والجسد والعقل. من خلالها تعرف صغائر الأمور من كبائرها. العزلة داء لكل وباء، وهي أيضاً حياة.

أباطرة الحياة (دعني أسمّيهم) ومن لهم صولات وجولات في هذه الحياة. كان لهم الدور الكبير في تغيير نمط الحياة التي نعيشها الأن. مهما كنت راغب بها أو لم ترغب. فأنت أُجبرت أن تستسلم لهم وتسلمهم حياتك.

ما يميّز هؤلاء الناجحين هو إتقانهم لفن العزلة. يعرف الناجح متى يعزل نفسه ليفكر ويخطط ويستثمر نفسه، وهذا أجدى الاستثمارات على الإطلاق. من خلال عزلته يستطيع أن يفكر بطريقة التفكير وايضاً ماهي نقاط القوة التي سيعززها، ونقاط الضعف في المقابل، والتي سيعمل على تحويلها إلى نقاط قوة.

أكثر من يستحق أن نشفق عليه هو ذاك الذي يتظاهر بالإلهاء بجلوسه مع الأصدقاء في (الاستراحة) لساعات.. لأن تجف عيونه وتنسدل جفونه ليذهب عائداً إلى منزله ليغط في نوم عميق دون الاكتراث لما حدث أو سيحدث غداً.

النجاح جميل يا عزيزي القارئ، وله مذاق لذيذ. يجعلك بلا قدرة في ترجمة مشاعرك. الإنجازات الشخصية سواء كانت صغيرة أم كبيرة لا تستطيع أن تصفها أو حتى تكتب عنها. فهي فوق الشعور وفوق الأحاسيس وفوق الفرحة أيضاً. فهي فرحة من نوع خاص.

في تاريخ 15  مارس من سنة 2018، كان يوم التخرج لمرحلة الماجستير في الإعلام الدولي من جامعة University of Bridgeport. لا أعرف ماذا حصل عندما نادى المنادي بأسمي ليناولني الشهادة يداً بيداً أمام جميع طلاب الجامعة. ولا أعرف ماذا حصل ايضاً عندما وطأت قدمي على (الستيج)، كانت خطواتي ثقيلة وسريعة بنفس الوقت. شعور مُتداخل يُصعب وصفه بكلمات وحروف وجُمل. إبتسامة وحزن في آنٍ واحد. يختلجني جميع الانفعالات في وقتٍ واحد. وما إن وصلت إلى رئيس الجامعة بينما عيني لم تغادره منذ أن سمعت أسمي، وهو يبادلني ابتسامة طفيفة على وجهه المتجعد وسحنته التي رسم (شغف العلم) نقوشه عليها.

ما إن وصلت أمامه، وأنا مبتسم ابتسامة خفيفة، ومددت له يدي اليمنى لأًصافحه، بادرني بالمصافحة وقال لي بصوت خافت (ألف مبروك)، استلمت الشهادة وكأني حاملاً طموحي وتعبي وشغفي بين كفوفي. سهر السنين العجاف، العزلة الطويلة التي توجّت بهذه الشهادة العظيمة، بُعدي لمسافات عن والدتي ووالدي وأخوتي وأخواتي، ها أنا أقف في أشرف المنصات في الولايات المتحدة الأمريكية وبيدي شهادتي. أنهيت مرحلة من حياتي بكل فخر، عانيت الأمرّين بسبب حلمي الذي كان لابد أن يتحقق بعد قدرة الله عز وجل. ثم وقفت أمام الملأ شامخاً رافع الرأس.

شكراً يا أيتها العُزلة الجميلة فقد غرفتُ من إيجابياتك الكثير. إنها تجعلك كيف تبقى وحيداً فتمنحك الفرصة لتبدع، وتُزهر.

عموماً نحن في فترة العزلة المنزلية. استفدت منها يا صديقي قدر المستطاع فأنا وأنت والجميع نعيش وقت ذهبي بل ماسي.. تستطيع أن تفعل كل شيء في هذه الدنيا.. وتحقق كل شيء حلمت به وكان مُبتغاك. رتّب أفكارك، تأهب لحياتك، ولا تنسى أولوياتك، فأنت من تسعد أولاً وأخيراً. وفي الختام، أتمنى لكم عزلة عميقة.

*متخصص في الإعلام الجديد

 

طوفان المعلومات المزيفة

نطالع كل يوم عشرات المعلومات المغلوطة والمزيفة، ومنها ما يتم اختلاقها عن قصد ومنها ما يتم خلقها وتداولها بغير قصد (عفوية)، وما يُسهل سرعة انتشارها هو استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، والوسائل الرقمية الأخرى مثل يوتيوب وغيرها من الوسائط والوسائل الأكثر شعبية بين الناس اليوم.

وبقدر ما أن نشر وإشاعة المعلومات المزيفة قد أصبح سهلا من خلال استخدام الوسائل الرقمية، إلا أنه -ولذات السبب- أصبح اليوم كشف زيف هذه المعلومات سهلا أكثر من أي وقت. عشر دقائق كافية لكشف زيف أي معلومة من خلال القيام ببحث سريع في شبكة الإنترنت باستخدام طرق مختلفة للتحقق من أي محتوى، ولكن ما يمكن تسميته بكسل السامع يسهل انتشار الإشاعة، ويطول عمرها، لأن لا أحد مستعد لبذل القليل من الجهد للتحقق وكشف الحقيقة.

وضعت شركة فيسبوك تصنيف لأي محتوى يتكون من 9 تصنيفات هي: زائف، زائف جزئياً، صحيح، عنوان مضلل، غير مؤهل، ساخر، رأي، خادع، بلا تقييم (وهذا التصنيف الأخير يقصد به الحالة الافتراضية قبل أن تجري جهات تدقيق الحقائق عملية تدقيق حقائق للمحتوى).

وفي الأشهر القليلة الماضية، انتشرت الكثير من المعلومات غير الدقيقة في ظل وجود أزمة كورونا، حيث تنتعش سوق الشائعات والإشاعات في الأزمات لاسيما الأزمات العالمية سواء كانت أزمات سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو حروب…الخ نظراً لكون الناس تعيش في حالة من التوتر والقلق، فيميلون لتصديق الأخبار الأكثر سلبية، كون طريقة تفكيرهم تقولبت على الرؤية السلبية للأحداث.

ومن هذه الإشاعات ما هو محلي ينحصر في إطار جغرافي محدد، ومنها ما هو ذات طابع عالمي، ينتشر في كل دول العالم، بعد أن يبدأ نشرها من خلال صحيفة صفراء مثلا، أو بواسطة أحد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وتتنوع هذه المعلومات المزيفة بين طبية، وصحية، وسياسية، واقتصادية، ودينية وغيرها، ومنها ما يأتي في شكل وسائط مرئية (فيديو)، ومنها ما يأتي في شكل مواد نصية مزيفة، ومنها ما يأتي مدعم بأرقام وإحصائيات وبيانات مزيفة، أو ترجمة أو دبلجة مزيفة.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن أحد أهم أسباب انتشار الإشاعة هو تناغم الإشاعة مع قناعات واعتقادات المجتمعات، فالإنسان بطبيعته يهتم بالخبر الذي يوافق فكره، ويتجاهل الخبر الذي يتعارض مع اعتقاده، وبما يعني أنه من السهل نشر الإشاعات المؤدلجة والمسيسة بين المتعصبين  للإيديولوجيا أو التيار السياسي الذي بُنيت على أفكاره الإشاعة، وهو ما يسمى بالتحيز الفكري.

ومن أمثلة المعلومات المضللة التي شاعت في العديد من الدول العربية في الأشهر القليلة الماضية، إشاعة مدعمة ببعض الوسائل المسموعة والمرئية تتضمن إدعاء بسماع صوت الحوت الأزرق. الحقيقة هي أن مصدر الأصوات التي تم تركيبها في مقاطع الفيديو هي مقاطع صوتية معدلة، علماً بأن أصوات الحيتان عبارة عن موجات صوتية يتعذر على البشر سماعها.

ومثال آخر ذي بعد سياسي/ديني هو انتشار أغنية صينية تظهر فيها فتاة صينية تقوم بالغناء والدموع تسيل على خديها، ويظهر في الخلفية مشاهد متنوعة للتعبير عن أزمة كورونا. انتشرت الأغنية مع تعليق بالعربية عليها يقول بأن عنوان الأغنية هو “لم نكن نعلم” وأن كلمات الأغنية هي اعتذار للمسلمين على ما بدر من الحكومة الصينية تجاه المسلمين من عرقية الايغور. والحقيقة أن الأغنية لم تذكر المسلمين على الإطلاق، وإنما تهدف لرفع معنويات أهالي مدينة ووهان المنكوبة “بؤرة الفيروس”، وتشد على أيديهم لرفع عزيمتهم لمواجهة الجائحة.

وأختم الأمثلة بمثال ثالث، نُشرت صورة للرئيس الصيني على أنه في مستشفى ووهان، ولا يرتدي كمامات في الصورة تأكيداً على الانتصار على الفيروس. والحقيقة هي أن هذه الصورة التقطت للرئيس الصيني أثناء زيارته لمجمع غوانغدونغ للطب والتكنولوجيا في عام 2018.

وفي هذه العجالة أجدها فرصة للإشارة إلى منصة عربية رائدة تستحق الإشادة في مجال التحقق من المعلومات، وهي “فتبينوا“، وتهدف إلى تنقية المحتوى العربي على  الإنترنت من الإشاعة والأخبار المزيفة والخرافات، وهي بذلك تقوم بدور مميز في صناعة عقليّة نقدية لدى القارئ العربي تتحرى كل شيء قبل نشره، وتؤكد على ضرورة السعي لمعرفة الحقيقة في كل المجالات العلمية، الاجتماعية، السياسية وغيرها من المجالات. تحية لصائدي الأخطاء في “فتبينوا”؛ زوروا موقعهم على الإنترنت.

والخلاصة من هذا كله هي أن المعلومات المزيفة تنتشر بسرعة كما تنتشر النار في الهشيم، وتضلل الكثير من الناس، بل وتتحكم في إحكامهم، وبالتالي فمن المهم التحقق من المعلومات والتحقق من مصادرها الأصلية لمحاربة ومكافحة المعلومات المضللة.

 

نماذج للمعلومات المضللة 👇:

هل تتساءل عن ماهية شبكات الجيل الخامس.. إليك كل ما تريد أن تعرفه

إعداد: سارة الجهني – زياد الدغاري @ZiadAldaghary 

أثار قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض قيود على شركة هواوي الصينية ثم إعلانه في الثاني عشر من أبريل 2019 عن بدأ سباق الجيل الخامس، ضجة كبيرة، ليس لدى أوساط المتخصصين والمهتمين بمتابعة عالم الأعمال فحسب، بل وصلت الضجة إلى شريحة كبيرة من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي الذين طرحوا الكثير من التساؤلات عن ماهية تقنيات الجيل الخامس 5G، وكيف ستغير حياتنا وكيف ستضعنا في عمق الثورة الصناعية الرابعة المستندة كلياً على التطور الرقمي.

فما هي شبكات وتقنيات الجيل الخامس، وما هي الابتكارات الجديدة التي ستظهر قريباً نتيجة لهذه الثورة الرقمية، وما هو إنترنت الأشياء IoT، وكيف سنكون متصلين بكل شيء في عصر الجيل الخامس.. هواتف ذات سرعة هائلة، وتحميل سريع للأفلام والموسيقى.. هذا ما تتوقعه أليس كذلك! نعم هذا صحيح، ولكن هذا مجرد جزء من القصة، فهي أكثر من مجرد سرعة عالية. إنها مفتاحا لاقتصاد الغد.. استعد لسماع أهم الحقائق التي لا تُصدق حول الجيل الخامس وكل ما تريد أن تعرفه!

ما هي تقنيات الجيل الخامس؟

هي تكنولوجيا شبكات خلوية جديدة، يمكنها نقل البيانات بسرعة أكبر بكثير من الجيل الرابع التي نستخدمها أنا وأنت الآن للاتصال بشبكة الإنترنت.

الجيل الخامس تجعلنا على موعد مع سرعة كبيرة ووقت استجابة أقل لنقل البيانات، مما يعني أن التطبيقات والخدمات التي تستخدمها، مثل الفيديو والفيديو شات، وألعاب الفيديو، ستصبح أسرع بكثير مما هي عليه اليوم.

يظهر في الصورة أجهز إرسال وضعت على بعض المباني في لندن لانطلاق تجربة تقنية الجيل الخامس

اتصال الإنترنت بسرعة كبيرة

لا تتسرع وتقول “نعرف ذلك مسبقاَ؟ فمن الواضح إن الجيل الخامس ستوفر سرعة مذهلة، لكن من المهم أن تعرف إلى أي حد تصل سرعتها مقارنة بالجيل السابق.. المثير للاهتمام أنها لا تقارن بالجيل الرابع.

سرعة الجيل الرابع المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت 19.42 ميغابت في الثانية تقريباً، بينما تكنولوجيا الجيل الخامس على الجانب الآخر يفترض أن تزودنا بسرعة تتجاوز هذا المقدار كثيراً حيث تصل إلى 5 غيغابت في الثانية. وهذا فقط ينطبق على أول مودم من الجيل الخامس الذي لا يزال في بداياته وسيشهد تطور في سرعته أكثر وأكثر.

وفق معايير أنظمة الاتصالات المتنقلة الدولية (IMT-2020) ، فإن معدلات نقل البيانات القصوى ستصل إلى 20 غيغا بايت في الثانية الواحدة.

ستكون شبكات الجيل الخامس حوالي أسرع من شبكات الجيل الرابع بحوالي عشرين مرة في المتوسط، مما يعني أنك ستصبح قادر على تنزل الفلم الأمريكي أفنجرز: اندجيم  (The Avengers:Endgame) خلال الوقت الذي يحتاج إليه البطل الخارق ثانوس (Thanos) ليقوم بفرقعة أصابعه. ووقت الاستجابة يمكن أن يصبح أقل من ميلي ثانية واحدة، مقارنة بحوالي 50 ميلي ثانية  بالنسبة للجيل الرابع.

أكثر قدرة بأضعاف

كما هو معروف الجيل الخامس لا يتعلق بالسرعة فقط، ولكنه يوفر قدرة إنترنت أكثر مما تتخيل، حيث سيكون بمقدور شبكات الجيل الخامس أن تدعم اتصال البيانات المتعددة بعد أن كانت غير ممكنة. عندما يتم اتصال شبكة الجيل الرابع إلى كمبيوترك المحمول وهاتفك، تجد أن السرعة تتباطأ، وهذا يعود إلى عدم دعم الجيل الرابع للأجهزة المتعددة في نفس الوقت. لكن شبكات الجيل الخامس ستضع حداً لهذه المشكلة، وسيكون بإمكانك مشاركة الشبكة من خلال جهازك المحمول وجهاز ابن عمك، وصديق ابن عمك وهكذا.. وبحسب معايير اتحاد الاتصالات الدولي، فإن شبكات الجيل الخامس بإمكانها دعم ما يصل إلى مليون جهاز في كل كيلو متر مربع واحد.

وأيضاً، ستسمح شبكات الجيل الخامس بنقل أي قدر من البيانات في طرفة عين. وهذا لأن شبكات الجيل الخامس تتمتع بوقت استجابة منخفض جداً. فإذا كنت بحاجة أن تشارك مهامك العملية مع مجموعتك وفريقك؟ لا داعي لأن تقلق بشان بطء الشبكة إطلاقاً.. صحيح أننا لم نقم بتجربتها بعد لكننا شعرنا بالسرعة المذهلة من الأرقام التي يطرحها الخبراء.

لن يكون ثمنها زهيداً

نعم، من المتوقع أن تكون تكاليف شبكات الجيل الخامس باهظة للعديد من السنوات القادمة نظراً لهذه السرعة العالية والمميزات الساحرة.

 وسبق أن التزمت شركة سبرنت بإطلاق خدمات جوال الجيل الخامس في النصف الأول من العام 2019 بأسعار عالية نوعاً ما، ويتوقع أن ترتفع باقات البيانات للجيل الخامس إلى 20-30 دولار أمريكي.

ولك هواتف الجيل الخامس في المقابل ستكون قادرة على تنزيل فيلم ثلاث الأبعاد في غضون 6 ثواني أي قبل أن تزل قبعتك من على رأسك، بينما نفس الفيلم سيستغرق تنزيله 6 دقائق في هواتف الجيل الرابع وبالتالي فالسرعة العالية قد تعني تكلفة عالية بكل تأكيد.

ومن المتوقع أيضاً أن تشهد أسعار الإنترنت للجيل الخامس انخفاض عندما تنطلق خدماتها في البداية، ثم تصبح شبه ثابتة مع الوقت من وجهة نظر اقتصادية أخرى.

لست فقط للهواتف

لا ينبغي أن تحصر اهتمامك بشأن الأجهزة الذكية فقط، لأن الجيل الخامس سيقودنا إلى ابتكارات أخرى كثيرة ومنها السيارات الذكية ذات المميزات الرائعة، وستظهر السيارات ذاتية القيادة والتي يمكنها التواصل مع العالم بطريقتها الخاصة خصوصاً إن قدرة الإنترنت ستصيح عالية ووقت استجابته ستنخفض بشكل كبير. ولذلك، فمن المكن جداً أن تصبح السيارات قادرة على التواصل مع محيطها بسرعة عالية.

وليس فقط السيارات ستتطور بفضل الجيل الخامس، ولكن هناك الكثير من التحولات التي ستحدثها شبكات الجيل الخامس على كل جهاز اتصال على وجه الأرض تقريباً. والمنتجات الأخرى مثل سماعات الواقع الافتراضي، والأجهزة المنزلية الذكية، وأجهزة الحاسوب وغيرها ستتطور بوتيرة متسارعة بتأثير الجيل الخامس. ومثال على ذلك، فإن عدّاد الخطوات التي تخطوها أثناء المشي سيصبح منتج قديم، وستتيح شبكات الجيل الخامس لأجهزة “الفيت بيت” والساعات الذكية أن تتبع نظام تحديد المواقع الخاصة بك بطريقة فورية في الوقت الفعلي.

ونفس الشيء، فإن تقنيات الواقع الافتراضي VR والواقع المعززAR  ستتطور نتيجة لظهور الجيل الخامس. يتعامل الناس اليوم مع الواقع الافتراضي والواقع المعزز من خلال ألعاب الفيديو مثل بوكيمون لكن الاعتماد عليها لا يزال محدود النطاق. والجيل الخامس هو الخيار الوحيد لفتح الأبواب على مصراعيها لخلق تحول كبير في هذه التقنيات.

إننا بصدد الانتقال إلى “عصر ما بعد الهاتف”، والآلات ستصبح قادرة على التواصل مع بعضها البعض، ولن يكون من الضروري التواصل عبر شبكة تزدحم فيها المعلومات التي ترسلها الآلات بل سيكون تواصل سلس وسريع.

وحسب التقديرات، فإن 29 بليون جهاز ستكون متصلة مع بعضها فبحلول عام 2021، ومن ضمن هذه الأجهزة أجهز الاستشعار المستخدمة في الروبوتات ومصدات العربات والنوافذ والملابس والأجهزة المنزلية وبصفة عامة كل شيء تقريباً، وهو ما يمكن أن نسميهMachine-to-Machine Communication بدون واي فاي آو بلوتوث.

معدات قامت شركة الاتصالات اليابانية إن تي تي توكومو بتركيبها لتجربة شبكات الجيل الخامس في المناطق الحضرية في اليابان

تكنولوجيا ساحرة

في فيديو لشركة “تي موبايل” عن الواقع المعزز   ARفي عام 2020، راكب دراجة هوائية  يتحاشى حادث اصطدام بعد أن تلقى إشعار من شاشة التنبيه الافتراضية بأن شاحنة دفع رباعي تقترب منه بسرعة من الخلف، ورجل آخر يحاول تجربة ملابس في متجر ليس بلبسها فعلياَ ولكن برؤية كيف يمكن أن يبدو هو من خلال فيديو يعرض على شاشة.

هل أحتاج إلى هاتف جديد؟

نعم.. ويتوفر اليوم أول مجموعة من أجهزة الجيل الخامس والتي يمكنك شراءها، وسبق ان قامت بعض شركات صناعة الهواتف الذكية مثل “سامسونغ” و”موتورلا”بطرح هواتف ذكية بتكنولوجيا الجيل الخامس، ويتوقع أن تحذو “آبل” حذوهما قريباً ولكنها قررت أن تأجل تصنيع هواتف الجيل الخامس حتى يحين الوقت المناسب. ولذلك، يمكنك أنت أيضاَ أن تستخدم هاتفك الذكي بتكنولوجيا الجيل الرابع حتى يحين الوقت المناسب.

متى ستدخل حياتنا

الأخبار السيئة هي أن شركات تصنيع القطع لم تبدأ فعلياً بعد في صناعة ما يتلاءم مع الجيل الخامس. وتتطلب التقنية الجديدة نصب عدد كبير جداً من محطات الشبكات اللاسلكية الأساسية، وأجهزة إرسال قصيرة المدى، لتوفير نفس التغطية الجغرافية التي توفرها شبكات الجيل الرابع.

من ناحية فنية، تكنولوجيا الجيل الخامس أصبحت موجود في الواقع، ولكنها بحاجة للخضوع لمزيد من الاختبارات والتطوير وتطوير بنية الاتصالات قبل تطبيقها. وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي أن نتوقع أن تبدأ شبكات الجيل الخامس في الاستخدام الفعلي إلا بعد عام أو عامين من الآن.

سبق أن أطلقت شركة فريزون الجيل الخامس في خمس مدن مثل هيوستن، لوس أنجلس، سكرامنتو، انديانابوليس. لكن هذه الشبكات ليس هي نفس شبكات الجيل الخامس التي يتحدث عنها الجميع. ولذلك فمن المتوقع أن لا تصبح خدمات الهواتف المحمولة من الجيل الخامس في متناول اليد حتى العام القادم أو الذي يليه على أقل تقدير.

كما قامت شركة AT&T بتجربتها الأولى على شبكات الجيل الخامس في شهر سبتمبر من هذا العام في محاولتها لإطلاق خدمات الجيل الخامس الخلوية في 12 مدينة كمرحلة أولى لكون إنشاء هذه الشبكات يستغرق وقتاً كبيراً. والمدن المختارة ستكون محظوظة لتجربة هذه الخدمات قبل غيرها من المدن التي ينبغي عليها الانتظار عدة سنوات أخرى لاستخدام هذه الشبكات الرائعة.ويتوقع أن تمتلك شركة AT&T على سبيل المثالشبكات الجيل الخامس في حوالي 20 مدينة أمريكية بمرور عام.

 بينما قالتا شركة “تي موبايل” وشركة “فريزون” في وقت سابق بأنهما سيبدأن العمليات التشغيلية هذا العام أيضاً. وهناك أربع من شركات الشبكات اللاسلكية على الأقل ستقدم تغطية للجيل الخامس في العديد من مدن العالم في 2020، ومن ضمنها مدينة اتلانتا، ودنفر، وواشنطن. وبلا شك ستكون التغطية داخل المدن محدودة في البداية، ولا تتمكن من الوصول إلى الشبكة إلا أحياء معينة.

 وفي المملكة المتحدة، العديد من الشبكات تقدم خدمات الجيل الخامس في عدد من المدن المختارة ومن ضمنها لندن وكارديف.

وتخطط كرويا الجنوبية لامتلاك شبكات الجيل الخامس بحلول العام القادم، ولذلك فمن المحتمل أن يشهد العام المقبل قدوم شبكات الجيل الخامس في الولايات المتحدة واليابان والصين وكوريا الجنوبية. وحتى تحين هذه اللحظة،  دعونا نكون سعداء باستخدام الشبكات الجيل الرابع.

فني من شركة هواوي يقوم بفحص الكابلات أثناء تجربة معدات الجيل الخامس في لندن في مارس 2019

تكنولوجيا واعدة

ستحدث هذه التكنولوجيا ثورة جذرية في الأعمال التجارية من الزراعة إلى التصنيع. ومالكي المصانع سيتمكنون من استخدامها للتحكم في الروبوتات، والمزارعين سيتمكنون من استخدامها في متابعة الجرارات الذكية وذاتية التحكم، وصانعي السيارات يرونها أنها واعدة في تطوير السيارات ذاتية القيادة، حيث ستتواصل العربات مع بضعها البعض وتتبادل المعلومات عن أحوال الطرق والمخاطر وغيرها. ومثل غيرها من التقنيات الرائدة، تعدنا شبكات الجيل الخامس بإطلاق موجة من الشركات الناشئة والخدمات الجديدة المبتكرة غير المتوقعة.

خطر على الخصوصية

لا يزال دعاة وأنصار الخصوصية قلقين من أن تسهل شبكات الجيل الخامس لدوائر تطبيق القانون وغيرهم متابعة ومراقبة أماكن تواجد الشخص وتحديدها بدقة بحكم اتصال الهادف بخلايا متعددة. كما إنهم قلقون بشان إمكانية تطوير برامج التعرف على الوجوه. ومع ذلك، فإن نظريات المؤامرة المنتشرة والتي تدعي أن هناك رابط بين إشارات شبكات الجيل الخامس والسرطان لا تستند على أي أساس علمي إلى حد الآن.

إمكانيات مرعبة

يعتقد أن مستقبل التكنولوجيا اللاسلكية يحمل لنا وعد بالاتصال الشامل، لكنه قد يجعلنا أيضاً معرضين للهجمات الإلكترونية والمراقبة.

ويعتبر عملاق الاتصالات الصيني، هواوي، هو القائد العالمي لتكنولوجيا الجيل الخامس، مما يجعل إدارة ترمب تعلن بدء السباق في هذا المجال من خلال وضع العراقيل لهواوي وتحد من نشاطاتها في تطوير صناعة الجيل الخامس، ويتوقع بعض الخبراء أنه في حالة تمت عرقلة هواوي فإن ظهور شبكات الجيل الخامس بصورة فعلية سيتأخر عدة سنوات أخرى لكونها الأكثر تقدماً في هذا المجال.

وقد وضعت الولايات المتحدة شركة “هواوي” على قائمة سوداء للتصدير مستندة على ما قالت إنه تهديد متعلق بالأمن القومي، ووفق هذا القرار منعت الحكومة الأمريكية الموردين الأميركيين من البيع لأكبر شركة في العالم لصناعة أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية وصانع الهواتف الذكية رقم 2 دون حصول المورد الأميركي على موافقة مسبقة.

يهدف الحظر الأمريكي على هواوي إلى عدم استخدام تجهيزات هواوي في الشبكات ذات الحساسية الأمنية، ولكن بعض المراقبين يعتقدون أن واشنطن قد تكتفي في وقت لاحق بمنع شركات الاتصال الأميركية من استخدام تجهيزات هواوي للجيل الخامس، وبذلك يمكن أن ترفع الحظر الكامل وتعود الأمور إلى مجاريها بالنسبة لاستثمارات هواوي في مجال الهواتف الذكية.

الشركات الغربية بحاجة لهواوي

حذر رئيس شركة “فودافون” من أن منع هواوي سيؤدي إلى تأخير تبني تقنية الجيل الخامس لمدة عام على الأقل، وبتكلفة أعلى بكثير. الفكرة هي أن هواوي تُنافس الشركات الغربية من حيث القدرة والإمكانيات بمجال تجهيزات الجيل الخامس، ويمكنها تنفيذ المشاريع الضخمة بمهارة وتكلفة أقل.

ببساطة عدد الشركات القادرة على تركيب شبكات الجيل الخامس قليل نسبيا، أي أن الطلب أكثر من العرض أساسًا حتى مع وجود هواوي. وشركات الاتصال العالمية تُريد تركيب وتشغيل شبكات الجيل الخامس قبل مُنافسيها كي تكون رائدة في هذا السوق، وهي لا تحتمل أية تأخير.

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الإيكونومستEconomist  فإن أوروبا تحقق أرباحا كبيرة من تجارتها في السوق الصينية، وإن ازدهار شركات الاتصال الأوروبية لن يُعوّض ما قد تخسره أوروبا لو قررت الصين الرد بحرب تجارية معها.

ناهيك عن أن استبعاد هواوي سيؤخر طرح الجيل الخامس في أوروبا المُتخلفة أصلًا بما يُقدّر بحوالي 3 إلى 4 سنوات عن الولايات المتحدة. كما قالت صحيفة الإيكونومست بأن المنع الكامل لهواوي في أوروبا سيكون كارثيا لأن حوالي 200 مُشغّل للجيل الرابع في القارة يعتمدون تجهيزات هواوي، ومنع الشركة يعني إيقاف صيانة وتحديث هذه التجهيزات.

هل هي آمنة صحياَ؟

الأشهر الماضية، سجلت أول إصابة يعتقد أنها حدثت بتأثير الجيل الخامس، حيث قامت المجلة السويسرية الناطقة باللغة الفرنسية “المصور” بنشر تقرير صحفي بعد مقابلة العديد من الناس من سكان جنيف بعد إطلاق شبكة للجيل الخامس في مواقع معينة، وحذرت فيه من المخاطر والإصابات، وقالت بأن الساكنين أبلغوا عن ظهور بعض الأعراض الصحية المتشابهة في نفس المواقع.

قانونية لكنها غير آمنة

وتابعت المجلة السويسرية طرح الأسئلة حول القضية وقالت: حالما تم تركيب الهوائيات، العديد من الساكنين والعائلات في قلب مدينة جنيف قم بالإبلاغ عن أعراض متشابهة وغير مألوفة مثل الطنين العالي في الأذن، والصداع الحاد، وآلام حادة في الأذن، والأرق، وآلام في الصدر، والإرهاق والشعور بالتعب في المنزل.. جون بيروتشود 29 سنة، أحد القاطنين في جنيف، أتصل على شركة الاتصالات سويس كوم، وتأكد بأن الشركة قد قامت بتفعيل أبراج الجيل الخامس في نفس اليوم الذي بدا فيه يشعر بهذه الأعراض، لكن الشركة أكدت بأن كل الإجراءات قانونية وحسب اللوائح المتبعة.

دعوات إلى إيقافها

د. بيرتاند بوتشز دعا في التقرير الصحفي المذكور إلى تعليق نشاط شبكات الجيل الخامس، وصرح بأنه قابل العديد من المرضى يعانون من أعراض متشابهة، وفي هذه الحالة فإن السلطات تجازف بالتعرض لكارثة في بضع سنوات.. وأضاف: لا يوجد دراسة جادة بعد وهذا ليس بمستغرب طالما نعرف أن هذه التكنولوجيا قد طورت في الصين، ثم بعد ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سويسرا، يمكن أن نبدأ في استقبال الأشخاص الذين يشتكون من هذه الأعراض، وإخضاعهم للفحص، ويبدو إن تطرح هذه القضية للمناظرة وخاصة أن القصة ليست على وشك الانتهاء.

وأدلت شركة الاتصالات السويسرية “سويس كوم” بتصريح قالت فيه أن الجيل الخامس يخلق فرص جديدة للعملاء والأعمال التجارية على امتداد سويسرا، وستوفر شبكات الجيل الخامس اتصال سريع لملايين الواجهة والأشياء والناس.

أعراض التسمم الإشعاعي اللاسلكي

هذه القصص تماثل قصة آن ميلز، مؤلفة كتاب “All EMF’d Up” المتخصص في المجال الإلكترومغانطسي، والتي عانت من التسمم الإشعاعي اللاسلكي في ألمانيا عندما كان زوجها هناك بغرض العمل، وكتبت في مذكراتها أعراض متطابقة لتلك التي ذكرها بعض سكان جنيف. وكما جاء في مجلة المصور السويسرية، فمخاوفها مثل الآخرين في جنيف قوبلت بالرفض. وقامت آن ميلز بمراجعة الطبيب الألماني، د.هورست ايجر، لتأكيد أصابتها بهذه الأعراضالمتعلقة بإصابات الموجات الميكروية microwave والتي سبق مشاهدتها في طاقم عمل الرادار في الجيش وأولئك الذين يعملون في أبراج الموجات المكروية.

مستقبل واعد وآفاق رحبة

ستقودنا تكنولوجيا الجيل الخامس إلى ما يعرف بإنترنت الأشياء IoT حيث كل شيء يعمل عن بعد اليوم سيكون أمراً روتينياً، والجيوش ستطور أسلحة أسرع من الصوت، والسيارات ذاتية التحكم ستبحر بأمان على طول الطرق السريعة الذكية.

وتؤكد إحدى الدراسات بأن تكنولوجيا الجيل الخامس ستضخ 12 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2035، وستضيف 22 مليون وظيفة جديدة غلى السوق الأمريكية. 

ــــــــــــــــــــــــــ

*نقلاً عن مجلة “اليمامة”، العدد 2581، الخميس 31 أكتوبر 2019، ص10-15

 

فيروس كورونا.. مؤامرة وسلاح بيولوجي

 

عندما ظهر فيروس كورونا المستجد (COVID-19) في الصين نهاية العام الماضي 2019، وقف الكثير من الناس في حيرة من أمرهم أمام هذا الوباء السريع الانتشار، وطرحت الأسئلة نفسها عن أسباب نشوءه، وتفسيرات ظهوره المفاجئ، وكيفية التعامل معه.

وأمام ظاهرة معقدة مثل هذه، بدأ البعض يفسر الظاهرة بطريقة بسيطة وبدائية تتضمن جانب خرافي أو مؤامراتي ناتج عن “نظرية المؤامرة”، نظراً لعدم قدرتهم على التعامل مع أي ظاهرة لا يوجد لها تفسير واضح، وكان لابد أن يجدوا تفسير ما، ثم يتعاملون مع هذا التفسير كما لو كان حقيقة مسلم بها وهو ما يجعلهم في النهاية يشعرون بالارتياح النفسي والشعور بالسيطرة.

هناك في العالم العربي من قال في بداية الأمر أن هذا الفيروس هو عقاب من الله تجاه الصين نظير ما اقترفته أيديها بحق عرقية الأيغور الصينية “من مسلمي الصين”، ولم يكن بمقدور أصحاب هذه النظرية الغيبية أن يدركوا حينها أن الفيروس سيصل إلى أقصى الجهات الأربع للكرة الارضية وفي غضون أشهر قليلة أن لم تكن أسابيع فقط، أو أن مسلمي الصين أنفسهم ليسوا بمنأى عن هذه الفيروسات التي تعطي الجميع فرصاً متساوية تماماً ولا تفرق بين جنس أو عرق أو لون. ثم سرعان ما تحولت نظرية “العقاب الإلهي” إلى الاعتقاد بأنه “عقاب وسلاح أمريكي” لعرقلة تقدم الصين الاقتصادي، ثم بدأ العرب والإيرانيين يعتقدون بصحة نظرية السلاح البيولوجي وهم يرونه يصل إلى إيران وعدد من الدول العربية.

عرفت البشرية مثل هذا الوباء في العصور الغابرة، وشهدت القرون الوسطى انتشار الطاعون الذي فتك بمئات الآلاف من الناس في أيام، وشهد العهد النبوي وعهود الخلفاء الراشدين انتشار الاوبئة، وكانت الوصية النبوية أن لا يدخل المرء بلداً انتشر فيها الوباء وأن لا يخرج منها من كان فيها مسبقاً.

وفي حالة الكورونا، يرى الصينيون بأن كورونا هو فيروس غير صناعي، ولم يتوصلوا إلى تفسير دقيق إلى هذا اليوم عن ماهية هذا الفيروس وأسباب نشأته، ولم يصنع مصل العلاج بعد. في حين يروج بعض المؤمنين بنظرية المؤامرة فكرة تشير إلى أن كورونا صنع في أحد مختبرات الصين لتحقيق غايات قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية.

تداول الكثير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي صور صفحات من رواية أمريكية نشرت قبل أربعة عقود كدليل على ان فيروس كورونا هو سلاح بيولوجي، أي أن مؤلف الرواية أما إنه جزء من المؤامرة أو على علم بها، وهو في الرواية يخبر بتفاصيل دقيقة عن هذا السلاح البيولوجي.. هذا دليل لا يقبل النقاش.. هل بدأت الحرب البيولوجيبة إذن!

ولكن ماذا عن تناقض النظرية مع نفسها، الكاتب أمريكي، وفي نفس الوقت يقول في روايته أن العلماء قاموا بتطوير الفيروس فى مختبرات تابعة للجيش الصينى، كجزء من برنامج هذا البلد للأسلحة البيولوجية فى الحروب، ثم لا يلبث أصحاب نظرية المؤامرة أن يعتقدوا أن الصين هي الضحية وهي الهدف، أما المستهدِف فربما كانت أمريكا.. ربما.. لأنها الأقوى بالطبع والقوي دائماً يمكن أن نجعل منه تفسيراً لكل ما لا يمكننا تفسيره!

بالنسبة للرواية السالفة الذكر، فهي رواية بعنوان  “The Eyes of Darkness”أو “عيون الظلام” المؤلف دين كونتز، الذي كتبها عام 1981، أي منذ 39 عاما. وتدور أحداث الرواية فى مدينة ووهان الصينية، حيث يطور العلماء فى مختبرات تابعة للجيش الصينى، فيروسا كجزء من برنامج هذا البلد للأسلحة البيولوجية فى الحروب، وأطلق دين كونتز على الفيروس “Wuhan-400”  أو “ووهان – 400″، وقال أنه سلاح مثالي لأنه يؤثر فقط على البشر، كما أنه لا يمكنه البقاء خارج جسم الإنسان لأكثر من دقيقة ولا تتطلب عملية إزالة تلوث باهظة الثمن بمجرد انتشارها بين السكان.

وتدور القصة الرئيسية للرواية، حول الأم “كريستينا إيفانز” التى تتوجه إلى الصين لمعرفة إن كان ابنها “دانى” قد توفى فى رحلة تخييم، أم أنه كما تشير رسائل مشبوهة، بأنه ما زال على قيد الحياة، وتنجح الأم فى تعقب ابنها الذى كان محتجزا فى منشأة عسكرية بعدما أصيب عن طريق الخطأ ببكتيريا تم تطويرها داخل مركز الأبحاث فى ووهان.

وانتقل عالم صينى اسمه “لى تشن” إلى الولايات المتحدة، وهو يحمل قرصا مرنا لتخزين البيانات “floppy disk” يحتوى على معلومات عن أهم سلاح بيولوجى صينى جديد وأخطرها خلال العقد الماضى، يطلقون عليه اسم ووهان-400، لأنه طور فى مختبرهم للحمض النووى المعاد التركيب، الواقع خارج مدينة ووهان.

وهنا يشير النص (وهو من نوع الخيال العلمي) إلى أن المختبر يقع خارج مدينة ووهان، وهى مصادفة تجعل من أحداث الرواية وما يجرى اليوم متطابقا، لأن معهد ووهان لأبحاث الفيروسات، الذى يضم المختبر الوحيد من الدرجة الرابعة للسلامة البيولوجية فى الصين، وهذا التصنيف هو الأعلى من نوعه للمختبرات التى تجرى دراسات على أخطر الفيروسات، يقع على خارج مدينة ووهان بعد 32 كيلومترا.

والتشابهات بين فيروس كورونا وماجاء في الرواية ليست كثيرة من ناحية علمية، فعلى سبيل المثال فإن معدل الوفيات جراء الفيروس المشار إليه في الرواية هي 100% بينما معدل فيروس كورونا هو 0.2% فقط، كما أن فترة الحضانة لفيروس الرواية هي 4 ساعات فقط، ومن 2 إلى 14 يوماً هي فترة حضانة كورونا الجديد. كما أن المؤلف نفسه لم يدّعي ان مايقوله في الرواية سيحدث وانه قد تنبأ بما سيحدث!

وباستخدام طبعة قديمة من الرواية (طبعة تعود إلى العام 1981) متوفرة في Google Books، نجد أن المؤلف قد أشار إلى الفيروس باسم آخر وليس باسم “ووهان” وهو “Gorki-400” أو غورغي-400، نسبة إلى اسم مدينة أو بلدة روسية. لكن ليس هناك ما يوضح إ سبب تغيير التسمية لاحقاً في عام 2008 إلى “ووهان-400”.

والحقيقة هي أنه لا يوجد إلى هذه اللحظة أي دليل علمي على صحة هذه التكهنات، كما أن انتشار الفيروس حول العالم يجعل من الصعب الاعتقاد بأنه صنع خصيصا لاستهداف بلد بعينه. ومن الواضح ان كل ما نسمعه هو مجرد هذيان ناتج عن نمط تفكير ما يسمى بنظرية المؤامرة، والذي يجعل الناس يشعرون بضعف الحيلة حين يصعب عليهم تفسير ظاهرة ما.

الرواية المذكورة ليست دليلاً يعتد به، وهي نوع من أنواع الخيال العلمي ولا غرابة أن أصاب المؤلف –أي مؤلف- في تكهناته وتنبؤاته، فليس كل ما يحدث في حياتنا هو جزء من خطة محبكة ومن أحداث ممنهجة، فالمصادفات كثيرة في حياتنا، فضلاً عن مهارات الكاتب الاستشرافية وخياله الواسعة في اختيار مدينة ووهان بعينها. وليس من المنطق أن نتعامل مع التكهنات كما لو كانت حقائق، والحقائق كما لو كانت تكهنات. والنظريات التي لا تستند إلى دلائل وبراهين فهي بلا قيمة، ولا تستحق أن نصدقها ونؤمن بها، فنعيش سنين طويلة مع أوهام ليس لها وجود في واقع الأمر.

يمكنك قراءة “عين الظلام” باللغة الإنجليزية عبر الرابط التالي:

http://bit.ly/2VFuGuT

 

============

Gorki-400

ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها

وأنا أفكر في ماهية التاريخ وتأثيره الساحر على حياتنا ومفهومنا للحياة والوقائع من حولنا، لمع في ذهني مثل ايطالي سبق أن سمعته من قبل ويقول المثل “ما أسعد الأمة التي لا تاريخ لديها”، وربما جاء المثل من كون امة كهذه لن تكون قد سجلت إلا القليل من المآسي والحروب والصراعات والمجاعات والكوارث، فالتاريخ بالنسبة لنا هو ما تم الاحتفاظ به بطبيعة الحال، وعلى الرغم من إنني لست متأكداً مما قد يرمي إليه المثل بالضبط في الثقافة الحاضنة له، إلا إنني أردت إسقاطه كما فهمته أنا.

وبلاد شك فالتاريخ شيئاً ساحر ويبهر العقول، ويحمل لنا كنوزاً من الأمثال والحكمة والتجارب والمحاولات والدروس، وسير بعض الشخصيات التاريخية تجسد المبادئ التي حملوها، فالتاريخ ليس مجرد سرد قصصي لتاريخ الحروب والصراعات والانتصارات والهزائم والدماء.

وقد يميل الإنسان للتأمل في التاريخ وقراءة تفاصيله لكونه يساعده على خلق تصورات للماضي ولحاجته إلى ما يعزز ذاكرته وذاكرة الأجيال الجديدة، وفهم حاضره واستشراف مستقبله، ولكنه قد يمعن في اجترار أحداث التاريخ لأنه وسيلة فعالة لتضليل ذاته بمبررات تاريخية أكثر من كونه وسيلة يسترشد بها إلى حل ألغاز الحاضر واستشراف المستقبل في أحايين كثيرة.

وإلا لماذا يلجأ المتعصبون في مختلف الشعوب وأمتنا العربية نموذج صارخ وخلال القرون الماضية إلى استخدام مفردات تاريخية لتحقيق غاياتهم عند التحريض والتعبئة العقائدية والسياسية والاجتماعية، والدفع بالشعوب في أتون الاختلافات والانقسامات والاقتتال.

الحقيقة الأكيدة هي أننا لا نستطيع أن نلغي أو نتجاهل التاريخ، فالتاريخ موجود مادام هناك من يدونه وينقله للأجيال، ومادام هناك وسائل ملموسة تحتضن تفاصيله سواء كانت دقيقة أو غير دقيقة، وهو علم من العلوم الإنسانية ويدرس في الجامعات، كما إنه يأتي في ثنايا الأدب والشعر والأقوال والقصص والحكايات الشعبية والكتب المقدسة، وكل زمن نعيشه يصبح جزء من التاريخ فيما بعد.

لكن يبدو أن هناك من شعوب الأمة العربية من قرر أن يعيش في التاريخ ويسكن بين مقابره، ويتقمص ادوار تاريخية غابرة، ويستلهم مشاعره العقائدية الانتقامية من التاريخ، ويظل يجتر آلامه وأحزانه وأحقاده وانتقاماته وثاراته.

وكل هذا العبث في محاولات فهم وإعادة تشكيل ورسم التاريخ ولي عنقه حسبما تقتضيه الخلفيات الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية، يأتي على حساب الحاضر واللحظة الزمنية التي نعيشها، على الرغم من أن العقل والدين والضمير يخبرنا بأنه لا يوجد إي مسوغات تاريخية للعبث بالحاضر.

وبهذه الطريقة القاصرة في اجترار التاريخ وإسقاطه على الحاضر سيصبح تاريخنا لعنة علينا، وسيظل يحركنا ويدفع بنا في دوائر مفرغة ودوامات بلا نهاية، وربما كنا أكثر سعادة وحاضرنا أكثر جمالاً ووئام لو إننا مجازياً أمة بلا تاريخ، ولو إننا قرأنا التاريخ كما يجب دون أن يتحول الأمر إلى هوس بالتاريخ، وقراناه بأسلوب أكثر عقلانية ووعياً؟!

نمط تفكير نظرية المؤامرة!

ينتشر بين الشباب العربي أفكار غريبة من قبيل سيطرة الماسونية العالمية على العالم والتحكم فيه، ووجود حكومة خفية أشبه بالأشباح تحكم العالم بسرية تامة، وهناك في العالم العربي من يعتقد أن العديد من الأحداث العلمية والسياسية والاجتماعية مجرد خدع وتضليل إعلامي من قبل المتحكم الخفي في العالم مثل الاعتقاد بأن هبوط الإنسان على سطح القمر مجرد تلفيق وادعاء كاذب، أو أن الأرض ليست كروية وإنما مسطحة او أن الشمس هي التي تدور على الأرض وبقية الكواكب وليس العكس، أو أن  ظاهرة الاحتباس الحراري مجرد خدعة، أو ان اللقاحات تؤدي إلى مرض التوحد، أو ان العديد من الفيروسات مثل فيروس نقص المناعة قد أٌنتج من قبل مؤسسات طبية كسلاح بيولوجي من أجل محو أقليات سكانية معينة، أو ان موت بعض الشخصيات مجرد دعاية إعلامية بينما هم لا يزالون أحياء يرزقون، وغيرها.

كما يصدقون في المقابل العديد من الإشاعات والخرافات، ويعتقدون أن الحكومات والحكومة الخفية يحجبونها عن البشرية، مثل وجود مخلوقات فضائية، ومنظمات سرية تتحكم في العالم وفق أجندة يهودية، ويزداد في العالم مثل هذه المزاعم والاعتقادات في كل مجال وفي تفاصيل مختلفة من حياتنا مثل أن فنان الراب مايكل جاكسون قد أسلم فقامت الماسونية بقتلة ونفس الأمر قد حدث مع العديد من المشاهير، او ظهور صورة صدام حسين على سطح القمر بعد إعدامه.

ويعتقد البعض أن شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الاتصال الحديثة وقبل ذلك محطات الإذاعة والمحطات التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية لم تبتكر لتطوير الاتصالات وإنما تم ابتكارها من اجل استخدامها في الغزو الثقافي والفكري للمسلمين وسلبهم عقيدتهم، أو أن اليهود ومنظماتهم السرية تدخل في أسواق المسلمين العديد من المنتجات التي صنعت خصيصاً لغرض نشر الأمراض الخبيثة بين المسلمين والتأثير على الخصوبة بينهم وأصابتهم بالعقم حتى لا يتكاثر المسلمين من خلال الإنجاب.

وهناك من يعتقد أن تطوير أن المناهج الدراسية وتعلم اللغات الأجنبية ما هو إلا مخطط لهذه المنظمات السرية والماسونية وحكومة العالم الخفية لتدمير قيم المسلمين وإخراجهم من دينهم، كما يعتقدون ان الدافع الرئيسي للحروب ليس التنافس من اجل الهيمنة السياسية والسيطرة على مصادر الطاقة والموارد الاقتصادية الإستراتيجية وإنما هي حروب صليبية-إسلامية جاءت على أساس الصراع الحضاري.

مثل هذه التصورات ربما كانت موجودة في كل مكان في العالم بغض النظر عن مستوى انتشار العلم والثقافة، ولكن مثل هذه التصورات تزداد أينما تعددت الدوافع والعوامل المؤثرة ووفق المنظور الإيديولوجي أو الفكري لكل شخص أو كل مجتمع، ففي الصين أو اليابان او الهند او منغوليا أو تشيلي على العكس من العالم العربي، قلما سنجد من يعتقد أن محطات التلفزيون الفضائية أو النت والفيسبوك والواتساب وغيرها من التطبيقات قد ابتكرت لتدمير دينه البوذي أو الهندوسي وغيرها من الأديان والمعتقدات، أو أن الحرب إذا ما قامت مع الغرب لا بد أن تأخذ طابع عقائدي وتكون حرب صليبية، أو أن الرئيس الصيني أو الياباني أو الهندي ماسوني وصهيوني يعمل لصالح أجندة حكومة سرية تحرك العالم خفية وبسرية تامة!

ومن وجهة نظري، فإن السبب الرئيسي وراء هذا التهويل وتصديق هذه المزاعم أو بعضها على الأقل أو اختلاق بعضها الآخر أو تضخيم أحداث صغيرة قد تكون حقيقية وتحويلها إلى أحداث كبيرة جداً يعود إلى نظرية المؤامرة كدافع نفسي، ونظرية المؤامرة من ناحية نفسية تُعرف بأنها محاولة لشرح الأسباب النهائية لحدث مهم على إنه جزء من مؤامرة شريرة يقوم بها تحالف سري يضم أفراد ومنظمات فائقة القوة.

وأنا أعتقد أن من قام بالترويج لفكرة حكومة العالم الخفية وتحكم اليهود الماسونية العالمية في خيوط اللعبة وسيطرتها على العالم ومقدراته مما جعل هذه الأفكار تستحوذ على عقول الكثير من الناس في العالم يريدون لنا أن نفكر هكذا، وهذه واحدة من الأساليب الإعلامية لتهويل الأمور وخلق مشاعر الشك والارتياب والخوف والاستسلام.

وحسب علماء النفس، فإن الاعتقاد بنظريات المؤامرة يظهر غالباً عند الأشخاص الذين يفقدون القوة ويشعرون بالارتياب ونقص عام في السيطرة، إذ تساعدهم تلك النظريات على إدراك العالم من حولهم عن طريق تزويدهم بتفسيرات بسيطة لأي أحداث معقدة، وبهذا يعود الإحساس بالسيطرة والمقدرة على توقع الأحداث.

ومن الواضح جداً إن التفسيرات والنظريات التي يستند فيها الناس على نظرية المؤامرة تميل إلى مزجِ الحقائق مع التخمينات دون التمييز بينهما، وإلى إعطاء المتآمرين –المفترض وجودهم- قوة غير اعتيادية وتفوق غيرهم من البشر، وغالباً يكون برهان المؤامرة قد نشأ افتراضياً من خلال الربط بين أحداث لا تحتاج إلى أن تكون مرتبطة سببيًّاً.

ونجد أولئك الذين يميلون لنظرية المؤامرة هم من أولئك الذين يرتابون غالباً من كل المنظمات الحكومية والخاصة لاسيما أجهزة المخابرات، كما نجدهم يرفضون رفضاً قاطعاً الأخذ بأي تفسيرات بديلة للأحداث، كما يرفضون أي دليل لا يؤيد حكمهم المسبق.

يقول الفيلسوف الكبير كارل بوبر أن مغالطة نظرية المؤامرة تكمن في ميلها إلى وصف كلِّ حدثٍ على أنه “مُتعمَّد” أو “مُخطَّطٌ له”، وبذلك التقليل من الطبيعة العشوائية على نحو خطير للنتائج غير المقصودة للعديد من الإجراءات السياسية والاجتماعية.

وأخطر ما تخلفه نظرية المؤامرة فهو ارتباطها برفض العلم، فعلى الرغم من أن كلاً من نظريات المؤامرة ومنهج البحث والنظريات العلمية تحاول تفسير العالم من حولنا وظواهره وأحداثه عن طريق تحويل العشوائية إلى سببية، ولكن كلاً منهما يختلف عن الآخر. فالنظريات العلمية يجب أن تكون قابلة لإثبات صحتها من عدمه وفق منهج علمي وأسس بحث منطقية.

إن كل ما سبق يجعلنا ندرك أن نمط تفكير نظرية المؤامرة يقودنا إلى الكثير من المفاهيم والاستنتاجات الزائفة،  ومع ذلك فإن نظريات المؤامرة تستهوي الكثير من الناس، لأنها يمكن أن تقودهم إلى حالة من الطمأنينة والراحة النفسية، بعكس الحقيقة والتي ولسوء الحظ ليست مريحة دائماً!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ظرية المؤامرة.. هل حقًّا هناك من يُحرِّك العالم خفية؟

* مقال بعنوان “سيطرة اليهود على العالم وهم أم حقيقة” وينفي فكرة سيطرة اليهود على العالم من خلال الاعتماد على الإحصائيات المتوفرة وبطريقة بسيطة بعيداً عن التعقيد.

* نبذة عن محتوى كتاب “حكومة العالم الخفية“:

علمتني الكتابة. . التدوين في سبيل الرقي بالثقافة العربية

علمتني الكتابة وستعلمكم، العديد من الأشياء. .

تعلم الكتابة الفرد أشياء كثيرة في الحياة وتكسبه خصال وطباع متعددة، لأنها تتحول إلى سلوك وأسلوب حياة أحياناً. فهي سبيلنا للبوح بالأشياء والأسرار بالأسلوب الذي نختاره. هي طريق الوعي بالذات ووسيلة تواصل مع الآخر.

تعلمنا الكتابة أن نحمل دوماً رسالة، كما تعلمنا الصبر والحكمة والاتزان في الطرح ورقي الحوار وحسن الجدال واستخدام الحجة واحترام النص والكلمة، بل واحترام الحرف فضلاً عن احترام المعنى والمدلول. وفي هذا المقال أريد أن أركز على رسالة واحدة ينبغي أن يتعلمها الكاتب من الكتابة وهي احترام قيمة الدقة وإعلاء شأن قيمة المعلومة.

علمتني الكتابة الدقة والاهتمام بالتفاصيل، ومحاولة الإحاطة والإلمام بموضوع المقال من جوانب مختلفة ومن زوايا متعددة لخلق صورة أكثر وضوحاً. كما علمتني الكتابة الميل بقوة لكشف الغموض حين يكتنف أي قضية أو مسألة معينة، وأن أراجع المعلومات التي أسمعها أو أقرأها وأن أتحرى الحقيقة.

عندما جعلت من الكتابة والتدوين هواية لي ووسيلتي للتعبير عما بداخلي أملًا في الشعور بإحساس أفضل، كان أحد الدوافع التي جعلتني على قناعة تامة بأهمية التدوين الرقمي هو ما لاحظته من ضعف كبير وأزمة معلومات حادة في المحتوى الرقمي باللغة العربية. وأنت تقرأ وتتصفح المحتوى الرقمي العربي، لا بد أن تصاب بخيبة أمل كبيرة لعدة أسباب؛ فالسبب الأول هو شح المعلومات في مختلف المجالات، أما ثاني هذه الأسباب فهو عدم دقة هذه المعلومات ووجود أخطاء كثيرة يعاد تدويرها ونقلها دون أن يكلف أحد نفسه عناء تمحيصها وفحصها ومراجعتها، على عكس المحتوى باللغة الإنجليزية حيث تجد عشرات المدونين والكتاب الذين يشهرون أقلامهم لتصحيح كل معلومة خاطئة.

للمعلومة أهمية كبيرة جداً، لاسيما في عصر انفجار المعرفة، لما لها من دور في تكوين وعي الفرد وتنميته وتوسيع إدراكه بما يدور حوله. ولكونها تزود الإنسان بما يحتاجه من معارف وحقائق يستمد منها ردود فعله ومشاعره وتقديراته وتصوراته. وتتحكم المعلومة في القرارات التي نتخذها.

وعلى الرغم من هذه الأهمية الكبيرة للمعلومة ودقتها وصحتها، نجد وللأسف الشديد أن الثقافة العربية المعاصرة أو على الأقل الثقافة الشعبية والجماهيرية، لا تعلي من هذه الأهمية، ولا نجد لدى المتابع أو المشاهد أو القارئ العربي أي دافع للتدقيق في أي معلومة يسمعها. بحيث لا يميل الفرد العربي إلى التمحيص والتحري والتأكد من حقيقة المعلومة التي تقع تحت يديه، وهذا ربما هو السبب الذي أدى إلى عدد لا حصر له من الأخطاء اللغوية الشائعة في لغتنا العربية الجميلة وهي لغتنا الأم.

ونتيجة لعدم احترام الدقة في المعلومة، نجد مئات بل وآلاف المعلومات المغلوطة بين عامة الناس من متحدثي العربية. أو على الأقل تتعرض المعلومة الأصلية للتشويه والزيادة والنقصان، بينما يتعامل معها الناس كما لو كانت حقيقة مسلم بها ولعقود طويلة. وتبرز هذه الظاهرة في الحديث اليومي للفرد العربي، خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي.

وبهدف رفع الوعي بأهمية المعلومة ودقتها وبأهمية الحقيقية، حاولت من خلال مدونتي الإلكترونية أن أوضح أي معلومات مغلوطة حين أتطرق لأكثر المواضيع شيوعًا، خاصة تلك التي يلتبس أمرها على كثير من الناس نتيجة لتكرار سماعها في الشارع، وتكرار نشرها على شكل نص أو صورة أو فيديو مع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي والواتس آب ومختلف الوسائط الإلكترونية الحديثة.

في هذا المقال، أدعو الزملاء من المدونين والكتاب باللغة العربية بصورة عامة إلى تحري الدقة، وتقديم محتوى يصحح المعلومات الشائعة والمفاهيم الخاطئة ويحارب الشائعات المقصودة وغير المقصودة، ويرفع من شأن المعلومة وقيمة الدقة، حتى ترقى كتاباتنا إلى درجات عالية من الجودة.

_____________

* نشرت هذه التدوينة في مجلة Mayshad Arabia